نشر موقع «ذا كونفرزيشن» تحليلًا أعده أستاذ الدراسات الدولية المشارك بجامعة نوتجهام، ديفيد كيوووا، استعرض فيه تطورات الأوضاع في السودان، خاصة بعد اندلاع احتجاجات ضد مجلس السيادة السوداني، مشيرًا إلى أن هياكل السلطة التنافسية تحول دون تحقيق إصلاحات متماسكة وبعيدة المدى في البلاد.

يستهل ديفيد كيوووا تحليله بالقول: في الأيام القليلة الماضية، خرج عشرات الآلاف من الناس مرة أخرى إلى شوارع كبرى المدن السودانية للمطالبة بـ«الحرية والسلام والعدل»، الشعار الذي ألهب حناجر المحتجين الذين أطاحوا بعمر البشير عام 2019.

والفارق الكبير هذه المرة هو أنهم خرجوا في مسيرة ضد مجلس السيادة المدني-العسكري، مطالبين بإسناد أدوار أكبر للمدنيين في عملية انتقال البلاد نحو الديمقراطية وتسريع وتيرة الإصلاح.

عربي

منذ 7 شهور
مترجم: حتى لا يقع السودان في الفوضى.. هذا ما يلزم لتنجح تجربته الديموقراطية

قبل عام، أعلن الشعب السوداني سقوط البشير، ذلك المتجبر الذي شغل منصب رئيس البلاد لفترة طويلة. وتمكنت انتفاضة شعبية في النهاية بقيادة «لجان المقاومة السودانية» من تعجيل خلع الرئيس. وتأججت جذوة الاحتجاجات نتيجة مجموعة من المظالم؛ من بينها الفساد المستشري والاقتصاد المتعثر وانتهاكات حقوق الإنسان ونظام الصحة الفاشل.

ويطرح التحليل سؤالًا: لماذا إذن عاد المحتجون إلى الشوارع سريعًا بعد أن غادروها مسرورين بالنصر حد النشوة؟

ويجيب أستاذ الدراسات الدولية: تكمن الإجابة في حقيقة أن توازن القوى في الفترة الانتقالية التي تعقب سقوط طاغية دائمًا ما تكون صعبة. تجلى ذلك في تونس والجزائر ومصر؛ فعندما يكون الإصلاحيون ضعفاء نسبيًا، وأولئك العازمون على حماية الوضع الراهن أقوياء، سيظهر أن التغيير الجوهري خامل ويستغرق وقتًا طويلًا. وفي بعض الأحيان يكون متعثرًا، بل حتى يسلك مسارًا معاكسًا في بعض الحالات.

وسوف تتردد النخب التي تدين بوجودها إلى استمرار الوضع الراهن في التغيير؛ لأن هذا يشكل تهديدًا على مصالحها. والأوضاع التي يموج بها السودان، تشير إلى هذا التوتر.

ما الإنجازات التي حققها المجلس خلال عام؟

يضيف الكاتب: بعد خلع البشير، تأسس مجلس سيادة مدني-عسكري ترأسه رئيس وزراء مدني، وهو عبد الله حمدوك، وتألف من ستة مدنيين وخمسة ضباط عسكريين. وكان التحدي المباشر الذي واجهه المجلس هو ضمان الأمن والاستقرار، والتفاوض على السلام مع متمردي دارفور، وإصلاح الاقتصاد السوداني المُنهَك.

ويجيب الكاتب: بادئ ذي بدء، توقف الاعتقال الممنهج للمعارضين، وتوقفت إلى حدٍ كبير اعتقالات جهاز الأمن التعسفية، كما توقفت أيضًا الرقابة وتكميم الصحافة. وأُلغي قانون النظام العام، ذلك القانون الذي اشتهر بمنح الشرطة صلاحيات غير متناسبة في الاعتقال والعقاب، بما في ذلك حال ارتكاب مخالفات أخلاقية أو دينية.

ومن أجل إعادة بناء الثقة المؤسسية، أُقيل رئيس جهاز الشرطة ونائبه، بعد أن طالب المحتجون باتخاذ مزيد من التدابير ضد الضباط المرتبطين بالبشير.

السودان الديمقراطية

بالإضافة إلى ذلك، بُذِلَت جهود جادة لتحقيق مطلب آخر من مطالب الاحتجاج الرئيسية، وهو: إنهاء الصراعات المستمرة في السودان. وتواصلت جهود تحقيق السلام مع الجبهة الثورية السودانية المتمردة. وأفضت هذه الجهود إلى اتفاقية سلام تمهيدية، شملت تقليص بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في دارفور.

وفي الآونة الأخيرة، تأسست هيئة مكافحة الفساد لتتعقب الثروات المُكتَسَبة بطرق غير مشروعة، ومساءلة المتورطين. وتُشكِّل مصادرة أصول تبلغ قيمتها قرابة 4 مليار دولار من البشير وعائلته ومعاونيه خطوة في الاتجاه الصحيح، بحسب التحليل.

بالإضافة إلى ذلك، سعت الحكومة الانتقالية سعيًا حثيثًا إلى تغيير صورة السودان في العالم، وذلك بالتخلص من صورته باعتباره دولة منبوذة. ولم يكن هذا يشكل أهمية أساسية للحركة الاحتجاجية، التي ركزت تركيزًا أكبر على قضايا القوت. لكن الحكومة الانتقالية، مع ذلك، تحركت لرأب الصدع على أمل أن يعود ذلك بالنفع على البلاد.

وتحقيقًا لهذه الغاية، ضغطَت الحكومة الانتقالية على الحكومة الأمريكية لشطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ولا تزال واشنطن تنظر في هذا المطلب. وفي الوقت ذاته، شطبت الولايات المتحدة السودان من القائمة السوداء للدول التي ُتعرِّض الحريات الدينية للخطر. كما رفعت أيضًا عقوبات مفروضة على 157 شركة سودانية. ولأول مرة منذ 23 عامًا، تبادل البلدان السفراء. ومن جانبه، خفض السودان عدد قواته في اليمن بمقدار الثلثين.

كيف ساءت الأمور؟

ويستدرك الكاتب قائلًا: لكن تطلعات الاحتجاج الشعبي في العام الماضي لم تتحقق. والسبب في ذلك هو أن تلك الإصلاحات الجوهرية كانت بطيئة.

وكان من بين دوافع الإحباط الصريح البطء الشديد لانتقال السيطرة إلى المدنيين. وحتى الآن لم تتضح بصمة الحكم المدني على الجهاز السياسي في البلاد. وبدلًا من ذلك، تستمر النخبة العسكرية في التمتع بالسيطرة والتأثير في أرض الواقع، مما يؤدي إلى تهميش المدنيين والضغط غالبًا من أجل الوصول إلى تنازلات أكبر من الشركاء المدنيين.

وتتضمن الأمثلة على ذلك حقيقة أنه لم يجرِ إنشاء مجلس انتقالي تشريعي حتى الآن. وهذا سيقدم درجة من الثِقَل لمجلس السيادة الذي يسيطر عليه الجيش. ومن ثم، تظل السلطة التشريعية في خدمة أهداف بعينها. بالإضافة إلى ذلك، لم يُعيَّين حكَّام مدنيين ليحلوا محل الحكام العسكريين في عديد من المقاطعات، وهو ما سيشكل خطوة أخرى – حال تطبيقه – في الانعتاق من الحكم العسكري.

ويتابع كيوووا: كما أن التلكؤ في محاكمة البشير ورجاله يصيب الجمهور بالإحباط. إذ تبدو هذه المسألة على هامش الأولويات، وفي بعض الحالات يبدو كما لو أن هذا السلوك المحبط متعمَّد.

ولم تُعالَج المشكلات الاقتصادية في البلاد. فلا يزال الناس يصطفون لمدة تتراوح بين ثلاث إلى ست ساعات لشراء الخبز أو ملء خزانات سياراتهم في محطات الوقود. ولا يزال الغموض يخيم على توافر الكهرباء، فيما يعتبر انقطاعها هو السائد. كما يعد الحصول على الغاز المنزلي أيضًا مشكلة من المشكلات التي يواجهها السودانيون. وانكمش الاقتصاد وانهارت الإيرادات النفطية بسبب هبوط أسعار النفط وضعف القدرة الإنتاجية. وأثر هذا على الإنفاق العام والاستثمار اللازم للنهوض بالانتعاش الاقتصادي. ثم جاء كوفيد-19 ليزيد الطين بِلَّة. 

ما الذي يعرقل الإصلاحات؟

أكد أستاذ الدراسات الدولية أن السودان لديها هيكلَا سلطة متنافسان يحولان دون تحقيق إصلاحات متماسكة وبعيدة المدى، إذ يقف الإصلاحيون من ناحية ويقف أولئك الذين يدافعون عن الوضع الراهن من ناحية أخرى، يتجاذبان المشهد. ويضطر الإصلاحيون باستمرار إلى التفاوض وإجراء تقديرات استراتيجية حول التغييرات التي يمكن إجراؤها وكيفية تحقيق ذلك. هذا ما يصفه الكاتب لعبة «حافة الهاوية السياسية» التي بدأت تلقي بوطأتها على البلاد.

ومن الواضح أن النصف المدني في الحكومة الانتقالية عانى في سبيل التأكيد على سلطته المعنوية أو «شرعيته الشعبية» أو تعزيزهما في ظل التعنت العسكري. لكنَّ رئيس الوزراء عبد الله حمدوك يظل يتمتع بشعبية. وفي سعيه لتهدئة المتظاهرين، اعترف مؤخرًا بأن السلطة الانتقالية اضطرت إلى «تصحيح مسار الثورة». وهذا اعتراف ضمني بأن الأمور خرجت عن المسار المنشود أثناء توليه منصبه.

واختتم الكاتب تحليله بطرح سؤال: «ولكن هل يمتلك حمدوك نفوذًا لتصحيح هذا الانحراف عن تطلعات الشارع؟».

ويجيب: «ربما تكون الإجابة للأسف: ليس إلى حدٍ بعيد. والآن، فإن الحقيقة التي يتعين على المحتجين والنخبة المدنية التعامل معها هي أنه بعد الإرث الاستبدادي الطويل والمدمر، لن يتحقق التغيير بسهولة. ولا يمكن تسريع وتيرته. ولذلك يتعين تجرُّع مزيج من الصبر والتنازل، وقبل كل شيء المثابرة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد