ويعد الأدب اللا خيالي الذي تقدمه الصحفية البيلاروسية ذا طابع سياسي بحت، فجدارتها الأدبية تجعل من كل كلمة كُتبت في أعمالها تستحق الفوز بجائزة نوبل.

 

استقبل العالم إعلان الفائز بجائزة نوبل للآداب عام 2015 يوم الخميس الماضي، حتى أن (زان بروكس)، أحد كُتّاب صحيفة الغارديان، كتب تغريدة ساخرة على موقع تويتر قال فيها إنه يسمع “أصوات لوحات المفاتيح لعشرة آلاف صحفي يبحثون على موقع غوغل عن سفيتلانا أليكسفيتش”. وحتى تلك اللحظة أضحى من المعروف أن لدى الأكاديمية السويدية التي تختار الفائز بالجائزة عادة تضليل خُطى الصحافة العالمية. ربما كان من الأفضل لنا أن نكون على أهبة الاستعداد لذلك الإعلان؛ فجائزة نوبل لها تاريخ من التسريبات عن إعلان الفائز قبل الموعد المحدد، والصحفية الاستقصائية البيلاروسية كانت، وإن بدا الأمر مفاجئًا، الرهان المفضل في سباق منح الجائزة.

وتكمن الدلالة الحقيقية لفوز أليكسفيتش في مقام آخر، فقبل ثلاثة أيام من الانتخابات الرئاسية للبلد الذي عُرف في الماضي باسم الجمهورية البيلاروسية السوفياتية الاشتراكية، قررت هيئة مُحكمي جائزة نوبل للآداب منح الجائزة إلى الصحفية التي يُنظر إلى جملة أعمالها الأدبية، والتي امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا، على أنها هجومًا دائمًا على السلطات، فقد كان هجومها في البداية ضد الاتحاد السوفياتي، ثم أضحى مؤخرًا ضد روسيا البيضاء وأوكرانيا وجارتهما الصلفة روسيا.

وعلى الرغم من أن كُتاب الأدب اللا خيالي استُبعدوا خلال السنوات الأولى لبدء منح الجائزة، فإن أليكسفيتش تعد أول كاتبة أدب لا خيالي تفوز بالجائزة منذ أن فاز بها وينستون تشرشل في عام 1953 “لبراعته في الوصف التاريخي وسرد السير الذاتية، فضلًا عن  أسلوبه الخطابي الرائع في الدفاع عن القيم الإنسانية السامية” على حد وصف الأكاديمية.

وفتح اختيار الأكاديمية للفائز بالجائزة هذا العام وكذلك التوقيت الذي أُعلن فيه، الباب على مصراعيه أمام الاتهامات التي تقول إن الاختيار يبدو أقرب إلى محاولة للتأثير على الأجندة السياسية أكثر منه التزامًا بالقيمة الأدبية. ولعل أليكسفيتش قد أوقعت بنفسها في خيوط ذلك الاتهام بتصريحها الذي يعود إلى أعوام سابقة، والذي صرحت فيه إنها ربما صارت روائية إن تسنت لها فرصة الكتابة في القرن التاسع عشر، لكن في عصرنا هذا “ثمة أمور عن البشر لا يمكن توصيلها عبر الفن”، على حد قولها.

بيد أن كتاباتها تعد شيقة إلى حدٍ بعيد، وذلك ينفي عنها اعتبارها كتابات تهدف إلى المنفعة وحسب؛ فقد كتبت أنها تكتب بأسلوب طوره مواطنها أليس أداموفيتش، وهو الأسلوب الذي يصفه الكاتب والناقد البيلاروسي الراحل بتعبيرات متعددة من قبيل “الرواية الجماعية”، أو “القصص الموسيقي الديني”، أو “الرواية التي تحمل أدلة”، أو “الجوقة الملحمية”.

ويعتمد أسلوبها البنائي على مقابلات مع شخوص عاديين، يُفضي في النهاية إلى نسيج متسق من الأصوات. يقول صديقها السياسي البيلاروسي المعارض أندريه سانيكوف: “يمكنك اعتبار أعمالها لا خيالية، لكنها آسرة لقرائتها أكثر من الأعمال الخيالية؛ فهي تتحدث إلى الناس قبل أن تضع أي كلمة على الورق. وفي أغلب الأحوال تكتب عن المآسي البشرية، فتجعلها تجري في عروقها ثم تكتب عما يدور لدى الطبائع البشرية بدقة الجراحين”. ويشير سانيكوف قائلًا: “إن تشبيهاتها عميقة وصادمة. فعندما قرأت كتابها “أصوات من تشيرنوبل” كنت مصعوقًا باستخدامها للتعبيرات المجازية”.

ويذهب فيليب غوريفيتش، الصحفي بمجلة النيويوركر، بتلك الفكرة إلى مقالة لهيومن رايتس ووتش عن الكاتبة، فيبرهن من خلالها على أن صوتها أكثر من جملة أصوات مواضيعها، وأنها “متحررة بصورة رائعة من أي أجندة انفعالية أو نُشطائية”.

وتسطع كتابات أليكسفيتش في منطقة شديدة التنافس بين “الفن” والصحافة، فيقول جوريفيتش: “إن تلك الأصوات المتكبرة التي استمرت لفترة طويلة في عالم الأدب وتود أن تستبعد الأدب اللا خيالي من تصنيفات الأدب، موجودة بكل تأكيد. فإنها تلمح إلى أن ذلك النوع من الأدب يفتقر بطريقة ما إلى الصبغة الفنية، أو الخيال، أو الابتكار عند مقارنته بالأدب الخيالي. وتلك العقلية قريبة من مثيلتها المجحفة التي نَحّت التصوير الفوتوغرافي لمدة طويلة بعيدًا عن عالم الفنون المرئية”.

ورغم أن القليل جدًا من أعمال أليكسفيتش تُرجم إلى الإنجليزية، فإنها كتبت لمجلة (غرانتا) الأدبية الدورية، وفازت في عام 2005 بجائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية بالولايات المتحدة عن كتابها “أصوات من تشيرنوبل”، والذي تبنت المخرجة الأيرلندية غوانيتا ويلسون حادثًا منه في فيلمها القصير الذي رُشح لجائزة الأوسكار لعام 2010 “الباب”. ومع أن وصف الفيلم القصير يقول “مونولوج عن حياة كاملة كتبت على أبواب خشبية، لشهادة نيكولاي فاومتش كالوغين” واعتمد على شهادة حقيقية، فإن العمل على نفس الدرجة من قوة أي عمل خيالي، وذلك في عرضه لاستعادة ذكريات محاولة أب التعايش مع الكارثة التي وقعت سنة 1986.

وفازت أليكسفيتش في عام 2011 أيضًا بجائزة ريزارد كابوشنسكي البولندية عن الريبورتاج الأدبي، في إشارة إلى التقدير الذي يلقاه الريبورتاج في أوروبا الشرقية. وخلال ساعات من فوزها بجائزة نوبل، ألمح بعض المتشككين إلى حقيقة أن الأكاديمية السويدية لم تكن أبدًا على وفاق مع فكرة منح الجائزة لكابوشنسكي نفسه، واعتبروه دليلًا على أن الاختيار كان تتويجًا سياسيًا، أكثر من كونه فنيًا.

وفي مؤتمرها الصحفي، برزت الجدلية القائلة إن فوز أليكسفيتش مرتبط بالتوقيت الحالي، والذي استنكرت خلاله الكاتبة ما تفعله أجهزة الدولة. بيد أنه يتعين على أي أدب أن يتحدث عن عصره ومقامه. وكل ما ينبغي علينا فعله هو النظر إلى الخلف من خلال عدسة المائة عام من تسميات الجائزة لكي نتفهم كيف أن أليكسفيتش التي تكتب “أدبًا متعدد الأصوات، ويعد شاهدًا على المعاناة والشجاعة في عصرنا الحالي”، ليست من خارج الهيكل النوبلي. بل إنها تقف جنبًا إلى جنب بجوار هارولد بنتر الذي توصف أعماله بأنها “تكشف الهاوية الموجودة خلف قوى الاضطهاد في غرف التعذيب المغلقة”، وأيضًا نادين غورديمير التي “كانت كتاباتها الملحمية الفخمة ذات فائدة كبيرة للبشرية”،وفقًا لكلمات ألفريد نوبل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد