نشرت «نيويورك تايمز» تقريرًا كتبه بين هبارد، وهو مراسل الجريدة المخضرم في الشرق الأوسط، حول الحرب في سوريا، ويقول فيه إن الأسد باق في الحكم رغم استمرار الحرب، وأنها النتيجة الوحيدة التي تبدو واضحة الآن بعد ست سنوات من استمرارها دون أن تبدو لها نهاية قريبة.

لم يبق أحد في أرض المعركة ينتوي إسقاط الأسد ويستطيع ذلك بالفعل، بحسب هبارد. قوات المعارضة في تضاؤل، والرئيس ترامب ألغى برنامج الـ«سي آي إيه» الذي كان يوفر لهم الدعم والأسلحة، أما داعش التي تسعى لتنفيذ أجندتها وجعل سوريا دولة خلافة فهي الآن تطرد من معاقلها.

بقاء الأسد أمر واقع

يقول الكاتب: «قوى إقليمية ومسؤولون أجانب وحتى السوريون أنفسهم، يتصرفون جميعًا كما لو كان الأسد سيحكم سنوات عدة قادمة، حتى لو كان سيحكم بلدًا أضعف بكثير مما كان». يضيف الكاتب أن حلفاءه بدؤوا الإعلان عما يرونه نصرًا وشيكًا، وحكومته تتحدث عن إعادة إعمار البلد الممزق واستضافت مؤتمرًا دوليًا للتجارة الشهر الماضي، وقعت فيه عقدًا مع إيران لبناء شبكة الطاقة مجددًا.

حتى أنصار المعارضة أعيتهم الحرب وبدؤوا في تقبل الأمر المحتوم، بحسب الكاتب. استردت الحكومة سيطرتها على مدينة مضايا الجبلية بعد حصار طويل، ومنذ حينها تحسنت حياة من تبقوا، بحسب هبارد. رحل القناصون وعادت الكهرباء وظهر الغذاء في الأسواق وافتتحت المقاهي من جديد وبدأ الناس في الخروج.

تقول معلمة سورية: «لقد مللنا الحرب ونريد العيش بأمان وسلام، ولن نقدر أن نفعل هذا إلا إن كنا مع النظام». واشترطت المعلمة أن تتحدث للكاتب دون إبداء اسمها حتى لا تستهدفها الحكومة لمعارضتها السابقة لها.
Embed from Getty Images

يقول هبارد إن هذه التطورات لا تعني أن طريق الأسد ممهد، فهو منبوذ من أغلب العالم، ويرأس بلدًا محطمًا ومنقسمًا. إن انتصر فلن يبقى له غالبًا سوى دولة ضعيفة تعتمد على القوى الأجنبية وتنقصها الموارد لإعادة إعمارها.

لكن بقاءه يحمل العديد من العواقب الخطيرة للبلد وللشرق الأوسط، يغير من احتمال استقرار سوريا مستقبلًا، وعودة اللاجئين لوطنهم، ونجاح الحكومة السورية في الحصول على تمويل دولي لإعادة إعمار مدنها المدمرة.

ويصف الكاتب بقاء الأسد بأنه فصل أخير محبط لثورات الربيع العربي التي انطلقت في 2011. فبينما أسقطت التمردات المسلحة والمظاهرات زعماء تونس ومصر وليبيا واليمن، بقي الأسد رغم استخدامه للعنف الشديد ضد شعبه. اعترف الأسد بخسائر الحرب من الضحايا، لكنه ادعى أن هذا طهر البلاد من التهديدات ووحد السوريين حول مشروع مشترك.

ويقتبس هبارد من مؤتمر في دمشق – عقد الشهر الماضي – قال فيه بشار: «لفد خسرنا خيرة شبابنا ودمرت بنيتنا التحتية، وكلفنا هذا مالًا كثيرًا ومجهودًا كبيرًا لأجيال قادمة، لكننا في المقابل ربحنا مجتمعًا متجانسًا وصحيًا بشكل حقيقي».

بدأ الصراع السوري في 2011 بانتفاضة شعبية ضد الرئيس الأسد قمعتها قوات الأمن بقوة مفرطة، بحسب الكاتب. حملت المعارضة السلاح ثم دعمت قضيتها الولايات المتحدة والسعودية ودول أخرى، سياسيًا وماديًا. أما الآن فقد نجح الأسد في إنهاء خطر المعارضة، ويعود ذلك بشكل كبير إلى الدعم المادي والعسكري من حلفائه الأجانب.

يقول الكاتب إن حكومة الأسد تسيطر على المدن الكبيرة ومعظم من تبقى فيها من الناس، الذين يعيشون في ظروف أفضل من تلك التي في أماكن أخرى من البلاد. سانده حلفاؤه – روسيا وإيران وحزب الله – ودعموا قواته المستنزفة وساعدوها على التقدم.

لم ينجح الثوار – الذين يصفهم الكاتب أنهم مجموعات يائسة ذات أيديولوجيات مختلفة – في تكوين جبهة موحدة أو إقناع كل السوريين بأنهم سيصنعون مستقبلًا أفضل. انضم لهم المتطرفون المرتبطون بالقاعدة وبدأت المساحات التي يسيطرون عليها في التناقص بعد انصراف حلفائهم للتركيز على محاربة داعش.

بسام الأحمد هو المدير التنفيذي لمجموعة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» وهي مجموعة حقوقية تعمل من تركيا، ويقول الأحمد للكاتب: «النظام السوري الآن أبعد ما يكون عن إسقاطه. قلّ عدد القوى المهتمة بأن يحدث ذلك مثلما كانت في أول الحرب السورية».

ما شكل سوريا بعد بقاء الأسد؟

لكن الأسد رئيس دولة محدود القوى بحسب وصف الكاتب. ما زالت الكثير من الأراضي خارج سيطرته، واقتطعت القوى الأجنبية أجزاء من النفوذ ما يسقط ادعاءه بحكم سوريا كلها.

تحالفت القوات التركية مع الثوار المحليين لتسيطر على مناطق في الشمال، والولايات المتحدة تعمل مع الأكراد ومقاتلين عرب لمحاربة داعش في الشرق. حتى المناطق التي يسيطر عليها الأسد اسميًا، تسيطر عليها روسيا وإيران وحزب الله والمليشيات المحلية أكثر من سيطرة الحكومة السورية عليها. وروسيا تقود الدبلوماسية السورية الدولية، تفاوض على مناطق آمنة مع قوى أجنبية مجاورة لمحاولة وقف العنف.

يقول الكاتب إن خسائر الحرب أصبحت ضخمة وقد تصبح عبئًا ثقيلًا على الأسد وحلفائه في العقود القادمة.

قدر تقرير حديث للبنك الدولي ما خسره الاقتصاد السوري خلال السنوات الست الأولى من الحرب بـ226 مليار دولار، وهو أربعة أضعاف صافي الناتج القومي في 2010 قبل بدء الحرب. وبينما تحولت صور المدن السورية المدمرة إلى رموز شائعة تعبر عن خسائر الحرب، إلا أن هناك عوامل غير مرئية مثل انكسار الثقة المجتمعية وتفرق الشبكات الاجتماعية، وهي عوامل تفوق في ضررها الضرر المادي عدة مرات كما يقول هارن أوندر – كاتب التقرير – في مقابلة صحفية. وأضاف أوندر: «كلما استمر الصراع لا يزيد فقط الضرر المادي، لكن أيضًا يزيد تمزق النسيج الاجتماعي».

Embed from Getty Images

يضيف الكاتب أن أي شكل لبقاء الأسد في السلطة قد يعيق إعادة الإعمار. حيث يأمل المسؤولون في الولايات المتحدة وأوروبا أن يرحل الأسد باتفاق سياسي نهائي، وتعهدوا بأنهم لن يكافئوه على وحشيته وانتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان عن طريق مساعدته في إعادة إعمار البلاد بعد بقائه.

دول أخرى تدعم الأسد قد تساعده، لكنها محدودة الموارد. روسيا وإيران يخضعان لعقوبات دولية ويعاني اقتصاد كل منهما بسبب انخفاض أسعار النفط.

أقامت الحكومة الشهر الماضي معرضًا دوليًا للتجارة في دمشق للمرة الأولى منذ 2011، ورحبت بشركات من إيران والعراق وروسيا وفنزويلا وبلدان أخرى. وكانت من بين العقود التي وقعت عقود لاستيراد 200 حافلة من بلاروسيا وعقود لتصدير 50 ألف طن من المحاصيل.

هل يعود اللاجئون إلى سوريا؟

قد يؤثر بقاء الأسد أيضًا على عودة اللاجئين، بحسب الكاتب، وهي قضية محورية للدول المجاورة. نزح نصف السوريين بسبب الحرب، منهم أكثر من 5 ملايين لاجئ في الخارج. هرب العديد منهم بسبب هجمات قوات الأسد ولم يبق لهم منازل ليعودوا إليها. وآخرون يقولون إن الوضع ليس آمنًا أو يخافون اعتقالهم أو تجنيدهم إجباريًا ضمن قوات الأسد.

Embed from Getty Images

حاول بسام الملك – رجل الأعمال السوري وعضو سابق في إحدى مجموعات المعارضة – أن يعود إلى سوريا هذا العام ليبيع بعض ممتلكاته، وحذرته الحكومة السورية – عن طريق وسيط – من العودة وإلا فسيعتقل. وهو الآن عالق بين النظام والمعارضة، كما يقول الكاتب.

تخلى بعض السوريين عن معارضتهم وعقدوا السلام مع الحكومة التي يبدو أنها تنتصر. ففي 2012، أخبر لاعب كرة القدم فراس الخطيب الحشود أنه لن يلعب للمنتخب السوري طالما قصفت المدفعية أي مكان في سوريا. عاد الخطيب الشهر الماضي ولقي استقبال الأبطال في المطار. وقال بعد عودته: «نحن اليوم على أرض الوطن وفي خدمة الوطن». ما زال المنتخب يخوض تصفيات كأس العالم 2018، ويرتبط بشكل كبير بالرئيس الأسد.

يقول الكاتب إن بعض المواطنين الآخرين – مثل المعلمة التي في مضايا – سعداء بدعم أي شخص يوفر لهم الأمن والخدمات الأساسية، ويختم بقوله: «نحن أناس نمشي أينما ذهبت بنا الريح. كنا أثناء الحصار مع الثورة، والآن نعلق صور بشار ونغني له».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد