في مقال له على موقع «The Conversation»، يحدثنا الكاتب هنري كاري عن الدور المحوري الذي تلعبه عائلة الرئيس الأمريكي المنتخب حديثًا في حياته.

يقول هنري: «تحتل العائلة مكانة بارزة في حياة دونالد ترامب. فقد عين الرئيس المنتخب زوج ابنته إيفانكا، جيرد كوشنر، مستشارًا بارزًا في البيت الأبيض. وقد تخلى قطب العقارات عن إدارة شركته إلى اثنين من أبنائه، دونالد وإيريك، خلال حملته الانتخابية. وكان لأبنائه دور بارز في الحملة الانتخابية، واختيار طاقم الإدارة الجديدة، ولقاء المسؤولين الأجانب».

ويعتقد هنري بأن ثمة شواهد كثيرة على أن الجيل القادم من عائلة ترامب سيكون مدهشًا.

ينقل هنري عن أصدقاء له في إدارة الخدمات العامة –مهمتها إدارة الممتلكات الحكومية– أنه كان يُنظر إلى إيفانكا ترامب على أنها شخصية براجماتية في كافة تعاملاتها مع موظفي إدارة الخدمات العامة، خلال مفاوضات تأجير مبنى البريد القديم الواقع في جادة بنسلفانيا. لكن المبنى الذي جرى تحويله إلى فندق، وكان وجهة الإقامة المفضلة لدى المسؤولين الأجانب –وهو ما يعود بالربح على شركات ترامب– يقع على مسافة نصف ميل من البيت الأبيض، ويبين تضارب المصالح الناشئ عن تولي ترامب الرئاسة.

يضرب هنري مثالًا على ذلك بالإشارة إلى بند في اتفاقية التأجير يوضع في كافة العقود الحكومية لمنع تضارب المصالح، أو الحد منه:

لا يحق لأي مسؤول منتخب في حكومة الولايات المتحدة أن يكون جزءًا من هذا الاتفاق، أو أن يحصل على أي منافع منه.

لكن دونالد ترامب تمكن من تجاوز أي مشكلات تتعلق بالتضارب في المصالح.

يطرح هنري تساؤلاً هنا: ما الذي سيحدث في الدول الديمقراطية عندما يكون دافع العاملين لحساب الرئيس هو المصلحة الشخصية البحتة، أو الولاء للعائلة عوضًا عن المتطلبات القانونية، والإجراءات التقليدية؟

يقول هنري إنه مهتم بمعرفة ما إذا كان أسلوب حكم ترامب سيتناسب مع ما يسميه علماء السياسة بـ«السلطنة»، إذ تكون للولاءات الشخصية اليد الطولى أمام حكم القانون، ودولة المؤسسات. ويؤكد هنري أن التاريخ يشهد على أن نظامًا كهذا قد يؤدي إلى التحول نحو الاستبداد.

ما المقصود بالسلطنة؟

قبل قرن من الزمان تقريبًا، وضع عالم الاجتماع السياسي ذائع الصيت ماكس ويبر مفهوم السلطنة بالقول: «إنها تعمل بشكل رئيسي على أساس من الغموض».

يصف هنري حال الإمبراطورية العثمانية فيقول: «كان السلاطنة، أو الملوك العثمانيون يتمتعون بسلطات مطلقة، ويستمدون شرعيتهم من الناحية الدينية. كان حكمهم استبداديًّا، وانغمسوا في حياة الترف، وقد تآكلت سلطاتهم مع مرور الوقت. وبينما كانت الإمبراطوريات الأوروبية تصعد وتقوى شوكتها في القرن التاسع عشر، إذ بنت قدرات عسكرية هائلة، كان نجم الإمبراطورية العثمانية يأفل».

ونقل هنري عن كل من خوان لينز، وألفريد ستيفان من جامعة كولومبيا وصفهما السلطنة بأنها نظام حكم –مثل الديمقراطية والاستبداد– شخصي يتناسب مع كافة أنظمة الحكم بما في ذلك الديمقراطية. كتب الاثنان:

إن جوهر السلطنة هو الحكم الشخصي المطلق، ولا يقيدها أي أيديولوجيا أو أعراف قانونية أو أي توازن للقوى.

وعليه، كما يشير هنري، فإن السلطنة تتناسب أكثر مع الحكم الاستبدادي، لكنها قد تظهر في الدول الديمقراطية، حينما يتخذ القادة القرارات بناءً على عوامل شخصية متجاهلين الأطر القانونية، والمؤسسية.

قد يقول قائل إنه من غير المناسب مقارنة أي رئيس أمريكي بالحكام الاستبداديين مثل ستالين مثلًا. فقد كان نظام ستالين استبداديًّا فرديًّا، وتديره العائلة.

ومع أن نظام كوريا الجنوبية ديمقراطي مثل أمريكا، كما يضيف هنري، إلا أن رئيستها بارك غن هي قد أزيحت عن منصبها بتهم تتعلق بالفساد، ومعظمها لها علاقة بإحدى مستشارات العائلة، وهي نفسها ابنة رجل دين كان يقدم استشارات سرية لوالد الرئيسة الحالية على مدى 18 عامًا.

ويشير هنري أيضًا إلى رئيس نيكاراجوا –دانييل أورتيجا– الذي عين زوجته في منصب نائب الرئيس؛ لأنها من بين حفنة قليلة من القادة الذين يثق فيهم.

سوابق أمريكية

شهدت الولايات المتحدة من قبل نزعاتٍ نحو الحكم السلطوي. فقد عيّن الرئيس الأسبق جون كنيدي شقيقه الأصغر روبرت في منصب المدعي العام، وكان أحد أقرب مستشاريه خلال أزمة الصواريخ الكوبية. وقد تورط الأخوان في عدة فضائح مع نساء لهن علاقة بالسياسة، بدءًا من جوديث كامبل التي كانت على علاقة مع أحد رجال العصابات في شيكاجو، ووصولًا إلى نجمة الإغراء مارلين مونرو، التي يُعتقد أنها كانت جاسوسة لصالح النازيين.

يقول هنري إنه إزاء هذه الفضائح قام الكونجر بتمرير قانون «بوبي كنيدي»، الذي يمنع تولي أقارب مقربين مناصب رسمية، لكنه لا يستثني المستشارين غير الرسميين.

وقد عينت هيلاري كلينتون زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون مستشارًا متطوعًا حول إصلاحات الرعاية الصحية إبان حملتها الانتخابية.

وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الإرهابية، كما يقول هنري، دشن أقوى مستشارين في حكومة جورج بوش الابن، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ونائب الرئيس ديك تشيني، سياسة سلطوية أجازت استخدام التعذيب والمراقبة دون إذن قضائي، واستهداف شخصيات بعينها بعمليات اغتيال.

ويضيف هنري: «اتسمت حقبة بوش الابن بتجاهل القوانين فيما يتعلق بمسائل الأمن القومي، ووصفها البعض بالديكتاتورية. وكانت تستند إلى فكرة مفادها أن السلطتين التشريعية، والقضائية لا يمكنهما التحقق من، أو تنظيم عمل الرئيس في المسائل التنفيذية، لا سيما في مسائل الأمن القومي».

عُرف ذلك بمفهوم «السلطة التنفيذية الموحدة». وقد وضع الرئيس فوق القانون بجمع كافة السلطات التنفيذية حصرًا في يده، وهو ما يعد من ممارسات الحكم السلطوي.

ما يجعل ترامب مختلفًا

لم تعهد الولايات المتحدة ظهور رؤسائها إلا عبر المؤسسات الديمقراطية –الأحزاب والإدارة والحكومة الفيدرالية والجيش. وهكذا- فقد اعتادوا على العلاقات والسلوكيات التي تتوافق مع القانون. فجأة، يظهر من العدم شخص يجلب عائلته ومساعديه، ويتخذ القرارات خارج الإطار المؤسسي.

وبما أنه قد وصل إلى سدة الحكم عبر حملة انتخابية غير تقليدية، بات ترامب يثق في غرائزه في اتخاذ قرارات الحكم الرئيسية، ما جعله يتخذ قرارات مثيرة للجدل، وغير متوقعة. وبسبب سجله السابق كونه مديرًا تنفيذيًّا، فإنه سيعتمد على نفسه، وهو على يقين أن العالم قد ضل طريقه، وأنه هو وعائلته ومستشاريه المقربون وحدهم من يملكون الحلول.

يقول هنري إن رد ترامب على الانتقادات اللاذعة التي وجهت إليه في أعقاب تعهده بحظر دخول المسلمين إلى أمريكا إلى أن يفهم قادة البلاد ما الذي يجري، جاء على النحو التالي:

إذا نظرتم إلى ما فعله الرئيس الراحل فرانكلين روزيفلت لوجدتم أنه أسوأ مما أفعل بكثير، ومع ذلك فهو يحظى باحترام شديد إلى الحد الذي جعلهم يطلقون اسمه على الطرق السريعة.

يشير ترامب هنا إلى قرار كورماتسو الذي اتخذه روزيفلت عام 1944، ومنح لنفسه بموجبه صلاحيات تنفيذية غير محدودة فيما يخص المهاجرين، رغبة منه في اعتقال اليابانيين الأمريكيين إبان الحرب العالمية الثانية، دون ترك أي دليل على حدوث انتهاكات. وقد اعتُبر القرار بمنزلة الأسوأ في تاريخ المحكمة العليا، وخطأ مأساويًّا لا يجب تكراره.

يختتم هنري بالقول إن النظام الأمريكي كان منيعًا دومًا ضد الممارسات السلطوية، ولكن ما قد يُنظر إليه على أنه حوادث فردية، قد يصبح أسلوبًا للحكم في عهد ترامب. وطالما كان معظم مستشاريه من العائلة، ستتأثر القرارات بمصالح العائلة وستتجاوز الأطر القانونية. وبدلًا من العمل تحت مظلة القانون، ستغدو حقبة ترامب ملكية من العصور الوسطى، حيث تُصنع القرارات في بلاط السياسة، وليس عبر الأطر القانونية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات