قال بن هوبارد في مقال له على موقع «نيويورك تايمز» إن سلطنة عمان أعلنت يوم السبت أن السلطان قابوس بن سعيد، الذي حول المملكة الخليجية من دولة معزولة إلى دولة متقدمة، اشتهرت باستضافة المحادثات الهادئة بين الأعداء العالميين، عن عمر يناهز 79 عامًا.

أعلنت وكالة الأنباء العمانية الرسمية النبأ دون ذكر سبب الوفاة، لكن قابوس كان يتلقى العلاج في أوروبا من السرطان منذ عام 2014 على الأقل.

استخدم قابوس الثروة النفطية لسحب بلاده من الفقر – يوضح هوبارد – مما جعله شخصية بارزة في السلطنة، مع إطلاق اسمه على العديد من مرافق الدولة. على الصعيد الدولي، استخدم مكانة عُمان في منطقة مضطربة، بجوار أحد أكثر ممرات الشحن ازدحامًا في العالم، ليصبح لاعبًا دبلوماسيًّا سريًّا لا غنى عنه.

ففي منطقة تضربها الطائفية والانقسامات السياسية، وتشهد التدخل الأجنبي، اتبع قابوس الهادئ سياسة خارجية تتمثل في الاستقلال وعدم الانحياز. فأصبح قائدًا نادرًا حافظ على صلاته بمجموعة واسعة من القوى المتصارعة، بما في ذلك إيران، وإسرائيل، والولايات، المتحدة، والمملكة العربية السعودية والمتمردون الحوثيون في اليمن.

وقد أعطى ذلك عُمان دورًا مشابهًا لسويسرا في الشرق الأوسط – يشير هوبارد – حيث يمكن للخصوم المتقاتلين الالتقاء في محادثات هادئة. في عام 2011، تدخل قابوس لتحرير ثلاثة أمريكيين سجنوا في إيران بتهمة التجسس، ودفع فدية قدرها 500 ألف دولار للشخص الواحد.

بعدها بسنوات، جمع بين الخصمين مرة أخرى من خلال استضافة محادثات سرية بين إيران وإدارة أوباما، مما مهد الطريق لاتفاق دولي بشأن البرنامج النووي الإيراني.

لم ينجب قابوس، الأعزب معظم حياته، أطفالًا، ولم يحدد من سيخلفه. من المحتمل أن يُحدد الأمر من خلال الإجراءات الرسمية المتبعة في عمان.

وفقًا للقانون الأساسي للبلاد – يكشف هوبارد – يجتمع مجلس الأسرة بعد وفاة السلطان لاختيار من سيخلفه. إذا لم يتفقوا في غضون بضعة أيام، فإنهم يفتحون مظروفًا يحتوي على اسم خليفة السلطان المختار، الذي كتبه السلطان قبل وفاته.

يتوقع العديد من العمانيين والخبراء الأجانب أن يكون السلطان الجديد أحد ثلاثة من أبناء عمومته. ولكن ما يزال من غير الواضح هل سيغير السلطان الجديد سياسات قابوس الداخلية والخارجية.

جاء قابوس إلى السلطة في عام 1970 عبر انقلاب غير دموي ضد والده بمعاونة البريطانيين، ووضع نفسه على رأس أمة فقيرة ومعزولة تخوض حربًا أهلية مع المتمردين في الجنوب.

من خلال استغلال الثروة النفطية الحديثة للسلطنة – يشدد هوبارد – أخضع قابوس المتمردين بمزيج من القوة العسكرية، والمشروعات التنموية كبناء الطرق والمستشفيات والمدارس، وغيرها من البنى التحتية الحديثة في جميع أنحاء البلاد لتحسين حياة شعبه. لقد كان هذا الجهد ناجحًا إلى درجة أنه في عام 2010، صنفت الأمم المتحدة عُمان في المرتبة الأولى في العالم من حيث تقدم مؤشر التنمية البشرية على مدار الأربعين عامًا السابقة، متقدمة على الصين.

أصبح قابوس على إثر ذلك شخصية معشوقة في بلاده التي يبلغ عدد سكانها 4.6 مليون نسمة، وتقع على الطرف الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية وعبر مضيق هرمز من إيران. وأثناء حكمه، شغل أيضًا مناصب أخرى، بما في ذلك رئيس الوزراء ومحافظ البنك المركزي، ووزير المالية والدفاع والشؤون الخارجية.

يعد اليوم الأول من حكمه، 23 يوليو (تموز)، عطلة تسمى يوم النهضة. وعيد ميلاده، 18 نوفمبر (تشرين الثاني)، هو يوم عمان الوطني.

ومع أن الركود الاقتصادي الناجم عن انخفاض أسعار النفط شوه سنواته الأخيرة وبقيت الحقوق السياسية لشعبه محدودة – يقول هوبارد – فإن الدبلوماسيين الغربيين تعجبوا من اتساق سياسته الخارجية. قال في بيان عام في 2007: «نحن نعمل من أجل البناء والتنمية في الداخل، ومن أجل الصداقة، والسلام، والعدالة، والوئام، والتعايش، والتفاهم، والحوار البناء الإيجابي في الخارج. هكذا بدأنا، وهكذا نحن اليوم، وبإذن الله، هكذا سنستمر».

عربي

منذ 9 شهور
لم تكن على الحياد دومًا.. حين قرر السلطان قابوس أن تشارك عمان في غزو إيران

من الإقامة الجبرية إلى السلطة المطلقة

ولد قابوس في 18 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1940، من أسرة آل سعيد، التي حكمت الطرف الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية منذ عام 1744. خلال شبابه، كانت عمان فقيرة للغاية، مع عدد قليل من الطرق المعبدة، ومعزولة عن العالم الخارجي وفقًا للحكم الصارم لأبيه سعيد بن تيمور، الذي لم يتمكن العمانيون من شراء الإسمنت أو ارتداء النظارات الطبية دون إذنه.

ويشير هوبارد إلى أن قابوس أُرسل إلى بريطانيا للحصول على تعليم أفضل، فدرس في بوري سانت إدموندز في سوفولك والأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست. وفي عام 1965، استدعاه والده إلى الوطن ووضعه رهن الإقامة الجبرية لمدة ست سنوات مع الحفاظ على العزلة الدولية لسلطنة عمان على الرغم من اكتشاف النفط في السلطنة.

وفي عام 1970م، وبمساعدة من البريطانيين، أطاح قابوس والده في انقلاب غير دموي، وكان في سن التاسعة والعشرين من العمر. وقد وضع عُمان على طريق جديد نحو التنمية والعلاقات الدولية. لكنه تعامل أولًا مع تمرد يساري في جنوب البلاد وتصدى لفقر شعبه.

وقد طلب مساعدة عسكرية من إيران لإخضاع المتمردين، مدشنًا علاقة دائمة معها. ومن أجل تطوير بلده، وجه ثروته النفطية إلى البنية التحتية، وبناء الطرق والمدارس والموانئ والمستشفيات، مما حسّن مستوى المعيشة.

ثم أقام علاقات دبلوماسية مع جيرانه، وانضم إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وأصبح عضوًا مؤسسًا في مجلس التعاون الخليجي.

وقال ج. بيترسون، المؤرخ السابق للقوات المسلحة الملكية في مسقط، والخبير في شؤون الخليج: «إن أكبر إنجازات السلطان كان وضع بلاده على طريق التنمية. وإنشاء حكومة لم يكن لها وجود من قبل، وخلق سياسة خارجية».

حافظ قابوس على استقلال عمان وقدرتها على بناء علاقات مع مجموعة من القوى العالمية والإقليمية – يقول هوبارد – وبخلاف الإجماع العربي، أيد المحادثات بين مصر وإسرائيل التي أدت إلى معاهدة سلام في عام 1979، وهي الأولى بين إسرائيل ودولة عربية.

وفي أعقاب الثورة الإسلامية في إيران في العام نفسه، كلف السفير العماني في طهران بالتعرف إلى الحكام الجدد للبلاد. وقد أدى ذلك إلى جلوسه مع آية الله الخميني، الذي تلقى ضمانات بأن عمان ستحافظ على علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية، بغض النظر عن تحالف السلطنة مع القوى الغربية.

وأقام قابوس علاقات مع الصين والاتحاد السوفيتي، وفي عام 1994 زار إسحاق رابين عمان، مما جعلها أول دولة خليجية تستقبل رئيس وزراء إسرائيلي. وبعد ذلك بعامين، زارها شمعون بيريز.

وقال كالفين ألين، أستاذ التاريخ المتقاعد في جامعة شيناندواه في فرجينيا، الذي كتب الكثير عن عمان: «لقد أبقى السلطان قابوس على علاقات مع الجميع تقريبًا، وهذا صعب للغاية في هذه المنطقة». وقد جعل هذا قابوس صديقًا مفيدًا للولايات المتحدة.

في عام 2013 – يشير هوبارد – استضاف قابوس ممثلين أمريكيين وإيرانيين في فيلاته الخاصة على الساحل العماني لإجراء محادثات مهدت الطريق لمفاوضات رسمية بشأن البرنامج النووي لطهران.

أسفرت تلك المحادثات عن اتفاق تاريخي بين إيران والولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى في عام 2015م، على الرغم من أن الرئيس ترامب انسحب من الاتفاقية بعد ثلاث سنوات.

لطالما أغضب استقلال قابوس جيرانه الأقوى في السعودية والإمارات، الذين كانوا يأملون أن تتماشى عمان مع سياساتهما الإقليمية.

في عام 2011، عندما أرسلت السعودية قوات لإخماد انتفاضة الأغلبية الشيعية في البحرين ضد حكامها السنة، رفضت عمان المشاركة. ونأت بنفسها عن التدخل العسكري ضد الحوثيين في اليمن في عام 2015م، لكنه استضاف في وقت لاحق الأطراف المتحاربة لإجراء محادثات سلام.

وفي عام 2016، بقي على الحياد عندما فرضت السعودية والإمارات ودول عربية أخرى حصارًا على قطر، لاتهامها بدعم الإرهاب والتدخل في شؤونهم الداخلية.

وغالبًا ما غرد خارج السرب – يشدد هوبارد – فبعد أن فجر انتحاريون أنفسهم خارج محاكم في دمشق عاصمة سوريا في عام 2017م، أرسل قابوس رسالة تعزية إلى الرئيس بشار الأسد، الذي يعده الغرب وأجزاء من العالم العربي مجرم حرب.

وفي عام 2018، استقبل قابوس بنيامين نتنياهو في أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء إسرائيلي لدولة عربية خليجية منذ أكثر من عقدين. وقد بث التلفزيون العماني لقطات للرجلين، ولكن لم يُكشف النقاب عن فحوى نقاشاتهما.

انفجار اقتصادي تلاه ركود

أحب العمانيون قابوس لتركيزه على التنمية الاقتصادية خلال العقود الأولى من حكمه، بينما تشير الدوائر الغربية إلى أنه أشرف على دولة بوليسية مطلقة، إن لم تكن وحشية.

على الورق – يؤكد هوبارد – وسّع الفرص أمام المواطنين للمشاركة في الحكومة. وأصدر أول دستور لسلطنة عمان في عام 1996م، الذي أرسى جمعية استشارية ومنح حق الاقتراع العام لجميع المواطنين الذين تزيد أعمارهم عن 21 عامًا، لكنه ظل صاحب الكلمة الأولى والأخيرة. وقد حُظرت الأحزاب السياسية والتجمعات العامة غير المصرح بها، وأُغلقت وسائل الإعلام الناقدة.

ولعقود عديدة، ظل يعقد «لقاء الشعب» السنوي. قد لاحظ قائد عسكري أمريكي زائر التقاه في عام 2008 أن قابوس بدا «بصحة جيدة ومرحًا». لكن السلطان قال إن إدارة البلاد منعته من أنشطته المفضلة، مثل قراءة الكتب. وقيل إنه كان عاشقًا للموسيقى، وعزف على العود وأرغن الأنابيب، وألف موسيقاه الخاصة. وأسس أوركسترا سيمفونية ملكية.

في عام 2011، بالتزامن مع انتفاضات الربيع العربي في جميع أنحاء الشرق الأوسط، خرج الآلاف من العمانيين إلى الشوارع للتظاهر ضد نقص الوظائف، ولكن ليس ضد نظام السلطان.

قتلت قوات الأمن اثنين من المتظاهرين – يضيف هوبارد – ووعد قابوس بخلق وظائف وزيادة الرواتب والمعاشات. انفجر الإنفاق الحكومي في السنوات القليلة التالية، تاركًا عُمان معرضة للخطر عندما انهارت أسعار النفط العالمية في عام 2014. وقد عانت مسقط من عجز في الميزانية كل عام منذ ذلك الحين، مما خلق ضغوطًا اقتصادية سيتعين على السلطان الجديد معالجتها.

ومع ندرة ظهوره العلني، ازدادت التكهنات بين العمانيين والخبراء الأجانب حول صحة السلطان. في نوفمبر 2014، في عيد ميلاده الرابع والسبعين، ظهر على شاشات التلفزيون لإخبار شعبه بمرض لم يكشف عن هويته، واكتفى بالقول: «سيتطلب منا المضي في البرنامج الطبي في الفترة المقبلة».

بعد ذلك، قام برحلات متكررة إلى أوروبا للعلاج.

وعلى عكس نظرائه الملكيين في أماكن أخرى من الخليج، تزوج قابوس مرة واحدة فقط، من ابنة عمه، نوال بنت طارق السعيد، في عام 1976. استمر الزواج ثلاث سنوات فقط ولم ينجبا أي أطفال. وقد بقي وحيدًا لبقية حياته، ولم يعين على الإطلاق وريثًا للعرش.

تركزت التكهنات حول من يمكن أن يخلفه على ثلاثة من أبناء عمومته. أحدهم يفضله العديد من الخبراء العمانيين والأجانب هو أسعد بن طارق آل سعيد، الذي تلقى تعليمه في بريطانيا وعينه قابوس نائبًا لرئيس الوزراء في عام 2017.

خلال حياة قابوس، تجنب العمانيون النقاش العام حول من قد يخلفه. في عام 2007، أشار دبلوماسي أمريكي إلى أن العمانيين كثيرًا ما تجنبوا نقاش الموضوع بالقول: «أطال الله عمره إلى الأبد».

سياسة

منذ 3 سنوات
السلطان والدولة: ما الذي ينتظر عمان ما بعد السلطان قابوس؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد