نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني مقالًا مطولًا أعده الصحافيان بيتر أوبورن وجان بيتر ويستاد تساءلا فيه عن مدى إمكانية تحقيق السلام في جنوب السودان. بعد الاتفاق الأسبوع الماضي على تشكيل حكومة ائتلافية، جاء بعد التنافس الطويل بين الرئيس سيلفا كير ونائبه السابق وزعيم المتمردين الحالي ريك مشار.

يستهل الكاتبان مقالهما بالقول إنهما قد تلقيا دعوة من الفنان جيمس أجوير قرنق إلى الاستوديو الخاص به، والذي لا يوجد فيه الكثير من الأثاث، بينما كانت تستند على الحائط أشهر لوحاته الفنية.

الجانب الأيمن من اللوحة كان يصور دولة جنوب السودان المأمولة إبان فترة الاستقلال في يوليو (تموز) عام 2011؛ حيث السماء الزرقاء، والماشية التي ترعى في العشب المورقة، ورجل وابنته يمشيان يدًا بيد. أما الجانب الأيسر من اللوحة فيمثل حقيقة الحرب، وما تنطوي عليها من دمار وموت واغتصاب. ويظهر أيضًا طفل يحاول أن يرضع الحليب من ثدي والدته الميتة، كما يظهر القرويون وهم يفرون من منازلهم المحترقة، بينما يتقدم الجنود نحوهم.

دولي

منذ شهر
جنوب السودان يودع الحروب.. لكن مهلًا هل سيودع الجوع أيضًا؟

يقول قرنق، ذلك الرجل الأربعيني اللطيف الجاد: «هذه قصة بلدنا». يصف الكاتبان قرنق قائلين: إنه يرتدي بدلة سوداء، ويضع قلمًا داخل جيب قميصه، ويرتدي ملابس أقرب لشخصية المحاسب منها إلى شخصية الفنان.

يوضح الكاتبان أن الصورة لها سمة شخصية بالنسبة لقرنق، ففي عمر التاسعة كان من بين مجموعة مؤلفة من 20 ألف طفل جندهم الجيش الشعبي لتحرير السودان للقتال في الحرب السودانية الثانية، التي استمرت بين عامي 1983 وعام 2005.

يحكي قرنق أن الجنود أخبروه بأنه سيذهب إلى المدرسة، لكن بدلًا عن ذلك تعلم كيفية استخدام البندقية. كما أنه كان شاهدًا على واحدة من أكثر الصراعات الوحشية في العصور الحديثة، والتي يُعتقد أنها أسفرت عن إزهاق أرواح أكثر من مليوني شخص، أي ما يقارب ربع عدد سكان جنوب السودان.

Embed from Getty Images

رئيس جنوب السودان سيلفا كير 

يلاحظ الكاتبان وجود ندبة أعلى الحاجب الأيمن لقرنق، وهو يروي قصة تلك الندبة قائلا: «كنا نركض من العدو. وكان ينبغي علينا عبور نهر، بينما كانت القوات الحكومية تطلق النار علينا؛ لذا قمت بالغطس في الأعماق، للهروب من الرصاص، لتصطدم رأسي بأحد الأحجار». يضيف الرجل أنه يتذكر تلك الأوقات كل يوم عندما ينظر في المرآة.

يقول قرنق إنه بعد خمسة أعوام فر من القتال والمعارك، وذهب في رحلة استمرت خمسة أشهر سيرًا على الأقدام عبر أدغال إثيوبيا قبل أن يصل إلى مخيم للاجئين في كينيا. وهناك تعلم الرسم، متبعًا خطى والده الذي كان حرفيًا تقليديًا يقوم بنحت التماثيل من الخشب وقرون البقر.

واليوم، لا يُعد قرنق فقط واحدًا من أشهر الرسامين في جنوب السودان، بل إنه يستخدم الفن أيضًا لتوفير علاج للأطفال والكبار المصابين بالصدمات النفسية الناتجة عن الحرب.

القتال هو الوضع الطبيعي للحياة بجنوب السودان

يقول قرنق: إنه لا يوجد مرض أسوأ من الإصابة بهذا النوع من الصدمات النفسية في جنوب السودان، وأول شئ تهاجمه هذه الصدمات هي العقل، فلا يمكنك التركيز ولا تذكر الأشياء وتكون لديك مشاكل في علاقاتك الشخصية مع الناس. ويضيف: «في جنوب السودان، القتال هو الوضع الطبيعي. ولا توجد اعتذارات. هذه حياة المجتمع المصاب بصدمات نفسية».

يوضح الكاتبان أن جنوب السودان كانت في حالة صراع في معظم الأوقات منذ أن منحت بريطانيا السودان استقلاله في العام 1956، متجاهلةً التحذيرات المتكررة من سكان محليين ومسؤولين استعماريين مطلعين بأن الجنوب كان نائيًا ومتخلفًا بشدة للدرجة التي تمنعه من تسلم الحكم من الخرطوم.

واندلع أول تمرد سوداني في العام 1963 واستمر طيلة عَقد من الزمن واستمر اتفاق وقف إطلاق النار غير المستقر حتى العام 1982 عندما اندلعت الحرب مجددًا واستمرت طيلة 21 عامًا حتى تم إبرام اتفاق سلام في يناير (كانون الثاني) عام 2005.

واستطاعت دولة جنوب السودان تأمين استقلالها عن السودان بموجب استفتاء أجري عام 2011. وبعدها بعامين فقط نشبت حرب أهلية جديدة وعانت غالبية مواطني جنوب السودان من فقدان أفراد أسرهم، وفي كثير من الأحيان أسرهم بأكملها.

الجميع مذنبون وضحايا في جنوب السودان

كما ارتكب الكثير منهم فظائع وعانى الملايين من ويلات الفرار من منازلهم، والنتيجة أن أكثر من مليون لاجئ من جنوب السودان يعيشون في أوغندا المجاورة وحدها.

يقول الكاتبان إن منظمة قرنق تحاول مواجهة دوامة العنف بمشاريع فنية تجوب الشوارع موجهة للشباب، ويطلق على المنظمة اسم «أنا تعبان». ويؤكد قرنق أن الجميع في جنوب السودان قد سئم الحرب.

ويستطرد قائلًا: «نحتاج إلى أن نستعيد رشدنا، لمنع أنفسنا من أن نكون ضحايا ومعتدين. لكن من الصعب تغيير ذلك بنفسك. لهذا السبب نحتاج إلى برامج للأشخاص الذين لا يستطيعون إيقاف العدوان». يعتقد قرنق اعتقادًا راسخًا أن هناك إمكانية للتغيير، وأنه يمكن أن تتولد المصالحة من رحِم الصدمات النفسية.

Embed from Getty Images

أثناء زيارة رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك – كردفان – جنوب السودان 

سيلفا كير ومشار.. عقارب داخل زجاجة

يقول الكاتبان إن هناك محاولة جارية لإقرار مصالحة في جنوب السودان. ويضيفان أنه على بعد 15 دقيقة سيرًا على الأقدام من مكتب قرنق يوجد طريق ترابي يجلس على جانبه رجال على مقاعد بلاستيكية يحتسون الشاي.

على أحد جوانب الطريق يوجد ملعب كرة القدم الوطني، ويفصله عن الشارع سور حديد وعلى الجانب المقابل توجد مجموعة من الفنادق الحديثة التي كانت خلال العام الحالي معقلًا لقادة المتمردين وأمراء حرب ودبلوماسيين ومسؤولين حكوميين ووسطاء السلطة الدوليين.

يشير الكاتبان إلى أن وسطاء السلطة الدوليين موجودون هناك للتفاوض على تسوية سلمية بين رئيس جنوب السودان سيلفا كير وخصمه ريك مشار، إذ يعتمد إقرار السلام على تشكيل الرجلين لحكومة وحدة وطنية بحلول الموعد النهائي المتفق عليه وهو 22 من فبراير (شباط) الجاري.

يذّكر الكاتبان بأن مشار وكير كانا رفيقين قبل 40 عامًا داخل صفوف الجيش الشعبي لتحرير السودان، الفصيل المعارض الرئيس لحكومة الخرطوم، والذي كان يتزعمه البطل القومي وزعيم حرب العصابات الأسطوري جون قرنق.

ولكن الرجلان أصبحا عدوين في العام 1991 عندما قام مشار بمحاولة انقلاب فاشلة ضد جون قرنق، بدعم من الخرطوم، وظل كير مواليًا لقرنق، وعُيِن خليفةً له بعد وفاته في حادث تحطم طائرة هليكوبتر عام 2005.

التأم شمل الرجلين في العام 2011 عندما أصبح كير رئيسًا لجنوب السودان، ومشار نائبًا لرئيس الجمهورية الوليدة، لكن أخفقت تلك الشراكة – وأصبح الاثنان أشبه بعقربين داخل زجاجة – وانزلقت جنوب السودان في العام 2013 إلى آتون الحرب.

اقتتال داخلي للمرة الأولى

يتابع الكاتبان «هذه المرة فقط لم تكن الحرب بين الشمال والجنوب. بل كان مواطنو جنوب السودان يقاتلون بعضهم البعض».

يضيف الكاتبان أن العام 2016 شهد إعادة تعيين مشار نائبًا للرئيس في محاولة فاشلة للتوسط لإقرار السلام. وبعد ثلاثة أشهر، اندلع القتال بين قوات مشار وسيلفا كير، وفر مشار من العاصمة جوبا، ولاحقته قوات كير. بينما لا يوجد إجماع على تحديد الطرف الذي بدأ القتال.

وبسرعة كبيرة، تحول الصراع السياسي المتجدد إلى صراع وحشي بين أكبر القبائل في البلاد؛ قبيلة الدينكا التي ينحدر منها مشار وقبيلة النوير التي نتحدر منها مشار، وسرعان ما انزلق الإقليم الاستوائي الجنوبي، الذي تجنب الصراع إلى حد كبير عام 2013، إلى القتال.

يقول الكاتبان إن السودان بأكملها كانت في حالة حرب قبل وقت طويل، وكان الكثيرون يخشون أن تنزلق البلاد إلى عنف الإبادة الجماعية التي سادت رواندا عام 1994، ولكن تحت الضغوط الدولية تراجعت دولة جنوب السودان بنفسها عن الانزلاق في الهاوية.

Embed from Getty Images

اللحظة الأكثر مدعاة للأمل في تاريخ جنوب السودان

وبحلول ديسمبر (كانون الأول) عام 2017، اتفق مشار وكير على وقف إطلاق النار وعادا إلى طاولة المفاوضات. ويتذكر الكثيرون اليوم تلك اللحظة باعتبارها الأكثر مدعاة للأمل في التاريخ القصير لجنوب السودان. 

يوضح الكاتبان أن المفاوضات تقودها الهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد) والتي كانت مسؤولة أيضًا عن اتفاق السلام الشامل الموقع في العام 2005، كما يقدم الدعم من قبل ما يسمى الترويكا المؤلفة من الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج إضافة إلى دور زعماء الكنيسة المحلية والدولية بما في ذلك بابا الفاتيكان البابا فرنسيس ورئيس أساقفة كانتربري.

وتدعم جميع القوى في المنطقة إحلال السلام بجنوب السودان، إذ تلعب أوغندا (الداعمة لكير لفترة طويلة) دورًا بارزًا كما أن إثيوبيا، التي كثيرًا ما استضافت قوات المتمردين، أطلقت شرارة بداية محادثات السلام.

تدفع جنوب إفريقيا أيضًا من أجل إقرار تسوية، وتعتبرها كبداية مثالية لفترة رئاستها الجديدة للاتحاد الأفريقي، وهو الدور الذي اضطلعت به في يناير من العام الحالي.

ويرى الكاتبان أن الأمر الذي ربما يكون الأهم من جميع ما سبق، هو أن إسقاط الرئيس السابق للسودان عمر البشير، الذي شن حربًا استمرت عدة أعوام ضد الجنوب، قد أنتج أجواء إيجابية. ويقول الكاتبان إن دبلوماسيًا أخبرهما بأن الظروف الحالية مواتية للتوصل لتسوية، و«النجوم متراصفة» في إشارة إلى أن آفاق التوصل إلى سلام أكثر إشراقًا.

أصغر دول العالم عمرًا

يطلق على جنوب السودان الدولة الأصغر عمرًا على مستوى العالم، ويتألف سكانها البالغ تعدادهم 11 مليون من 60 جماعة عرقية لا تشكل أي منها أغلبية. وأكبر تلك الجماعات هي قبيلة الدينكا التي تشكل ثلث عدد السكان. وثاني أكبر تلك الجماعات هي قبيلة النوير والتي سُدس عدد السكان.

يلمح الكاتبان إلى أن بعض السكان يميزون أنفسهم بندبات الوجه. ومن المألوف رؤية رجال محفورة على جباههم خطوطًا طويلة على شكل حرف V. فيما تمتد خطوط متوازية حول الجزء الخلفي من رؤوس رجال آخرين، وترسم نجوم وصلبان على الخدين لدى مجموعة أخرى من الرجال.

يوضح الكاتبان أن لكل قبيلة لغتها الخاصة. واللغة العربية، الموجودة منذ أيام الوِحدة مع السودان، هي الأقرب للغة الوطنية في جنوب السودان. فيما تحظى اللغتان الإنجليزية والسواحلية بشعبية بين الملايين الذين لجأوا إلى أوغندا وكينيا.

خلال عقود الحرب مع السودان، كان لدى القبائل عدو مشترك. وبعد الاستقلال تفككت عرى أي هوية وطنية على الفور، إذ عاد قادة جنوب السودان إلى الانتماءات القبلية، وملأوا جيوبهم بالموارد المخصصة لبناء الدولة.

السرقات والفساد يعطلان التنمية في جنوب السودان

تماثل مساحة جنوب السودان مساحة فرنسا، لكن بينما تمتلك فرنسا أكثر من مليون متر من الطرق المعبدة، لا يوجد في جنوب السودان سوى أقل من 300 طريق معبد؛ وهذا التباين يغدو أكثر سوءًا عندما تستحضر حقيقة أن الإيرادات السنوية لجنوب السودان تتعدى 1.15 مليار جنيه إسترليني من عائدات النفط فقط منذ العام 2005.

يعزو الكاتبان ذلك الأمر إلى افتقار جنوب السودان للمؤسسات الرسمية إبان فترة الاستقلال وهو الأمر الذي سهّل من تفشي السرقة. ويلفتان إلى أن غالبية سكان جنوب السكان مزارعون أو رعاة ماشية لم يتلقوا تعليمًا رسميًا.

Embed from Getty Images

يقول الكاتبان إن الأبقار ظلت طيلة قرون محور الاقتصاد والثقافة داخل جنوب السودان ولم يتغير الكثير في ذلك الأمر؛ فلا تزال الأبقار هي العملة المفضلة داخل قرى بعينها، وفي العاصمة جوبا يقوم غالبية الأشخاص أصحاب النفوذ بدفع المهور، أو إخفاء الأموال المسروقة، عن طريق شراء قطعان الماشية الكبيرة.

يشير الكاتبان أيضًا إلى أن الأموال المخصصة لإنشاء الطرق والمدارس والمستشفيات انتهى بها الأمر في جيوب الإدارة الجديدة والمؤلفة من جنرالات سابقين ومحاربين قدامى لا توجد لديهم أية خبرة في إدارة الحكومة.

يستشهد الكاتبان بأحد الأمثلة التي يصفاها بسيئة السمعة بشكل خاص وهي فضيحة الحبوب المعروفة بـ«دورا ساجا» والتي شهدت اختفاء 1.53 مليار جنيه إسترليني مخصصة لمنشآت تخزين الطعام للحماية من المجاعة.

توقعات بعودة المجاعات إلى جنوب السودان

ويحذر التقرير من أنه بعد عامين متتاليين من الفيضانات في معظم أنحاء البلاد، من المتوقع حدوث المجاعة مجددًا في معظم مناطق جنوب السودان، إذ لا يوجد حتى الآن بنية تحتية لحماية السكان من التضور جوعًا. وفي العام 2012، أصدر الرئيس كير – أحد المستفيدين الرئيسين من نهب الأموال العامة – نداءً علنيًا يفتقر إلى الحماسة والمصداقية إلى 75 من كبار المسؤولين لإعادة أكثر من 3 مليارات جنيه إسترليني.

يقول الكاتبان إن الأمر المثير للدهشة هو أنه لم يتم إعادة أي أموال، ولا يزال الفساد مستشريًا. إذ يشير تقرير نشره فريق سينتري الاستقصائي في منظمة « Enough Project» غير الربحية، في سبتمبر (أيلول) عام 2049، على نحو تفصيلي إلى شبكة دولية من الجهات الفاعلة التي قدمت مساعدة للفاسدين المحليين في سرقة المليارات من الأموال، بداية من عمالقة النفط الصينيين، والماليزيين، والأباطرة البريطانيين، وانتهاءً بشبكات التُجار من إثيوبيا، وإريتريا، وكينيا، وأوغندا.

كانت النتيجة بالنسبة لشعب جنوب السودان هي: المجاعة والحرب. وأدى انهيار الوحدة الوطنية إلى النزاعات القبلية والفقر إلى اشتباكات مسلحة غير خاضعة للسيطرة في جميع أنحاء البلاد.

«أنت لا تعلم لماذا يريدون قتلك»

يقول الكاتبان «يستغرق الأمر أكثر من يومين من قيادة السيارة لمسافة 400 ميل شمالًا من جوبا في الجنوب إلى واو ثاني أكبر مدن البلاد، حيث لا توجد طرق معبدة وتنتشر الحواجز التي تديرها الميليشيات ويوجد اللصوص على جانبي الطريق». ولتجنب هذه المتاعب يقول الكاتبان إنهما اتخذا الجهة الشمالية للسفر.

ويتابعان «وصلنا إلى مدرسة بلا نوافذ ولا أبواب ولا مقاعد، ولا يوجد فيها سوى سبورة. يحصل المعلمون على رواتب قدرها 3 آلاف جنيه سوداني، أي أقل من 10 جنيهات إسترلينية في الشهر، وحتى هذه الأموال نادرًا ما يحصلون عليها».

يقول الكاتبان إن أحد المعلمين أخبرهما بأنهم اعتادوا العمل طيلة ستة أشهر دون الحصول على راتب، ويؤكد أنه لا يستطيع إطعام أطفاله.

ينقل الكاتبان عن فيليب نيوك وهو مدير كلية لتدريب المعلمينقوله:  إن السلام سيغير العديد من الأشياء في البلاد؛ إذ سيكون المواطنون قادرين على العودة إلى مناطقهم وزراعة أراضيهم وسيحصلون على مزيدٍ من الدخل.

يتابع نيوك «لا يمكنك الابتعاد خمسة أميال عن هنا؛ لأنك ستتعرض للقتل على أيدي مسلحين مجهولين، ولا تعرف لماذا يريدون قتلك. ولهذا لا يمكنك الخروج من البلدة وزراعة محاصيلك الخاصة».

وبالرغم من الحرارة، يرتدي نيوك بذلة رمادية أنيقة وربطة عنق وأخبر المراسلان بنفس ما أخبرهما به جيمس قرنق: «لقد سئمنا من الحرب. تحتاج جنوب السودان إلى أشخاص أقوياء، مستقلين، يعملون بجد، ويستطيعون دعم أنفسهم».

ويستطرد قائلًا: «لن يكونوا في حاجة لدعم إذا تم إحلال السلام. لكن مع انعدام الأمن لا توجد وظائف، ولا طعام، ولا مأوى».

يتابع الكاتبان: «على الرغم من الوضع الحالي، يمتلك نيوك خططًا طموحة، حيث قادنا إلى خارج المدينة ليرينا المناظر الطبيعية وانتشار الأدغال الجافة لأميال على جانبي الطريق المتهالك فيما توفر الأشجار الصغيرة ظلًا ظليلًا».

يضيف الكاتبان أنهما مرا برجل يقوم بجمع الحطب والعرق يتصبب من وجهه وبعد 15 دقيقة وصلا إلى 150 هكتارًا من الأراضي البكر التي خصصها نيوك لتحويل كليته إلى حرم جامعي. 

لا يوجد سياج أو علامة لتمييز الموقع، ولا يوجد شيء يميزه عن الأدغال المحيطة به، ولا تزال هناك الكثير من الأمور للقيام بها. إن الرجال أمثال نيوك عازمون على تحقيق المستقبل الذي كانت تحلم به دولة جنوب السودان منذ الاستقلال قبل تسعة أعوام، إذا سمح قادتهم بذلك.

Embed from Getty Images

الوضع خطير للغاية ما يمنع العودة للديار

على بعد أميال من الحرم الجامعي لنيوك، وفي مخيم للنازحين داخليًا على الضفة الشرقية لنهر الجور، قابل المراسلان سيدة تدعى أدوم، وهي أم لثمانية أطفال كانت تجلس القرفصاء أمام خيمتها بينما يلعب أولادها فوق قدميها. وقالت لهما: «لقد ولِدت أثناء الصراع وتزوجت أثناء الصراع والآن أنا أكبر خلال الصراع». وتضيف أنها تفتقد منزلها للغاية لكن كل شئ دُمِر.

أما أديرو، وهي أم لسبعة أطفال، فتستعيد ذكرياتها خلال الصراع وتقول: إن ابن شقيقها قد قُتِل أثناء تناوله الطعام معهم؛ ما دفعهم للهروب. لذا فإنها لا تستطيع العودة إلى منزلها حتى يحل الأمن.

تضيف «عندما أعلم بوجود اتفاق بين المعارضة والحكومة، يمكنني عندئذ التفكير في العودة للديار. أنا لا أفتقد قريتي فقط. إنني أبكي حتى يذوب قلبي كمدًا. لكن لا يزال الوضع خطيرًا؛ ما يمنع العودة للديار».

التقى الكاتبان أيضًا سيدة أخرى وهي أسونتا، التي وصلت إلى المخيم في مارس (آذار) الماضي بعد أن سارت طيلة ثلاثة أيام، إثر تعرض قريتها لهجوم. وتقول «إذا شكلوا حكومة وحدة فسأعود إلى منزلي».

يوضح الكاتبان أن غالبية من تحدثوا معهم كانوا من أفراد قبيلة «اللو»، الذين فروا من المهاجمين المنتمين للدينكا. ويعزو الكاتبان وجود هذه الحرب العشوائية بين مختلف القبائل إلى انهيار النظام في جنوب السودان.

يضيف الكاتبان أن الخلافات التي كان عادةً ما تسوى من خلال أعمال عنف منخفضة الحدة ينظمها قادة القبائل، يتم تسويتها الآن بالمدافع الرشاشة والقذائف الصاروخية، التي كان من السهل الحصول عليها في زمن الحرب الأهلية.

ويضيف التقرير: إن مأساة جنوب السودان تدور جزئيًا فقط بين الجيشين المتناحرين اللذين يقودهما كير ومشار. وتسببت أهوال الحرب بين الجانبين في إطلاق سلسلة من النزاعات المحلية التي لا يمكن حلها دون وجود وحدة وطنية.

«فورين بوليسي»: هكذا تربَّح المستثمرون الأجانب من العنف في جنوب السودان

كلنا واحد

بالعودة إلى جوبا، يواجه المفاوضون نقطتين شائكين: أولهما مسألة دمج جيشي مشار وكير في مؤسسة وطنية، وهذه النقطة تسير الأمور خلالها بشكل أفضل من المتوقع.

يقول الكاتبان إنهما التقيا الكولونيل لام بول جابرييل المتحدث باسم جيش المعارضة التابع لمشار، داخل إحدى الفنادق بالعاصمة جوبا، وأخبرهما بأنه لا توجد اشتباكات كبيرة بين الجانبين منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 وأنه تم إنجاز خطوات كبيرة في مسألة دمج الجيشين داخل مراكز تدريب مقامة في جميع أنحاء البلاد، وتسود مشاعر السعادة قوات الجيشين حيث ينامون سويًا ويحتفلون سويًا ويتناولون الطعام سويًا.

وأضاف جابرييل أن قوات الجيشين يصدحون بحماس «كلنا واحد» داخل مراكز التدريب وفي القريب العاجل سيتم نشر ما يصل إلى 40 ألف عنصرًا من القوة الوطنية الجديدة في نقاط تفتيش حدودية وللقيام بمهام حفظ الأمن.

وشدد العقيد جابرييل على أنه لم يتخذ قرار بعد بشأن ما إذا كان رئيس هيئة الأركان العامة لقوات المعارضة الليفتنانت جنرال جاتويتش دوال أو الجنرال جابرييل جوك رياك قائد جيش كير، سيتولى مسؤولية هذه القوات.

يقول الكاتبان إن تلك الرسالة الإيجابية ذاتها جاءت من جانب الحكومة، بالرغم من أن أحد المراقبين الدبلوماسيين للمحادثات يشك في ذلك. ويتساءل: «هل يرسلون المقاتلين الأساسيين إلى المعسكرات، أم هل يقوم الجانبان بتجنيد أشخاص للذهاب إلى المعسكرات، في حين يتركون القوات التي تتمتع الخبرة في المواقع الدفاعية الأساسية؟»

على أي حال، تحمل مسألة توحيد الجيش قيمة رمزية كبيرة، إذ إن الجيش مؤسسة تتجاوز الولاءات القبلية، وهو أمر نادر في جنوب السودان. وإذا كان للسلام أن يستمر، فإن تشكيل هوية وطنية جديدة سيكون هو المفتاح لتحقيق ذلك. وفي مجتمع يشغل فيه الجنرالات السابقون في الجيش الشعبي لتحرير السودان معظم مناصب السلطة، يعد الجيش مكانًا واضحًا لبدء هذه العملية.

قضية الولايات

ينتقل الكاتبان للحديث عن القضية الثانية وهي عدد ولايات جنوب السودان. وتُعد تلك القضية، التي يبدو وأنها من التفاصيل الإدارية، ذات طبيعة سياسية بشكل عميق. فأثناء الاستقلال في العام 2011، تم تقسيم جنوب السودان إلى 10 ولايات ومنذ ذلك الحين زاد كير العدد إلى 25 ولاية خلال العام 2015 ثم إلى العدد الحالي 32 ولاية في العام 2017.

Embed from Getty Images

منطقة تريكيكة – جنوب السودان 

يؤكد النقاد على أن إعادة ترسيم كير للحدود كان الهدف منه: إعادة توزيع أغلبيات الدينكا داخل المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، لاسيما في المناطق الغنية بالنفط. الأمر الأكثر أهمية هو أن هذه الأغلبيات ستضمن لكير الفوز بالانتخابات الوطنية المقرر إقامتها خلال ثلاثة أعوام. 

على الجانب الآخر، رفض مشار لأسباب مفهومة القبول بعدد الولايات الحالية (32)، كما رفض اقتراحًا قدمه وسطاء من جنوب إفريقيا بأن تعرض القضية على لجنة تحكيم دولية.

وكان مشار قد اقترح العودة إلى نظام الـ24 ولاية المعترف به في ظل الإدارة البريطانية، مع جعل جوبا ولاية محايدة، وهو أحد الخيارات الأكثر جاذبية نظرًا لأنه يضع حدودًا تاريخية يمكن العمل من خلالها، وبالرغم من ذلك يرفض كير المساومة.

يرى الكاتبان أن الفشل في التوصل إلى اتفاق في ذلك الصدد يكشف ما هو أكبر من مجرد سوء النوايا. بمعنى أن مشار وكير يخشيان من بعضهما البعض. فبعد أعوام من القتال المرير، يخشى الاثنان على حياتهما. كما رفض كير أن يمنح مشار، الذي يُزعم أنه يحمل الجنسية البريطانية، جواز سفر جنوب السودان.

يسافر مشار، الذي يقيم في الخرطوم، إلى جوبا في طائرة عسكرية خاصة بالجنرال محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي العضو البارز بالحكومة الانتقالية السودانية وقائد قوات الدعم السريع التي تشكلت من عناصر من ميليشيا الجنجويد المتهمة بارتكاب مجازر في إقليم دارفور.

ينوه الكاتبان عن أن مشار لا يقيم على الإطلاق بالمدينة دون حماية سودانية وكلما تواجد الرجلان في المدينة، يتم نشر شاحنات مليئة بعناصر الحرس الرئاسي المعروفة باسم كتيبة النمر، أمام الفندق الذي يقيمان به.

ثقوب الرصاص في الجدران

يصف الكاتبان المشهد أمام قصر كير الرئاسي الواقع بمركز العاصمة جوبا حيث يبدو الحراس الذين يقفون أمام القصر أكثر ارتياحًا، مرتدين أزياء عسكرية أنيقة وقبعات حمراء اللون ونظارات داكنة ويدخنون السجائر.

لكن الجدران خلفهم مملوءة بثقوب الرصاص، والتي تعود إلى فترة المعارك بين قوات كير ومشار، منذ المرة الأخيرة التي حاولا فيها تشكيل الحكومة عام 2016. كما ترعى الماعز التي ترعى أمام لوحات تحمل شعار جنوب السودان «العدالة.. والحرية.. والازدهار».

يقول الكاتبان إنهما التقيا داخل المكتب الخاص لكير بسكرتيرة الرئيس التي أخبرتهما بأنها اعتادت على شن حملة ضد العنف على أساس الجنس. ثم يدخل كير مرتديًا القبعة المميزة له، والتي قدمها له الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن خلال زيارة للبيت الأبيض قبل 15 عامًا ومنذ ذلك الحين، لم يشاهد دون ارتدائها إلا نادرًا.

يصف الكاتبان الرئيس سيلفا كير بالقول: إنه يسير ببطء وتسود أحاديثه توقفات طويلة، لكنه يعبر عن تفاؤله إزاء إمكانية تشكيل حكومة وحدة خلال الشهر الحالي.

ويضيفان أنهما استشفا تشكك كير إزاء مشار من خلال الكثير من تصريحاته حيث يقول الرئيس: «إن ريك غير مقتنع بالاتفاق لأنه لن يجعله رئيسًا. لقد هدد بالعودة إلى الحرب». ويتابع «إذا استحوذ على مركز السلطة، وسيطر على جوبا حتى ليوم واحد، فسوف يعلن أنه الرئيس. ولو تواجد هنا في هذه الغرفة لـ24 ساعة، فقد اكتملت طموحاته».

Embed from Getty Images

ويسأل الكاتبان سيلفا كير «من سيكون القائد الأعلى للجيش؟» ويرد كير «بطبيعة الحال، سيكون شخصًا من طرفنا»، وهي التصريحات التي تناقض التصريحات السابقة من المتحدث باسم جيش مشار. يضيف الرئيس «جميعنا يريد السلام عدا ريك مشار». يقول الكاتبان إنهما ردا على كير بأن مشار يريد أيضًا إحلال السلام ليرد كير «هناك فرق بين ما تقوله وما تحمله بداخلك».

يقول الكاتبان إن إحلال السلام يتطلب العفو، لكن كير يرد عليهما قائلًا إنه شخص متسامح إلى حد كبير ولا يسعى في حياته للانتقام، لكن إذا تسبب له أي شخص في الضرر عدة مرات، فلا مشكلة لديه في الانتقام منه.

ويعزو كير عدم استمرار السلام في المرة الأخيرة لعدم اقتناع مشار ويقول إنه في حال تم تشكيل حكومة الآن ووافق مشار على منصب النائب الأول للرئيس، فستبقى هذه الحكومة، وفي حال نجاحها فسيتم نسيان كل ما حدث في الماضي.

يتوقف كير ثم يشير إلى الثقوب التي أحدثها الرصاص خارج القصر الرئاسي ويقول موجهًا حديثه للكاتبين ويستاد وأوبورن «لقد رأيتما الجدران والرصاص. لم أقم بإصلاح هذه الثقوب لأنني أريد أن أذكره (مشار) بها فعندما يأتي للاجتماع معي سنقوم بإغلاق الثقوب وإصلاح الجدران وطلائها».

يختتم الكاتبان مقالهما بالقول: «إن التاريخ يعج برجال سبق وأن مارسوا العنف ثم تخلوا عن السلاح وقادوا بلادهم للسلام المستدام، لكن هل مشار وكير قادران على تقديم السخاء اللازم للروح والبطولة الأخلاقية مع اقتراب الموعد النهائي المقرر وهو 22 من فبراير، وعدم التوصل لتسوية بعد؟»، لا يزال هذا السؤال دون إجابة.

سياسة

منذ سنة واحدة
المغرب يمول بناء عاصمة جنوب السودان.. ما الذي يريده الملك؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد