وافقت المعارضة في السودان الأسبوع الماضي، على إنهاء حملة العصيان المدني، واستئناف المحادثات مع «المجلس العسكري الانتقالي»، مما قد يشير إلى ضعف حركة الاحتجاج السودانية في مُواجهة حملة القمع الدموية المُمنهجة.

ويعتقد أمبروز كاري، مُدير شركة «ألاكو» التجارية البريطانية للاستشارات الاستخباراتية، في المقال الذي أعدَّه لموقع «لوب لوج» الأمريكي أنَّ حماية الفساد هي من أبرز دوافع «المجلس العسكري الانتقالي» للبقاء في السلطة. ويرى كذلك صعوبة عملية استعادة الأموال المنهوبة من ثروات السودان في الخارج أو الداخل في ظل وجود هذا المجلس، مما يُؤثِّر تأثيرًا بالغًا على عملية انتقال السلطة إلى حكومةٍ مدنية.

إذ أوضح كاري أنَّه مع عزم قادة الانقلاب في السودان التشبث بالسلطة، يعتقد البعض في دوائر المعارضة أنَّ جزءًا على الأقل من إحجامهم عن التنحي ينبع من احتمال فقدان السيطرة على المصالح التجارية الكبيرة، والتحقيق معهم في قضايا الفساد.

Embed from Getty Images

وأشار كاري إلى ما يُقال حول أنَّ «حزب المؤتمر الوطني» الحاكم سابقًا، والجيش، وقوات الدعم السريع شبه العسكرية (المعروفة أيضًا باسم الجنجويد)، وأجهزة الاستخبارات، استحوذوا على حصصٍ كبيرة من الاقتصاد في عهد الرئيس المعزول عمر البشير. ويُعتقد أنَّ العديد من الموالين للنظام كونوا ثروات لأنفسهم، وزُعم أنَّهم يستخدمون الأموال لشراء الأراضي والممتلكات في السودان وفي الخارج، وخاصةً في الخليج وجنوب شرق آسيا.

وذكر كاري أنَّ أعضاء «المجلس العسكري الانتقالي»، الذي تتزايد حدة قمعه، وحلفاؤه في القوات المسلحة يُدركون احتمالية تعرُّض بعضهم للمُحاكمة في ظلّ حكومةٍ مدنية ديمقراطية، وذلك على الجرائم المرتكبة ضد أنصار المعارضة في الأسابيع الأخيرة وممارسات الفساد على مدار فترة حكم البشير أيضًا.

يوضح الكاتب أن العدالة المالية تحتل مكانةً عالية على جدول أعمال ممثلي المعارضة، وفي حال شكَّلوا حكومة فمن المرجح أن يبحثوا عن قدرٍ أكبر من الشفافية حول مالية الدولة واستعادة الأصول والأموال التي نُهبت، بغرض المساعدة في إعادة بناء البلد والتأكيد على رفض تكرار هذه الجريمة.

لكن يبدو أنَّ «المجلس العسكري الانتقالي» مُستعدٌ لمواصلة مقاومة الانتقال إلى الديمقراطية وكسر ظهر المعارضة من خلال العنف بحسب مقال كاري، مُعتمدًا على الدعم المالي والعسكري من السعوديين والإماراتيين، في ثورةٍ مضادة لا تكاد تخفى على أحد. ويُمكِن أن يؤدي إلغاء المجلس جميع الاتفاقات السابقة مع المعارضة، ودعوته لإجراء انتخابات مفاجئة، إلى عودة «حزب المؤتمر الوطني» إلى الحكم واستعادة النظام السابق.

وذكر كاري في مقاله أنَّ عنف المجلس العسكري الانتقالي ضدّ المعارضة احتلّ العناوين الرئيسية، لكن إحباطه لمحاولات الصحفيين السودانيين للتحقيق في الفساد المتفشي في عهد حكومة البشير وكشفه لم ينل القدر نفسه من التغطية. ولم تكن رقابة الدولة الصارمة المطبقة عادةً موجودة خلال الفترة القصيرة بين سقوط النظام وسيطرة المجلس على السلطة. لذا انتهز الصحفيون السودانيون، الذين علموا بأمر التجاوزات المالية المشتبه فيها للنخب السودانية منذ فترة طويلة، الفرصة لنشر الفضائح التي سكتوا عنها سابقًا.

Embed from Getty Images

وأشار المقال الذي أورده موقع «لوب لوج» إلى ظهور موجةٍ من الفضائح في الصحافة، شملت ادعاءات بإساءة استخدام رصيد بنكي بقيمة عدة ملايين من اليوروهات المُخصَّصة للمشروعات الزراعية، إذ حُوِّلت الأموال إلى شركة مقرها المملكة المتحدة، وادعاءات باستخدام ملايين الدولارات من أموال شركة -تمتلك الدولة غالبية أسهمها- لدفع رشاوى لشخصيات سياسية، من بينهم شخصان مقربان لقادة أفارقة. لكن تقارير التحقيق توقفت فجأة بمجرد عودة الرقابة تحت سلطة المخابرات العسكرية.

وتابع «المجلس العسكري الانتقالي» القضايا بطريقة انتقائية للغاية وفقًا لما أورده المقال، مركزًا على قضايا متعلقة بالخارجين عن طوعه وتسوية حسابات قديمة بدلًا من ذلك، رغم الخطاب الرسمي حول الرغبة في كبح جماح الفساد ومحاسبة المذنبين. لدرجة أنَّ التحقيق في اكتشاف ثروة صغيرة بالعملة الأجنبية والجنيه السوداني داخل منزل البشير يبدو أنَّه يفقد زخمه. إذ وُجِّهَت له اتهامات بالفساد الأسبوع الماضي، لكن الأمر يبدو وكأنَّه خدعة من «المجلس العسكري الانتقالي» لصرف الانتباه عن أنفسهم.

ويرى كاري أنَّ المجلس لا يرغب في وضع النظام السابق تحت أي درجة من التدقيق المالي، لأنَّ هذا من المرجح أن يُهدِّد السيطرة الاقتصادية لقوات الدعم السريع، والجيش، والأجهزة الأمنية، والممارسات الفاسدة التي يعتقد كثيرون أنَّهم متورطون فيها. وتتراوح أنشطة الجيش التجارية من صناعة السيارات إلى إنتاج الأسلحة، في حين تُسيطر أجهزة المخابرات على مصالح زراعية ضخمة. ويمتلك كلاهما أيضًا شركات سلع استهلاكية، ويُقال إنَّهما رسَّخا وجودهما في العديد من البنوك السودانية.

وتُموِّل «قوات الدعم السريع» التي يقودها الفريق محمد حمدان دقلو، الرجل القوي الذي يُعتقد أنَّه يُؤهِّل نفسه ليكون رئيسًا للبلاد، نفسها بفعالية من خلال خدمات الحماية وتعدين الذهب. ويُقال إنَّ معظم الذهب الخام يُصدَّر إلى دبي.

ويُشتبه في أنَّ العديد من الموالين للنظام يستثمرون مكاسب غير شرعية في شراء ممتلكات كبيرة داخل السودان وفي العقارات السكنية داخل دبي وماليزيا بحسب مقال كاري. وأشار كاري إلى صعوبة تقدير قيمة الأصول المنهوبة المُبلَّغ عنها، وربما تكون الحكومة المدنية قادرةً في الوقت المناسب على مصادرة بعض عائدات الفساد الموجودة في السودان، لكن ما هُرِّب إلى الخارج سيتطلب إجراء تحقيقات معقدة لتحديد موقعها، إلى جانب استعداد الدول التي توجد فيها الأموال المسروقة لإعادتها إلى السودان. وتُشير الأحداث السابقة إلى أنَّ ذلك سيكون صعبًا للغاية من وجهة نظر كاري.

«نيويورك تايمز»: السودان يطيح ديكتاتورًا طاغية ليخلفه جلَّاده

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد