قالت تيسا فوكس في مقال لها بمجلة «فورين بوليسي» إنه في مطلع يوليو (تموز) الماضي، ضبطت الشرطة الإيطالية في ميناء ساليرنو 84 مليون قرص كبتاجون مزيف بقيمة مليار دولار، فيما اعتبر «أكبر عملية مصادرة للمخدرات في العالم».

وأوضحت فوكس أن الكبتاجون ظهر أول مرة في الستينات من القرن الماضي لعلاج الاكتئاب، والأطفال الذين يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة. وبعد عقدين من الزمن، حظرت منظمة الصحة العالمية هذه المادة لأنها تسبب الإدمان، ولها آثار صحية ضارة أخرى. لكن الكبتاجون المزيف – وهو مجرد مزيج من الأمفيتامينات بدون فينثيلين – لا يزال مطلوبًا في السوق السوداء بالشرق الأوسط، بحسب المقال.

وصلت الحبوب على متن ثلاث سفن من ميناء اللاذقية السوري، وأعلنت الشرطة الإيطالية بسرعة أن «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» هو المسؤول عن إنتاجها وشحنها لتمويل عملياته الإرهابية العالمية.

سياسة

منذ 3 سنوات
«نيوزويك»: هل بالفعل مخدر «كبتاجون» وراء وحشية مقاتلي «داعش»؟

يظهر الحادث غموض العلاقة بين تجارة المخدرات والحرب. نشرت وسائل الإعلام العالمية المعلومات التي قدمتها الشرطة الإيطالية دون تدقيق، وكررت المعلومات المضللة دون التفكير في كيفية قيام مجموعة متفرقة من أعضاء «داعش» بتنفيذ مثل هذه العملية، ولكن الحقيقة هي أنهم على الأرجح لم يفعلوا ذلك.

في الواقع – تضيف فوكس – من المرجح أن يكون لنظام بشار الأسد يد في إنتاج الكبتاجون، واستثمار الربح في حملاته المسلحة ضد المدنيين وإلحاق الضرر بصحة العديد من السوريين المدمنين الآن على المخدرات بعد سنوات من الحرب.

تاريخ طويل لعائلة الأسد مع المخدرات

لعبت الحكومة السورية دورًا في تهريب المخدرات منذ أوائل التسعينات؛ إذ قال لوران لانييل، المحلل في مركز المراقبة الأوروبية للمخدرات والإدمان: «عندما غزت سوريا لبنان في التسعينات، انتشرت تقارير عديدة تظهر أن الجيش السوري يساعد ويحرض على إنتاج الحشيش، والأفيون، في سهل البقاع».

ازدهر إنتاج الكبتاجون في سوريا بعد 2013، عندما أجبرت حملة على المخدرات في لبنان المجاور حزب الله على نقل عمليات إنتاج المخدرات إلى الجوار. وقد جاء التحول في وقت مناسب للنظام السوري، إذ احتاج إلى المال لتمويل حملته العسكرية ضد الجماعات المتمردة.

بعد حوالي عقد من الحرب الأهلية في سوريا – تكشف فوكس – لا يزال إنتاج الكبتاجون المقلد يتزايد على حساب المدنيين. الأمر سهل نسبيًا، فقط يحتاج إلى غرفة كبيرة بما يكفي لمكبس الأقراص، وبعض المكونات التي يسهل الحصول عليها. قالت كارولين روز، المؤلفة المشاركة لتقرير عن الكبتاجون أعدته وحدة سياسة المخدرات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، إن الاقتصاد غير الرسمي لتجارة المخدرات هو «شريان حياة لنظام الأسد».

Embed from Getty Images

تقع غالبية مواقع إنتاج الكبتاجون في سوريا في مناطق يسيطر عليها النظام، بحسب أبي جعفر، سائق شاحنة سابق كان يعمل بين حمص وريف دمشق وحلب. قال أبو جعفر لمجلة «فورين بوليسي»: «تحتاج فقط إلى بعض المنازل المهجورة وعدد قليل من العمال الذين يشرف عليهم شخص له صلات قوية». ولفت إلى أن المواقع منتشرة في ريف حلب، ودمشق، واللاذقية، وكذلك في حمص، والقصير، وتلكلخ.

تعجز المنظمات الدولية عن إجراء البحوث على الأرض؛ مما يعني أنه لا يوجد دليل ملموس يربط نظام الأسد بتجارة الكبتاجون. لكن مصادر تقول إنه ستكون هناك حاجة لحماية قوية لإنتاج الأدوية وبيعها وتصديرها من مناطق سيطرة النظام. قال لانييل: «لطالما كان الأشخاص الأكثر قدرة على تصنيع مخدر بكميات كبيرة بأمان في بلد تمزقه الحرب هم أشخاص في النظام».

من المحتمل أن تكون عمليات إنتاج المخدرات السورية تجري بدعم حاسم من حزب الله – بحسب التقرير – الذي له صلات بإنتاج الكبتاجون في حمص، وتلكلخ، والقصير، بالقرب من الحدود اللبنانية. وفي أماكن أخرى من سوريا، لعب البدو دورًا رائدًا في بيع ونقل الكبتاجون، وفقًا لأبي جعفر، إذ قال إنهم كانوا من أوائل من اشتروا شحنات الأمفيتامين القادمة من بلغاريا عبر تركيا لبيعها في سوريا، والأردن، ودول الخليج، ولديهم الآن يد في التصنيع.

للمرور عبر نقاط التفتيش والموانئ مثل اللاذقية – تشدد فوكس – من المحتمل أن تكون هناك حاجة إلى جهات نافذة – تنقل الشحنة إلى النظام السوري. في العام الماضي، تمت مصادرة أكثر من 33 مليون حبة كبتاجون في اليونان بعد شحنها من اللاذقية أيضًا. وفي أبريل (نيسان) من هذا العام، صادرت الجمارك السعودية أكثر من 44 مليون حبة مخبأة في عبوات شاي من شركة قريبة من عائلة الأسد. قال لانييل: «يمكنك القول إن أي شيء يخرج من ميناء اللاذقية يمكن أن يكون مرتبطًا بالنظام، أو أي شخص دفع مقابل استخدام الميناء».

لا دليل على علاقة «داعش» بالشحنة

على الرغم من هذه الروابط المحتملة، فإن الكثيرين خارج منطقة الشرق الأوسط قد ربطوا بشكل غير صحيح، بحسب التقرير، بين إنتاج المخدرات وتنظيم «داعش». أشارت التقارير بعد هجمات باريس عام 2015 إلى أن الجناة كانوا يستخدمون الكبتاجون، ووصفوه بأنه مخدر جهادي. ولكن أظهرت تقارير علم السموم في وقت لاحق أن المهاجمين لم يتناولوا أي عقاقير.

في ذروة سيطرته على الأراضي، كان تنظيم «داعش» متورطًا في السوق السوداء، حيث تاجر بالآثار المنهوبة والأسلحة والنفط. لكن هناك القليل من الأدلة على أن الجماعة أنتجت الكبتاجون على الإطلاق. ومن المعلوم أن التنظيم عاقب الأشخاص الذين يُضبطون وهم يدخنون، أو يبيعون التبغ؛ مما يجعل من غير المحتمل أن يتغاضوا عن تصنيع المخدرات.

Embed from Getty Images

علاوة على ذلك أخطأت الشرطة الإيطالية عندما ظنت أن أوروبا هي الوجهة النهائية لشحنة الكبتاجون التي تمت مصادرتها في يوليو؛ مما أدى إلى ضياع الفرص لمحاسبة البلدان الأخرى على التجارة غير المشروعة. لطالما كانت السعودية المستهلك الأول للكبتاجون، الذي يحظى بشعبية بين الشباب والأثرياء الذي يرتادون الحفلات. مع استمرار الصراع في ليبيا، من الممكن أيضًا أن تكون الشحنة الكبيرة متجهة إلى ميناء بنغازي، مع كون أوروبا نقطة عبور.

ربما كانت الحبوب مخصصة للجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر – تقول فوكس – الذي تدعمه روسيا في حربه ضد حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس. روسيا هي أحد الضامنين الرئيسين لنظام الأسد، وستكون هذه التجارة غير المشروعة منطقية من الناحية الجيوسياسية: «إذ ستشكل دفعة لمقاتلي الجيش الوطني الليبي».

وبينما الكثير من الكبتاجون المنتج في سوريا موجه للأسواق الخارجية، يعاني السوريون أنفسهم من أسوأ الأضرار من التجارة. تُباع الأقراص الأسوأ جودة داخل سوريا بسعر رخيص يصل إلى دولار واحد للقرص، بحسب روز. وغالبًا ما يخلط المنتجون المواد لتخفيف المركبات، إذ تحتوي بعض الحبوب على مستويات سامة من الزنك والنيكل. قالت روز: «إنهم يبيعون أسوأ التركيبات المتوفرة لديهم بأرخص الأسعار والناس يائسون».

عربي

منذ شهر
بين الدعارة والمخدرات أو الانضمام للميليشيات.. كيف ضاقت فرص العمل على سكان سوريا؟
من المعروف أن الكبتاجون يحد من مشاعر التعب والجوع والخوف. لكن استخدامه الآن شائع في جميع أنحاء سوريا. تشمل الآثار الجانبية الأكثر شيوعًا لتناوله الاكتئاب الشديد، والأرق، وسوء التغذية، وتسمم القلب والدم. ولا يجد المدمنون سوى القليل من الدعم من نظام الرعاية الصحية الذي دمرته سنوات الحرب.

شكلت مصادرة الشحنة في إيطاليا فرصة للحكومات للعمل على وقف إنتاج الكبتاجون. ولكن يجب إجراء مزيد من البحث حول مضبوطات الكبتاجون – تقول فوكس – بما في ذلك اختبار تركيبة العقار، وتتبع شبكات التهريب والشحن.

بعد ذلك يمكن للدول فرض عقوبات على الشركات التي تنتج الكبتاجون وتصدره. قالت روز: «تجارة الكبتاجون ستستمر، لكن المنتجين سيعانون إذا تم فرض مزيد من العقوبات». يتطلب اتخاذ الإجراءات تعاون المجتمع الدولي وزيادة الوعي العام بالآثار القاسية لتجارة الكبتاجون، لا سيما على المدنيين السوريين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد