نشر موقع «المونيتور» تحليلًا لأنطون مرداسوف، الخبير في الشؤون العسكرية والمهتم بتغطية الأخبار الخاصة بسوريا، والعراق، والتنظيمات المتطرفة، ناقش فيه تطورات العلاقة بين تركيا وروسيا على أراضي سوريا في ظل هجومٍ مجهول المصدر على ناقلات نفطية في 23 أكتوبر (تشرين الأول) ودور تركيا في الصراع بين أذربيجان وأرمينيا.

يقول الكاتب: أثارت الهجمات الأخيرة على قوات المعارضة السورية في قلب المناطق التي تخضع لرقابة تركيا تساؤلات بشأن مدى استدامة الوضع الراهن على طول خطوط الاتصال.

استقرار نسبي

ويؤكد الكاتب أن الاستقرار النسبي الحالي يرجع في المقام الأول إلى الأعمال التي قام بها الجيش التركي، التي سُجِّلَت خلال المباحثات بين بوتين وأردوغان، ونتيجةً للتعاون في إطار مفاوضات «أستانا» (أطلقت روسيا وإيران وتركيا مباحثات أستانا عام 2017 من أجل التفاوض على إنهاء الصراع في سوريا)، واتفاق أضنة (اتفاقية أمنية وقَّعَتها تركيا وسوريا في مدينة أضنة التركية بعد أن تدخلت جامعة الدول العربية، ومصر، وإيران، لوقف التوتر بين البلدين)، اللذين استدْعَتهُما موسكو لتتجنب التساؤلات المزعجة المتعلِّقَة بالنفوذ التركي في سوريا.

يقول الكاتب: نظرًا لأن تركيا تشن حملات متزامنة في مواقع مختلفة، بما في ذلك مساعدة أنقرة لأذربيجان في نزاع ناغورنو – كاراباخ، يجب أن تسعى موسكو إلى استغلال هذه الاضطرابات للحصول على تنازلات من أنقرة. وفي الوقت ذاته من الواضح أن عنصرًا ثالثًا في دمشق يتطلع إلى الاستفادة من تلك الاضطرابات.

Embed from Getty Images

ويضيف الكاتب: في 23 أكتوبر تعرَّضت ناقلات نفط ووقود في مدينة جرابلس إلى هجمات مجهولة المصدر. ووفقًا لإحدى الروايات كانت الناقلات تحمل نفطًا من أجل بيعه من المناطق التي تخضع لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)». وأشارت مدونات عسكرية روسية إلى أن الروس أو السوريين هم المسؤولون عن تنفيذ الهجوم.

يستطرد الكاتب تحليله قائلًا: ربما نفَّذت طائرة عسكرية تابعة لجيش النظام السوري مُحمَّلَة بصاروخ من طراز جو – أرض أو بأنظمة صواريخ باليستية تكتيكية من طراز توشكا أو توشكا يو الأرضي هذا الهجوم. وربما يكون الهجوم أيضًا قد نُفِّذ عن طريق منظومة صاروخ إسكندر إم بعد إطلاقه من قاعدة حميميم الجوية (التي تقع في جنوب شرق اللاذقية) والتي تخضع لسيطرة القوات الروسية أو باستخدام صاروخ كاليبر المحمول على متن سفينة. ونظرًا لأن الحريق استمر لمدة ليلة كاملة لم يستطع المقيمون والناشطون المحليون جمع أدلَّة أو التقاط صور لهذا الحُطَام.

هل يقف الأسد خلف الهجوم؟

وذكر الكاتب أن أحد الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن جيش النظام ربما يكون مسؤولًا عن الهجوم هو تورَّطه في سلوك مماثل في الماضي؛ إذ استهدف النظام في نوفمبر (تشرين الثاني) ناقلات نفط في مدينة جرابلس لتضييق الخناق على الأكراد الذين يُهرِّبون الوقود. وربما حاول النظام السوري ضرب عصفورين بحجرٍ واحد، من خلال: أولًا تقويض قوات «قسد» التي تتمتع باستقلال اقتصادي من خلال تفكيك شبكات التهريب الخاصة بها، وثانيًا إثارة صراع بين موسكو وأنقرة من خلال تنفيذ هجوم في قلب المناطق التي تخضع لسيطرة الأتراك.

ولكن على الرغم من أن مسؤولية الروس عن الهجوم لا يمكن استساغتها، إلا أنها لا يمكن استبعادها. ويضم السرب الروسي الموجود في البحر المتوسط سفينة واحدة على الأقل قادرة على نشر صواريخ كاليبر، وهي فرقاطة الأدميرال إيسن التابعة لأسطول البحر الأسود. وفي نهاية عام 2017 أكَّدَت روسيا أنها استخدمت صواريخ إسكندر البالستية في سوريا (ومن المفترض أن قافلة من المركبات التي تنقل الأسلحة إلى إدلب كانت هدفها الأول).

وفي الحقيقة – يتابع التحليل – نُشِرَت أنظمة الإطلاق «إسكندر» في قاعدة حميميم الجوية في عام 2016؛ ما يعني أن أنظمة إسكندر كانت موجودة في القاعدة أثناء ارتفاع حِدَّة التوترات بين تركيا وروسيا بشأن إسقاط الطائرة الروسية سوخوي سو-24 التي كانت تضرب القوات التركمانية على الرغم من تقديم أنقرة مناشدات رسمية إلى موسكو لوقف هذه العمليات.

مؤشرات التورط الروسي

ويشير الكاتب إلى أن هناك واقعة أخرى تُقدِّم دعمًا إضافيًّا إلى فكرة التورُّط الروسي. وفي 26 أكتوبر، تعرَّض معسكر التدريب التابع لفيلق الشام في سوريا إلى ضربة جوية أسفرت عن مقتل 70 مُجنَّدًا، وإصابة ما يزيد عن 100 آخرين. وأصبح هذا الفصيل الذي يحافظ على مواءمة أيديولوجية مع الإخوان المسلمين أول مجموعة تُصنِّفها وزارة الدفاع الروسية بأنها «معارضة معتدلة» في سوريا في مقابل القوات المتطرفة.

Embed from Getty Images

وشارك فيلق الشام في عملية أستانا، ويتولى الآن مسؤولية حماية مراكز المراقبة التركية في إدلب. وأعطت علاقات المجموعة الوثيقة مع أنقرة قوَّة للتأكيد على أن المجالس المحلية لن تستبدلها حكومة الإنقاذ، التابعة لهيئة تحرير الشام. كما نجح الفصيل أيضًا في الحفاظ على موقف حيادي، وتجنُّب الانضمام إلى القيادة العسكرية في إدلب التي تترأسها هيئة تحرير الشام.

وبطبيعة الحال كان يُنظَر إلى الهجوم على نطاق واسع باعتباره رسالة قاطعة من روسيا إلى تركيا، مفادها: أن موسكو لا تستبعد تصعيدًا جديدًا في إدلب. وهذه الرسالة لها علاقة أيضًا بصراع ناغورنو – كاراباخ. ولا تشعر روسيا بالرضا إزاء الموقف التركي ومحاولاته الرامية إلى توسيع نفوذه في جنوب القوقاز.

واستشهد الكاتب بما قاله سيرجي ناريشكين، مدير خدمة الاستخبارات الأجنبية في روسيا، الذي أشار إلى أن المقاتلين التابعين للفصائل التي تربطها علاقات تقليدية مع تركيا، وفي مقدمتها فرقة السلطان مراد، ثبُتَ – بحسب المصدر – أنهم كانوا ينشطون في ناغورنو – كاراباخ. يكمل الكاتب تحليله: وحتى إن اتخذت روسيا موقفًا حياديًّا فيما يتعلق بالمسائل الخاصة بجنوب القوقاز على الملأ، هناك أسباب تجعلنا نعتقد أنها ربما تزوِّد أرمينيا بالأسلحة من خلال الرحلات الجوية القادمة من مطار مدينة منرالني فودي الروسية. وتدَّعي وسائل إعلامية روسية موالية للكرملين أن الطائرات الروسية كانت تقصف المعسكرات السورية التي تنطلق منها قوات المعارضة إلى جنوب القوقاز طوال شهر أكتوبر.

تجنُّب الإدلاء بتصريحات رسمية

لطالما أحجمَت وزارة الدفاع الروسية عن الإدلاء بأي تصريحات رسمية عن نشاط القوات الجوية في إدلب، واعتبار أي تقارير تعلق بالهجمات الجوية الروسية زائفة. ومع ذلك، كانت قنوات روسية على تيليجرام قد نقلت في كثيرٍ من المناسبات صور الطائرات الروسية من طراز سو-24 وسو-25 التي كانت تُحلِّق في سماء إدلب.

ويردف الكاتب قائلًا: صحيح أن طائرات من طراز سو-24إم2 ربما تكون مسؤولة عن تنفيذ الهجوم ضد فيلق الشام نيابةً عن جيش النظام السوري بينما كانت القوات الجوية الروسية تُقدِّم الحماية. ومع ذلك، يصعُب تصديق أن الروس لم يكونوا على علمٍ بالهدف الحقيقي من الهجوم. وتذهب إحدى النظريات إلى أن قوات الأسد هاجمت مَقَار فيلق الشام خلال دوريات جوية روسية لتقويض مناصريها الروس. وهذا التفسير المُعَقَّد للغاية تصعب استساغته، بحسب الكاتب.

وكانت القنوات الروسية على تليجرام التي نشرت سابقًا صور جنود المعارضة قد عزَّزَت أيضًا رواياتها الخاصة بالهجوم؛ إذ ادَّعَت أن مجموعة حُرَّاس الدين (مجموعة مُسلَّحة تابعة لتنظيم القاعدة) المتطرفة أعطت الاستخبارات العسكرية السورية إحداثيات معسكر التدريب. وذكرت أيضًا أن تركيا لم تشارك المعلومات اللازمة للتعرُّف على الأصدقاء والأعداء؛ مما يُقدِّم ذريعة لشن هجوم عشوائي.

ولا تبدو تلك الأُطروحات مُقنِعة بصفة خاصة، لكنَّ الروس ربما يُحسِنون استخدامها لدعم الأسلوب الخاص بهم في التواصل مع نظرائهم الأتراك. ووفقًا لتقارير نشرتها وسائل الإعلام الروسية، كانت موسكو تستخدم هذه التكتيكات منذ اندلاع التوترات في إدلب في فبراير (شباط) بعد الهجوم الذي وقع في شمال غرب سوريا، والذي أودى بحياة 33 مُجنَّدًا تركيًّا.

موقف غامض

ويلمح الكاتب إلى أن موسكو باتت الآن في وضعية غامضة بطريقة أو بأخرى. ومن الواضح تمامًا من ناحية أن الوضع الحالي في إدلب، الذي لطالما كان النظام السوري يناضل من أجل السيطرة عليه، يُذكِّرَنا بأن قوة دمشق لها حدود. ومن ناحية أخرى، أن موسكو لا تهتم بزرع مراكز قوى بديلة في سوريا تسعى إلى نزع الشرعية عن النظام.

Embed from Getty Images

وربما يوضح هذا العاملان معًا أسباب احتمالية التزام الروس بإستراتيجية قضم قطعة صغيرة من إدلب بطريقة عشوائية بعض الشيء (تُعد إستراتيجية القضم من بين الإستراتيجيات السياسية الحديثة التي تشير إلى أن الاستيلاء على دولة ما يبدأ ببسط النفوذ على بقعة صغيرة منها) وتنفيذ سلسلة من الانسحابات الهجومية من خلال اتفاقية سلام.

وعلاوةً على ذلك، بدأت حدة التوترات في ناجورنو – كاراباخ تزداد عندما كانت روسيا تواجه بالفعل مشكلات أخرى داخل منظمة معاهدة الأمن الجماعي (تأسست هذه المنظمة في عام 2002 وتشمل قائمة أعضائها ست دول، وهي روسيا، وأرمينيا، وطاجيكستان، وكازاخستان، وبيلاروس، وقرغيزستان)، أبرزها أزمة سياسية في بيلاروسيا وثورة أخرى في قرغيزستان.

ويقوم التحالف بين تركيا وأذربيجان، بصرف النظر عن موضوع التضامن التركي، على أهداف مُشترَكَة ملموسة ويستند إلى أساس قانوني لا يقل أهمية عن ذلك. ومع ذلك سيكون من الصعب تَصُّور أن سياسة أنقرة في جنوب القوقاز بمثابة محاولة لتنحية الروس جانبًا.

عوامل رد الفعل الروسي الحادّ

ويلفت الكاتب إلى أن هذا الغموض يغذِّي معضلة تركية عامة تواجِه صُنَّاع القرار في روسيا. وربما توضِّح عوامل كثيرة رد فعل السلطات الروسية الحاد والمؤلم على انتشار النفوذ التركي، حتى وإن كان هذا النفوذ غير موجود بعض الشيء في الثقل الاقتصادي (مثل الروبل الروسي، تعاني الليرة التركية من حالة سقوط حر). وربما تتضمن بعض العوامل الواضحة الحنين إلى الأطماع الإمبريالية والحماسة الوطنية التي أُثيرَت في وسائل الإعلام الشوفينية

دولي

منذ شهر
«هآرتس»: هل سيقف بايدن بجانب إسرائيل في مواجهة تركيا؟

ومع ذلك – يستطرد الكاتب – يوجد عامل آخر في الحاجة اللاشعورية لسد ثغرة أيديولوجية في السياسة الروسية. وكانت روسيا قد ناضلت طوال هذه السنوات من أجل بناء رواية سياسية تجمع بين الأفكار المثيرة للجدل التي أثارها الفلاسفة الموالون لروسيا، مثل: سولوفيوف، وإيليين، وبيرديائيف، والتي درَسَهَا الحُكَّام الروس باستفاضة، وفكرة العالَم الروسي (التي تُترجَم إلى الروسية بـRussky Mir وتشير إلى الترويج إلى اللغة الروسية وثقافتها في جميع أنحاء العالم) الهامشية التي اكتسبت أهمية مع اندلاع الصراع في دونباس (وهو صراع مُسلَّح اندلع في مدينة دونباس في أوكرانيا في مارس (أذار) 2014).

ويختتم الكاتب تحليله قائلًا: في هذا الإطار تُربِك تركيا – ذلك البلد الذي يُقدِّم نفسه بوصفه مدافعًا عن العالم الإسلامي – النخبة الروسية. وتنظر بعض هذه المجموعات إلى تركيا في الأساس على أنَّها خِصم حاربته روسيا في مراتٍ كثيرة من تاريخها، والذي لا يخشى إحياء دور الإسلام.

ومن ناحية أخرى أقامت موسكو وأنقرة علاقات تغلَّبَت على الأزمة التي اندلعت في عام 2015 مع إسقاط الطائرة الروسية. وبالفعل تُشكِّل العلاقات بين بوتين وأردوغان، التي تؤثِّر فيها أزمات كثيرة، أساسًا لعِدَّة مشروعات وبعض المنافع الغامضة. ومن ثَمَّ تتمثل المُعضِلَة بالنسبة لموسكو في كيفية إقامة علاقات مع البلد الذي تشاركه موسكو اختلافات كثيرة بقدر نقاط التوافق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد