خلال الأشهر الماضية، اندلعت الثورة في السودان لتنادي بالديمقراطية، وأطاحت الرئيس عمر البشير الذي حكم البلاد لثلاثين عامًا. وفي ظل حكم المجلس العسكري الانتقالي وتداعيات الأحداث هناك، يرى بولنت أراس، الباحث الكبير بمركز إسطنبول للسياسات، في مقاله المنشور بمجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية، أن على واشنطن التدخل لحل الأزمة قبل أن تتفاقم وتتسبب في اضطراب المنطقة بأسرها.

يشير أراس في بداية مقاله إلى أن الانتفاضة استهدفت نظامًا فاسدًا وسعت إلى إرساء قواعد ديمقراطية في نواحي الانتخابات والحريات والحوكمة الرشيدة. ومثلت النساء حوالي 70% من المحتجين، وكن قد عانين قرونًا من القمع والاستغلال أكثر من أي قطاع آخر في المجتمع السوداني.

كانت الآمال عريضةً عندما دخل البشير السجن وحل محله فريقه الخاص من الجنرالات. أراد المحتجون نقل السلطة من أيدي المجلس العسكري الانتقالي إلى مدنيين، لجعل السودان بلدًا ديمقراطيًا يخاطرون بحياتهم من أجله باعتزاز.

لكن أراس يعتقد أن تحولًا ديمقراطيًا كهذا نادر الحدوث، إن كان ممكنًا أصلًا. وعلى الرغم من أن موقف المجلس العسكري الانتقالي تجاه التفاوض مع المدنيين بدا انشقاقًا نخبويًا عن الطبقة الحاكمة، كان للجنرالات ذوي النفوذ رأي آخر في ما يخص الفترة الانتقالية.

يفيد الكاتب بأن الجنرال عبد الفتاح البرهان والجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي)، اللذين يمسكان بزمام الحكم في السودان، يريدان أن ينهي المدنيون احتجاجاتهم. ويلفت إلى أن الجنرالان يريدان أن يعقدا انتخابات تحت إدارتهما، وهو ما لم يوافق عليه المدنيون حتى الآن، إذ تدور بمخيلاتهم صورة ما حدث في مصر؛ حيث قاد الرئيس المصري الجنرال عبد الفتاح السيسي مصر إلى الانتخابات، وقمع المحتجين خلالها وبعدها، وأسس نظامًا لا يختلف كثيرًا عن نظيره الذي كان سائدًا أثناء حكم الرئيس المصري حسني مبارك، حسبما يرى الكاتب. ويعكس الهتاف الشعبي «إما النصر وإما مصر» هذا الهاجس بين المحتجين بوضوح.

Embed from Getty Images

أعلن المجلس العسكري الانتقالي أن الاعتصامات غير قانونية ووصفها بأنها «تهديد» للأمن الوطني. وعليه، هاجمت القوات المسلحة السودانية المحتجين في الخرطوم وفي مناطق أخرى بوحشية، وقتلت منهم ما يزيد عن المائة وتسببت في إصابة 500 في 3 يونيو (حزيران) الماضي. ومن جانبه، يعتبر المجلس العسكري الانتقالي هذا الهجوم تحركًا أمنيًا مشروعًا، إذ كان قد وعد بإجراء انتخابات تحت حكمه العسكري في غضون 9 أشهر.

في هذا السياق، يشير أراس إلى أن المجلس العسكري الانتقالي يتحكم في وسائل الإعلام ويحجب الإنترنت. لكن حتى مع ذلك، يرى أراس أن هذه السيطرة على وسائل الإعلام لم تكن كافية لمنع انتشار صور العنف المفجعة ضد المحتجين المدنيين المسالمين؛ كالمحتجين الذين تعرضوا للضرب، والجثث الملقاة في مياه النيل، والمشاهد الدموية للمدنيين المصابين.

يستعرض أراس سببين يرى أنهما تفسير لذلك التحول السريع من الجمود السياسي إلى أعمال القمع العنيفة في السودان. الأول هو أن سيطرة المجلس العسكري الانتقالي على القوات المسلحة، وعلى قوات الدعم السريع بقيادة الجنرال حميدتي تحديدًا، أعطته صلاحيات ضد المدنيين. ويشير أراس إلى أن تلك القوات تضم الآلاف من أفراد المليشيات، الذين انبثقوا عن قوات الجنجويد التي استخدمها النظام لتنفيذ جرائمه في دارفور. وتلك المجموعة شبه العسكرية هي المسؤولة عن الأعمال الوحشية التي ارتكبت في الثالث من يونيو (حزيران).

السبب الثاني، في رأي أراس، هو الدعم الإقليمي المقدم من جانب السعودية والإمارات ومصر؛ إذ التقى الجنرال البرهان بالرئيس السيسي في القاهرة وبالشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبوظبي، والتقى الجنرال حميدتي بمحمد بن سلمان في الرياض. وأمن الرجلان خلال تلك الزيارات صفقة معونة بمبلغ 3 مليار دولار لتوطيد سلطة المجلس العسكري الانتقالي.

وفي هذا الصدد، يرى أراس أن مكانة حكام السعودية والإمارات الإقليمية والدولية -ودعمهم للمجلس العسكري الانتقالي- نقطة تحول في موازين اللعبة في السودان.

وفي خطوة بدت اعترافًا بدور السعودية والإمارات في دعم المجلس العسكري الانتقالي في السودان، تواصل ديفيد هيل، وكيل وزارة الخارجية للشؤون الخارجية، مع نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان ووزير الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش.

وفي حديثه معهما شدد هيل على أهمية «انتقال السلطة إلى حكومة مدنية كما يأمل الشعب السوداني». وهو تعبير يرى الكاتب أنه مقلق لاثنين من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة واختلاف في الرؤى في ما يخص السودان.

يلفت أراس إلى الاستثمارات الضخمة التي ضختها السعودية والإمارات في السودان، الأمر الذي يجعل من المتوقع أن تحظى الدولتان الخليجيتان بنفوذ على الحكومة السودانية المستقبلية. غير أن الكاتب يرجح في الغالب أن السعودية والإمارات ترغبان في إدارة التحول السودان بحيث تمنعان سيطرة المدنيين على الحكم، وتشاركهما مصر -الحليف الإقليمي- في تلك الرغبة.

يرى أراس أيضًا أن التدخل السعودي-الإماراتي في السودان يتعلق بمخططهما الإقليمي (من اليمن إلى ليبيا)؛ إذ ترغب الدولتان في القضاء على قدرة تركيا وقطر -منافستيهما الإقليميتين- في الاضطلاع بأي دور في السودان. وفي السياق نفسه، يشير الكاتب إلى انحياز تركيا وقطر إلى الثورات الشعبية خلال الربيع العربي، ودعمهما الجنرال حفتر في ليبيا، ومقاومتهما الحصار السعودي-الإماراتي ضد قطر لعامين.

ومن ناحية السودان، يشير أراس كذلك إلى تقارب البلدين من البشير قبل الثورة، الأمر الذي كان يمثل مصدر قلق عميق لحكام السعودية والإمارات. وبالإضافة إلى ذلك، يرى الكاتب أن من مصلحتهما العليا الحفاظ على دعم الجيش السوداني في اليمن؛ إذ يشرف الجنرال البرهان على ما يقرب من 10 آلاف جندي سوداني في اليمن.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من المناقشات المتعلقة بالتحول الديمقراطي في السودان، لم يُلحظ أي نشاط دبلوماسي أمريكي في البلد حتى هذه اللحظة، بل يبدو الدور الدبلوماسي كله واقعًا على عاتق إثيوبيا. ويرى أراس أن تعيين السفير السابق دونالد بوث مبعوثًا خاصًا إلى السودان كان خطوة محل ترحيب.

إذ سيكسب تدخله في الأزمة الولايات المتحدة ثقة المدنيين، بحسب رأي أراس، الذي يعتقد أن الدور الذي ستضطلع به الولايات المتحدة مهم للغاية من أجل الوصول إلى حل سياسي للأزمة الحالية، قبل أن يتسبب الوضع في فوضى في المنطقة.

يشير أراس إلى تعقد العلاقات التي تربط الولايات المتحدة بالسودان، وقد فرضت الولايات المتحدة العقوبات على ذلك البلد لفترات طويلة. ويعدد الكاتب المحطات الرئيسية التي عقدت العلاقة بين البلدين، فيذكر أنه في العام 1998، قصفت إدارة كلينتون الخرطوم إثر ادعاءات بدعمها تنظيم القاعدة.

ولم يتردد الرئيس جورج دبليو بوش في خرق سياسة الولايات المتحدة وأيد اتهامات المحكمة الجنائية الدولية ساعيًا إلى مثول البشير أمام للعدالة، غير أن تعهد الولايات المتحدة بذلك لم يحشد دعمًا دوليًا. وخلال تلك الفترة، لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في توقيع اتفاقية السلام الشامل في السودان عام 2005 بين دولتيّ السودان وجنوب السودان، التي أدت إلى استقلال الأخيرة في عام 2011.

وبناء على هذا التاريخ، يوصي الكاتب ألا تدير أمريكا ظهرها للسودان بعد أن أطيح البشير من منصبه، إذ يرى أن هناك دورًا أساسيًا يمكن للولايات المتحدة الاضطلاع به خلال التسوية السياسية وما يأتي بعدها. ويبرر هذا الرأي بأن الولايات المتحدة، بحسب اعتقاده، هي الجهة الوحيدة القادرة على جلب الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والدول الخليجية ومصر إلى طاولة المفاوضات.

ويرى في هذا الصدد أن هناك فارقًا في الأولويات وفي وجهات النظر ينبغي التفاوض عليه من خلال التدخل الأمريكي. ويرى أيضًا أن على الولايات المتحدة المشاركة في إعادة بناء الاقتصاد في السودان وتحقيق ثمار السلام.

يذكر أراس أن الولايات المتحدة ومعها الأمم المتحدة لاقتا في الماضي نجاحًا في السودان. ويرى أن الوقت قد حان للانتقال بذلك النجاح إلى مرحلة أبعد. وفي هذا السيناريو، سوف تنهض الولايات المتحدة بدور قيادي ليكون هناك موقف ثلاثي بنّاء بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، يقوض مطامح الجهات الإقليمية.

وختامًا، يرى الكاتب أن ذلك الإجراء الاستباقي سيؤتي ثماره في هيئة أمن قومي. والأهم، حسب رأيه، أن يكون دور الولايات المتحدة هنا هو دعم عملية التحول إلى الديمقراطية.

مترجم: انتهت صداقة استثنائية.. ما مصير المصالح التركية في السودان بعد البشير؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد