الكاتبة: مريم عبد الهادي الخواجة، ناشطة حقوقية بحرينية تبلغ من العمر 29 عامًا وتشغل منصب مدير مساعد لمركز الخليج لحقوق الإنسان، وقامت السلطات البحرينية بنفيها من البلاد.

 

عندما اضطُرِرتُ لمغادرة البحرين أول مرة، منحت لي السلطات 24 ساعة للقيام بذلك وأمرتني بألا أخبر أحدًا. كان والدي قد أبلغ أن اسمي قد ظهر خلال استجواب لبعض المعتقلين السياسيين، وعادة ما يكون ذلك علامة على أن الاعتقال قادم.

غادرت إلى لندن في سبتمبر (أيلول) 2010 بقلب مثقل، وأنا عازمة على العودة مجددًا. وهكذا، بعد أن بدأت انتفاضات الربيع العربي في الشرق الأوسط، كنت أحد الداعين للتظاهر في البحرين، وعدت إلى للوطن للمشاركة فيها.

وعندما غادرت البحرين في المرة الثانية، أقنعني والدي أن من الضروري أن يكون هناك شخص يحمل أصوات الحركة خارج البلاد. فشعرت أن ثقل الانتفاضة برمته على كتفي. واعتقدت أن نفيي أمر مؤقت. ولم يكن لدي أي فكرة أنني لن أعود أبدًا.

كونك ناشطًا في المنفى ينطوي على العديد من درجات المعاناة. فأولًا وقبل كل شيء، أنت تعاني لتتكفل أمورك بنفسك. خصوصًا بالنسبة لأولئك الذين يعملون على الأرض. لقد فقدت فجأة أسرتك، ومجتمعك، وكافة أشكال الدعم.

يصحب هذه العزلة إحساس بالذنب لنجاتك من المعاناة في وطنك. فمعظم النشطاء الذين تمكنوا من النجاة بأنفسهم بينما الآخرون لم يتمكنوا من ذلك والذين تجنبوا السجن بينما سُجِن آخرون والذين يمكنهم التنقل بحرية بينما البعض الآخر لا يمكنهم ذلك – يدركون هذا الشعور جيدًا. إنك تشعر بالذنب طوال الوقت، وهذا الشعور بالذنب يدفع حياتك اليومية. وهذا يتركك غير قادر على أخذ قسط من الراحة أو العطلة، لأنه ماذا عن المسئولية تجاه جميع الذين لم يتمكنوا من النجاة مثلك؟ ما ينفك الشعور بالذنب يلازمك: رسالة من صديق لك لم ترد عليها وجرى اعتقاله، وطلب الصداقة الذي رفضته من أحدهم وقتل بعد ذلك. والقائمة تطول.

عند العمل ناشطًا في المنفى، من المهم أن تتصالح مع كل نقاط القوة والضعف لديك. الخطوة الأولى هي مواجهة حقيقة أنك الآن في المنفى، وأن عليك التأقلم وإعادة وضع إستراتيجية بخصوص الدور الذي يمكن أن تقوم به لقضيتك. بالنسبة للعديد من الناشطين، فإن النجاح في عملهم لا يتعلق بالرضا عن النفس – بل هو ما يتيح لهم تبرير المنفى لأنفسهم وعدم فقدان الأمل. إحدى الخطوات الأولى الأكثر أهمية هي تحديد كل الحلفاء والمؤيدين لك. فقدرتك على التأثير على التغيير تزداد مع شبكة المناصرين.

وقد اكتشفت أن إحدى أكبر المشكلات هي أن الشعور بالعجز أسوأ من الشعور بالخوف. أنا لا أتحدث عن مجرد أي خوف، ولكن الخوف من التعرض للمطاردة من قبل الشرطة ورؤية قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي يطير فوق رأسك، مع إدراكك أنك قد لا تعود إلى المنزل في تلك الليلة. إن إحساسك في المنفى – مع إدراكك أن أحد أحبائك ربما يتعرض للتعذيب في تلك اللحظة، وأنت تعرف أنك لا تستطيع أن تفعل أي شيء لوقف ذلك – يدفعك للشعور بالعجز.

وهناك أيضًا حاجة إلى فهم أن وجودك خارج البلاد يعني أنك لا يمكن أن تتحدث عن ما يحدث في الداخل. أحب أن يُنظَر إلى نشاطي في المنفى بأنه هتاف عالٍ: فمهمتي هي التأكد من أن يسمع العالم صوت الناس في البحرين مهما حاول النظام إسكاتهم. والعامل الأكثر أهمية هو البقاء على اتصال – على الرغم من أن هذا يأتي مع مشاكله الخاصة.

الإنترنت يعني أنه على الرغم من كوني على بعد آلاف الأميال، فإن تطورات كل ما يجري على أرض الواقع في بلدي يصلني أولًا بأول. وهذا يسمح لي بالبقاء على اتصال، كي أكون على علم بما يحدث، وأتفاعل عند الضرورة. ولكن هذا أيضًا يسبب لي شعورًا بالإرهاق. هناك حاجة مستمرة إلى أن أظل على تواصل مع الوطن، وأنا أشعر بالقلق من فقدان هذا التواصل. يصبح الأمر تقريبًا كما لو كنت تعيش في عالمين في نفس الوقت – وهذان العالمان نادرًا ما يلتقيان.

أكبر عقبة هنا هي المراقبة والمخاطر الأمنية التي يحملها الإنترنت. فالتواصل مع الناس على الأرض قد يعني تعريضهم للخطر، ويجب أن تبقى في حالة تأهب قصوى وتجتهد في جميع الأوقات بشأن الاحتياطات الأمنية الرقمية التي تتبعها. يميل النشطاء الذين يعيشون في الخارج إلى التراخي عن المراقبة والأمن الرقمي بسبب الشعور بالأمن غير المعتاد. ولكن مع الأمن الرقمي، فإن كل أولئك المتصلين مع بعضهم البعض هم في أمان فقط بقدر من يتواصلون معهم، ويتعين على الناشطين في المنفى تذكير أنفسهم دائمًا بالمخاطر التي يواجهها من يتواصلون معهم. لهذا السبب، فإن وضع الناشط قواعد صارمة لنفسه في المنفى يصبح أمرًا بالغ الأهمية.

كانت إحدى أولى القواعد التي وضعتها لنفسي بعد أن اضطررت لمغادرة البحرين هي أن لا أدعو الناس هناك إلى فعل شيء لم أكن لأفعله بنفسي. سأنشر دعوات لتنظيم احتجاجات، ولكن لن أدعو الناس أبدًا للمشاركة ما لم أستطع أن أكون معهم. وهذا نابع من موقف أخلاقي بعدم دعوة الناس للتضحية بأنفسهم عندما لا تفعل ذلك بنفسك.

بالنسبة لمعظم الناشطين، فإن المنفى مؤقت وسيظل دائمًا كذلك – على الأقل هذا ما يعتقدونه. وخطة العودة حاضرة دائمًا، ودائمًا تقبع في الجزء الخلفي من عقولهم. من ناحية أخرى، هناك أيضًا الكثير مما يمكن تعلمه حول أهمية دور النشطاء في المنفى من الصراعات الأخرى.

للتدليل على ذلك، لننظر إلى النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. لعبت الحركة الدولية دورًا حاسمًا في وضع حد لنظام الفصل العنصري. وفي حين كانت القاعدة الشعبية والنضال المحلي هما جوهر الحركة، كانت تلك الحركة الموجودة في المنفى تكمل وتبني على ذلك.

هناك سبب لمحاولة الطغاة عزل الحركات داخل الحدود عن بقية العالم، من ناحية أخرى؛ هناك سبب لبذل المجتمع المدني قصارى جهده لتجاوز الحدود والتواصل مع منبر دولي. فهناك قوة في الوحدة والجماعية.

ويبقى السؤال المحير هو هل يمكنني إحداث فرق أكبر بالعمل في المنفى، أو الجلوس في زنزانة سجن في البحرين؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد