أعد الفريق التقني لموقع «بيلنجكات» المتخصص بالصحافة الاستقصائية تقريرًا حول حادثة سدّ سفينة «إيفر جيفين» لقناة السويس، يشرح فيه الأدوات التقنية والمواقع المجانية ومفتوحة المصدر التي تساعد على فهم الموقف بطريقةٍ أدقّ وصناعة قصة إخبارية أكثر وضوحًا وموثوقية.

المأزق من الأعلى

ما يزال العالم يراقب عمليات السفينة «إيفر جيفين» العملاقة التي كانت قد جنحت يوم 23 مارس (آذار) وسدَّت قناة السويس، أحد أكثر طرق التجارة البحرية ازدحامًا في العالم. فقدت سفينة الشحن التايوانية العملاقة -البالغ طولها 400 متر وعرضها 59 مترًا وتصل حمولتها إلى 200 ألف طن- السيطرة متسببةً بتعطّل حركة الملاحة في الممر البحري العالمي، وما يزال السباق مستمرًا لفتح القناة التي يقال إن توقفها تساوي تكلفته 9.6 مليار دولار أمريكي في اليوم. ونظرًا للأهمية الإستراتيجية الهائلة للقناة، فإن مأزق السفينة التي تعدّ من أكبر سفن الحاويات في العالم يجتذب أنظار مختلف وسائل الإعلام العالمية.

يفترض الموقع سهولة التعرّف على السفينة الهائلة الحجم من خلال إجراء بحث بسيط في صور الأقمار الصناعية. وبهذه الفرصة، يستغلّ الموقع الفرصة ليوضح كيف يمكن للمعلومات مفتوحة المصدر وصور الأقمار الصناعية أن تساعد في رسم صورة مفصّلة لقصة إخبارية متطورة.

يشير فريق الموقع التقني بالبداية إلى أداة The Sentinel Hub playground التي يمكن استخدامها لإيجاد صور حديثة للمنطقة. تُصوّر معظم أجزاء العالم مرتين في الأسبوع، وإن كانت دقة الصور أخفض من ما يقابلها من الصور المُشتراة من خدمات الأقمار الصناعية التجارية. وحتى من دون معرفة إحداثيات سفينة «إيفر جيفين» بدقة، يسهل إيجاد السفينة بمجرد البحث عن قناة السويس باللغة الإنجليزية (Suez Canal) في حقل البحث المخصص ضمن موقع الأداة المذكور سابقًا. ويمكن رؤية السفينة التي تسدّ القناة بمنظور عين طائرٍ على ارتفاع ثلاثة كيلومترات.

تظهر السفينة وهي تسدّ قناة السويس في صور الأقمار الصناعية المختلفة، وهنا الصورة مأخوذة من موقع سينتينال هب. المصدر: بيلنجكات 

تسببت حادثة عرقلة «إيفر جيفين» بمشاكل كبيرة للسفن الأخرى التي تحاول الوصول إلى قناة السويس، ولأن أداة سينتينال هب تحدّث صور القمر الصناعي التي لديها بصورة دورية منتظمة، يمكن متابعة تطور الموقف خطوة بخطوة. يبين الفريق بالصور كيف كان الجزء من خليج السويس –منفذ القناة إلى البحر الأحمر- ما يزال واضحًا وخاليًا من السفن إلى حدّ كبير في يوم 19 مارس (آذار):

صورة من موقع سينتينال هب تُظهر وجود عدد قليل من السفن من خليج السويس. المصدر: بيلنجكات

يدرج الفريق الصورة التالية من يوم 24 مارس (آذار)، وبها بدأت تلحظ مجموعة كبيرة من السفن موجودة على قيد الانتظار لدخول القناة:

صورة الأقمار الصناعية لنفس الجزء من خليج السويس بعد يوم من انسداد قناة السويس. تظهر في الصورة العديد من السفن في انتظار إعادة فتح القناة. المصدر: بيلنجكات

إذا رغبت بالحصول على معلومات أكثر دقة مما يمكن أن توفره صور القمر الصناعي وحدها، يقترح الفريق موقع « Marine Traffic» الذي يقدّم بيانات مفصلة لتتبع السفن ومراقبة تحركاتها. ويدرج الفريق صورة لسفينة «إيفر جيفين» وهي عالقة ومحاطة بعدد من زوارق القطر:

Position of the Ever Given on 26 March 2021

صورة من موقع « Marine Traffic» من يوم 26 مارس (آذار) 2021. المصدر: بيلنجكات 

يمكن أيضًا الاطلاع بصورة تفصيلية أكثر على تكدّس السفن على جانبي القناة الذي تسببت به الحادثة. منذ أن سُدّت قناة السويس، أظهر الموقع المختص بحركة المرور البحرية تزايد عدد السفن المتجمعة في خليج السويس والبحيرة المرة الكبرى التي تمر عبرها القناة:

صور مأخوذة من موقع « Marine Traffic» لخليج السويس والبحيرة المرة الكبرى وبور سعيد ويظهر ازدحام السفن الشديد في كلّ منها. المصدر: بيلنجكات 

تعقّب السفن

يقول الموقع إن السفن الأخرى تبدو وكأنها تعيد توجيه رحلاتها لتجنب الازدحام الناتج عن انسداد قناة السويس. ويدرج الفريق صورة تبدو بها سفينة «HMM Rotterdam» وهي تحوّل رحلتها عند مضيق جبل طارق:

صور مأخوذة من موقع « Marine Traffic» يوم 26 مارس (آذار) ويبدو بها سفينة «HMM Rotterdam» وهي تحوّل مسارها. المصدر: بيلنجكات 

ويمكن ملاحظة هذا المسار في موقع «Marine Traffic» بمجرد النقر على السفينة وتحديد خيار «Past Track»:

طريق السفينة التي حوّلت مسارها مع تفاصيل إضافية من موقع «Marine Traffic». المصدر: بيلنجكات 

ينوّه الفريق إلى أن حساب «Marine Traffic» على تويتر نفسه قد أشار إلى هذا التحويل، ويعتبر الفريق أن هذا الحساب يعدّ موردًا مفيدًا للتحديثات المتعلقة بقناة السويس:

 

عمق القناة

يمكن للمعلومات مفتوحة المصدر أن تلقي الضوء أيضًا على كيفية وصول «إيفر جيفين» لهذا الموقف، ومدى صعوبة تحريرها من هذا المأزق. يبدأ الفريق بالبحث عن « suez canal cross section filetype:pdf» في جوجل ليجد مستندًا هندسيًا تستضيفه شركة تأمينات بحرية. ويتضمن المستند رسومات بيانية مقطعية لمواقع متعددة على طول القناة.

ينصح الفريق أيضًا بموقع «Vessel Finder» المستخدم لتتبع السفن، ويمكن عبره إيجاد الإحداثيات الدقيقة لسفينة «إيفر جيفين»، والتي تقع بالضبط في مسافة 151 كم على طول القناة:

صورة من موقع «Vessel Finder» تُظهر موقع سفينة «إيفر جيفين». المصدر: بيلنجكات 

يتوافق هذا مع الرسم التخطيطي المقطعي الموجود في المستند السابق، بالطبع المستند عبارة عن ملف هندسي يوضح بنية القناة لكن موقع قناة السويس الفعلي وعمقها في تغير مستمر إذ يتراكم الطمي بصورة مستمرة وينجرف وتتغير المعالم بانتظام.

مقطع عرضي لقناة السويس من 149.4 كم إلى 153.524 كم. المصدر: بيلنجكات 

مع وضع الطبيعة المثالية للتصاميم بعين الاعتبار، إلا إنها ما تزال مفيدة حين تترافق مع صور القمر الصناعي التي توفرها «Airbus» وذلك في سبيل تصور المكان الذي قد تكون فيه المياه الموجودة أسفل سفينة «إيفر جيفين» ضحلةً بمستوى أكثر من المواقع الأخرى.

الأعماق المجروفة لقناة السويس بصورة تقريبية، مضافة إلى صور الأقمار الصناعية التي توفرها خدمات إيرباص مع البيانات المأخوذة من هيئة قناة السويس المدرجة في الصورة السابقة. المصدر: بيلنجكات 

ومن أجل نظرة أكثر تبيانًا لمأزق السفينة، يركّب الفريق صورة تخيلية للسفينة على المقطع العرضي للقناة. تُظهر بيانات «Vessel Finder» أن سفينة «إيفر جيفين» متموضعة بزاوية 50.2º درجة إزاء جانب القناة. يعني هذا أن طولها البالغ 400 متر يُقصّر إلى 256 مترًا تقريبًا.

يُمكن بعد ذلك ضبط قياس «إيفر جيفين» على خط محور X لتمثيل المشهد بمثابة مقطع عرضي. ومن بعدها، يصبح بالإمكان ضبط قياس المخطط باستخدام الطول الكلي والأبعاد في الرسم التوضيحي الهندسي المقطعي. تُظهر الصور مفتوحة المصدر الزاوية التقريبية للسفينة بالنسبة لسطح الماء، والموضع التقريبي لمقدمة السفينة بالنسبة لجانب القناة:

رسم تخطيطي تقريبي لموقع سفينة «إيفر جيفين». المصدر: بيلنجكات 

يوضح هذا العمل احتمالية أنه وعلى الرغم من الجهد المبذول في الحفر لانتشال القسم العلوي من الجزء المنتفخ المنحني للسفينة، فإنه ما يزال هنالك جزء كبير منها عالق على الحواف الضحلة المنحدرة للقناة.

لكن الفريق ينوّه إلى أن هذه الرسومات هي مجرد تقريب للوضع الحقيقي، ومن الجدير بالذكر وجود بعض التناقضات في المعلومات مفتوحة المصدر المذكورة أعلاه. ويذكر الفريق مثالًا على ذلك بيانات قياسات الأعماق البحرية التابعة لموقع «MyShipTracking» والتي تظهر القناة المجروفة أقرب إلى الجانب الغربي من القناة من ما يقابلها في الرسومات الهندسية المدروجة في المستند الأول. على أية حال، تظلّ هذه الموارد مفيدة لأيّ شخص يبتغي فهم أبعاد الموقف الذي تقع فيه السفينة الآن.

خريطة «MyShipTracking» الباثيمترية لقناة السويس عند الكيلو 151، مع إضافة تقريبة لموقع سفينة «إيفر جيفين». المصدر: بيلنجكات .

سعيًا للخلاص

كما يبدو من صور زوارق القطر المصرية الظاهرة في صورة «MyShipTracking»، فإن جهود إنقاذ «إيفر جيفين» وفتح قناة السويس تجري على قدمٍ وساق. استدعى مالك السفينة خدمات شركة «SMIT Salvage B.V» التي تمتلك قاطرات أكبر وتتبع للشركة الهولندية المسماة «رويال بوسكاليس وستمنستر». تعدّد الشركة على موقعها على الإنترنت خدماتها التي تقدّمها بما في ذلك خدمات الإنقاذ والسحب والاستجابة العاجلة المتوافرة على مدار الساعة.

عربي

منذ شهرين
«الجارديان»: تداعيات اقتصادية وأمنية.. كيف حدثت أزمة السفينة العالقة في قناة السويس؟

يؤكد الموقع أن للشركة سجل حافل بالإنجازات، ويشير إلى قناتهم على يوتيوب التي يظهر بها كيف أنقذوا العديد من السفن الكبيرة سابقًا، بما في ذلك الغواصة العسكرية الروسية كورسك التي غرقت في بحر بارنتس يوم 12 أغسطس (آب) 2000.

تجري عملية تحرير «إيفر جيفين» الآن وتوفّر فرصةً مهمة في الأيام والأسابيع القادمة لمراقبة العملية باستخدام بعض الأدوات والتقنيات التي ذكرها الموقع. ويشدّد الفريق أنه وبالرغم من أن الاستخبارات المستخلصة من المصادر المفتوحة (OSINT) لا تُعتبر بديلًا عن المصادر الموجودة على الأرض، فإنها تقنيات قابلة لأن تشكّل نظرة أعمق حول القصص الإخبارية المتطورة بسرعة، والتي يمكن أن تدعّمها المصادر المجانية والمفتوحة إلى حدّ كبير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد