اقترن الجهاد السُنّي لعقود بالإرهاب الدولي والتفجيرات الانتحارية والتكفير، وهي المحاور الثلاثة التي أثارت غضب الغرب ونفَّرت كثيرًا من السُنّة في العالم الإسلامي.

لكن حسبما رصد الصحافي والكاتب الأمريكي حسن حسن، الذي شارك في تأليف كتاب «(داعش): داخل جيش الإرهاب ISIS: Inside the Army of Terror»، في تقريرٍ نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية، يبدو أنَّ المتطرفين السُنّة يتجهون الآن إلى تغيير منهجهم والتخلي عن أجندتهم الجهادية الدولية، التي بلغت أوجها بهجوم تنظيم «القاعدة» على مركز التجارة العالمي الأمريكي، والتركيز بدلًا عن ذلك على جهودهم محليًا.

أوضح حسن في تقريره التغيرات ذات الصلة التي تحدث في دولٍ مثل: أفغانستان، واليمن، ومالي؛ وركز تحديدًا على جبهة النصرة، ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، بوصفها نموذجًا بارزًا على التحول الذي يطرأ على الفكر الجهادي في المنطقة.

«ذي أتلانتيك»: هذا هو مؤسس «داعش» الحقيقي.. رواية مختلفة لنشأة التنظيم وجذوره

جبهة النصرة نموذجًا

أشار الكاتب إلى دليلٍ تدريبي مستفيض وضعته جبهة النصرة في عام 2016 لمجنديها الجدد، تدافع فيه عن فوائد تركيز الجهاد محليًا بدلًا عن نشره دوليًا، بل نصحت كذلك تابعيها ضد اتباع خطة القاعدة باستهداف «العدو البعيد»، واعتبرتها أنَّها «تشتيتٌ مرفوض»؛ لأنَّه من الأفضل في الوقت الراهن التركيز على الجهاد المحلي وليس الدولي.

وخلال سنوات الحرب السورية، عملت الجماعة على تحويل هذه الأوامر النظرية إلى ممارسات عملية؛ إذ أنشأت مكتبًا سياسيًا تواصلت من خلاله مع دولٍ منها تركيا، للترويج لنفسها على أنَّها شريكٌ موثوق لا يمثل تهديدًا على أي أحدٍ خارج سوريا. وتعهد كذلك زعيم الجبهة أبو محمد الجولاني، في حوارٍ أجراه مع قناة «الجزيرة» القطرية في مايو (أيار) 2015، بأنَّ الجهاديين لن يستخدموا سوريا منصةً للهجمات ضد الغرب، بناءً على تعليمات القيادة المركزية لتنظيم القاعدة.

أما بالنسبة للمحورين الآخرين، التفجيرات الانتحارية والتكفير، فيشير الكاتب إلى أنَّ الجماعة بدأت تتخلى تدريجيًا عنهما، في إطار جهودها الأوسع نطاقًا لتجنُّب تنفير السكان المحليين.

وفي هذا الصدد، كشف مصدر من داخل جبهة النصرة لم يرغب في الإفصاح عن هويته، في حديثٍ مع الكاتب، أنَّ الجماعة أصدرت تعليماتٍ داخلية لقيادييها تأمرهم بالامتناع عن استخدام الهجمات الانتحارية قدر الإمكان؛ وفي حال شنها، ألا تكون أبدًا في مناطق مدنية. وبالفعل، لم تقع سوى القليل من هذه الهجمات بعيدًا عن الخطوط الأمامية للحرب السورية.

وعلى المنوال نفسه، قررت هيئة أحرار الشام، وهي جماعة جهادية سلفية مقربة من «جبهة النصرة»، حظر التفجيرات الانتحارية في الأيام الأولى من الصراع السوري. بل ينتشر كذلك الحذر في استخدام التفجيرات الانتحارية خارج سوريا؛ ليشمل اليمن وليبيا. ويبدو أنَّ معدلات التفجيرات الانتحارية تشهد حاليًا هبوطًا حادًا، باستثناء التفجيرات التي ينظمها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، بعد أنَّ حققت أعلى معدلاتها مباشرةً عقب الغزو الأمريكي للعراق.

وحول التكفير، يقول الكاتب: إنَّه في تراجع أيضًا؛ إذ تقبلت الجماعات الجهادية أخيرًا الجدوى العملية من التوافق مع الفصائل المعتدلة نسبيًا، بدلًا عن إثارة الشقاق كلما طرأ خلافٌ في الآراء الدينية.

ثم ينتقل حسن إلى اليمن، مشيرًا إلى أنَّ تنظيم القاعدة هناك حوَّل أنظاره إلى الداخل في أعقاب الاحتجاجات المناهضة للحكومة عام 2011، والحرب التي شنتها السعودية على الحوثيين في 2015. فبعد أنَّ كان يُنظَر للقاعدة في الجزيرة العربية على أنَّه أخطر أذرع التنظيم لدوره في الإرهاب الدولي، يبدو أنَّه عَلِقَ في الديناميات المحلية بعد أن أمضى عامًا كاملًا يدير محافظة حضرموت اليمنية. إضافة إلى أنَّه في عام 2017، صرَّح التنظيم لصحيفة نرويجية بأنَّه تخلى عن تنفيذ العمليات الدولية، وتجنيد المقاتلين الأجانب، في إطار اتفاقٍ مع قبائلَ محلية وقادة دينيين.

الفكر الجهادي ما بعد انتفاضات الربيع العربي

يمكن بسهولة غض الطرف عن هذه التغيرات بزعم أنَّها محدودة أو مؤقتة، لكنَّ حسن يرى أنَّ هناك سببين يدفعان للاعتقاد بأنَّها تمثل توجهًا صادقًا؛ أولهما أنَّ هذا النهج المحلي يعد تطورًا طبيعيًا للاضطرابات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة عام 2011؛ إذ أغرقت الاحتجاجات الشعبية الجهاديين حتى آذانهم في الصراعات المحلية. وتعيَّن على الجماعات المتطرفة الاستجابة سريعًا للتغيرات العاجلة؛ مما يعني أنَّه لم يكن باستطاعتها الرجوع دومًا إلى قادتهم، أو أصحاب الأيديولوجيات الجهادية الموجودين في أماكنَ أخرى.

ويلفت الكاتب إلى أنَّ هذا يعد تغيرًا جذريًا عن الطريقة التي اعتاد الجهاديون العمل وفقًا لها؛ نموذج الحركة الطليعية التي يقودها متشددون دينيًا يريدون ملاحقة «رأس الأفعى»، مثلما وصف أسامة بن لادن وغيره الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين.

ويقول الكاتب: إنَّه بالرغم من أنَّ صعود (داعش) في 2013 و2014 قد يُشكِّل دليلًا مضادًا حاسمًا، جاء تَشدُّد هذه الجماعة وطموحها العالمي بنتائجَ عكسية بين الجهاديين السُنّة، الذين سعوا لفصل أنفسهم عن متطرفي (داعش) باتباع نهجٍ محلي معتدل نسبيًا؛ ما يشير بحسب حسن إلى أنَّ هذا النهج ينبع من قناعاتٍ عميقة، وليس مجرد توجهٍ تكتيكي أو سطحي.

علاوةً على ذلك، بدأ الجهاديون السُنّة، منذ سنواتٍ عديدة ماضية، إعلان دعمهم للائتلافات المتنوعة أيديولوجيًا في دولٍ مثل سوريا وليبيا، واصفين إيّاها بأنَّها نماذج «إصلاحية أو تصحيحية»، بل روجوا كذلك إلى التحول بعيدًا عن «جهاد النخبة» الذي ينظر باستعلاء إلى الجماهير، والاتجاه نحو «جهاد الجمهور»، الذي يحترم المجتمعات المحلية ويعكس أولوياتها.

تطورٌ مشابه سابق لدى الشيعة

أما السبب الثاني الذي يستشهد به الكاتب لإثبات صدق هذا التوجه، فهو أنَّ المليشيات الشيعية المدعومة من إيران قد خضعت بالفعل لهذا التطور منذ عقودٍ مضت؛ لتصبح تطلعاتها أقرب للمحلية منها للعالمية.

ومن بين جميع المتطرفين المسلمين، كانت للجماعات الشيعية الريادة في استخدام التفجيرات الانتحارية والإرهاب العابر للدول؛ فمثلًا: في أكتوبر (تشرين الأول) 1983، نفذت جماعة في بيروت، هجومًا انتحاريًا مزدوجًا أسفر عن مقتل 241 جنديًا أمريكيًا و58 جنديًا فرنسيًا، وأصبحت تلك الجماعة بعد ذلك حركة «حزب الله» الشهيرة الآن. وبعدها بشهرين، نفذ «حزب الله» بالتعاون مع «حزب الدعوة» العراقي عملية انتحارية مشتركة في الكويت، استهدفت ست منشآت حكومية وأجنبية.

هذا إلى جانب العديد من الهجمات الأخرى التي استهدفت منشآتٍ أجنبية ومحلية وبعثات دبلوماسية وثقافية في العديد من الدول. لكن يظل التكتيك الأبشع الذي استخدمته إيران على نطاق واسع، هو تجنيدها كتائب انتحارية من الأطفال وتكليفها بعبور حقول الألغام العراقية خلال حرب الخليج الأولى (1980-1988).

مترجم: هل قد نشهد تحالفًا بين الشيعة والإخوان المسلمين ولماذا؟

ويُبرِز الكاتب هنا التناقض بين المتطرفين الشيعة والسُنّة؛ فيقول إنَّه لم يُقدِم متطرف سُنّي واحد خلال فترة الثمانينات على تفجير نفسه حتى في ذروة النشاط الجهادي في أفغانستان. ولم يحدث أن تبنت المليشيات السُنّية هذا النهج إلا بعد مرور عقدٍ من الزمن؛ تحديدًا لأنَّها رأت أنَّ هذه الهجمات كانت عنصرًا أساسيًا في النجاح الذي حققه الشيعة في طرد القوات الأجنبية من لبنان والحرب العراقية الإيرانية، حتى أنَّ رمضان شلح، الزعيم السابق لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، قال لجريدة «الحياة» السعودية عام 2003 إنَّ هذا التكتيك مستلهمٌ من الشيعة.

وأردف حسن قائلًا: إنَّه بمرور الوقت تخلَّت المليشيات الشيعية عن تنفيذ الهجمات الانتحارية؛ لأنَّها رأت أنَّها تأتي بنتائج عكسية، وتحديدًا في إسرائيل حيث دمر هذا التكتيك سمعة القضية العربية. وتحولت جماعات مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن من الإرهاب الدولي إلى نهجٍ قومي، واخترقت المشهد السياسي المحلي بل هيمنت عليه، ما ساعد هذه الجماعات على النمو والسيطرة على دولٍ عدة، حتى تلك التي لا يُشكِّل فيها الشيعة سوى أقلية.

ومع ذلك، نوه الكاتب إلى أنَّ هذا التحول ليس كاملًا؛ إذا لا تزال إيران معروفة بإدارتها جماعات جهادية بالوكالة في دولٍ أخرى، وإنَّ كان النشاط الجهادي الشيعي ليس حملةً إرهابية دولية تقودها حركة متطرفة غير تابعة لأية دولة.

ومن هنا، يرسم حسن نمطًا استند إليه في إثبات نظريته؛ فيقول: «اعتنق الجهاديون الشيعة التفجيرات الانتحارية، فسار على خطاهم الجهاديون السُنة؛ ثم نبذ الشيعة التفجيرات الانتحارية وتقدموا صوب استراتيجيةٍ محلية؛ فاتبع السُنّة خطاهم أيضًا. والتزم الشيعة بأجندتهم المحلية؛ ولهذا هناكٌ سبب قوي يدفعنا لتوقع أنَّ السُنّة سيفعلون المثل».

تحدٍ جديد

يختتم الكاتب مقاله بدعوة الولايات المتحدة إلى ضرورة التكيّف مع الطبيعة المتغيرة للتهديد الإرهابي؛ فلن يركز الجهاديون الجدد على تصدير العنف للغرب، بل سيعملون على اختراق المجتمعات المحلية وترسيخ نفوذهم، مرجحًا أنَّ جماعاتٍ جهادية سُنية، على شاكلة حركة حزب الله الشيعية، هي التي قد تتسيَّد مشهد التطرف مستقبلًا. ويرى حسن أنَّ تلك الحركات ستتمتع بنفس القدر من الإصرار على خوض الحروب الطويلة، لكنَّها ستركز بذلك الإصرار على الصراعات المحلية.

«فورين بوليسي»: داعش لم يمت بعد.. كيف يمول التنظيم نفسه الآن؟

ويخلص حسن إلى أنَّ الطريقة الأمثل لمجابهة هذه الحركات الوليدة هي من خلال مشاركة عميقة تعرقل تصاعد نفوذها على المستوى المحلي؛ أي من الناحية العملية، اتباع استراتيجة مواجهة تشمل حتمًا دعمًا أمريكيًا راسخًا وطويل المدى، وإشرافًا على الحكومات لسد الشغور في مناطق الاضطرابات، بيَّد أنَّه بمرور 18 عامًا الآن على بداية الحرب على الإرهاب، فقدت واشنطن شهيتها في تنفيذ انخراطٍ مماثل. ولهذا سيستمر الجهاديون السُنّة في تعديل تكتيكاتهم لتعميق وجودهم في المنطقة، مثلما فعل نظراؤهم الشيعة من قبلهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد