نشرت الكاتبة مريم صالح تقريرًا على موقع «ذي إنترسبت» يتحدث عن محاولات ناشطين ومحامين سوريين اختبار حدود القانون الدولي، إذ يقومون بمحاولتين جديدتين لتقديم حكومة بشار الأسد إلى المحكمة الجنائية الدولية.

أرسل لاجئون سوريون يقيمون في الأردن –من خلال محامين مقيمين في لندن- رسائل إلى مكتب المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية يطلبون منها ممارسة الاختصاص القضائي على سوريا، بناءً على سابقة حدثت العام الماضي في قضية تتعلق باضطهاد ميانمار لمسلمي الروهينجا.

«فاينانشال تايمز»: هل يمكن إعادة إعمار سوريا رغم بقاء الأسد في السلطة؟

هذه الرسائل هي أحدث محاولة للمدنيين السوريين لمحاكمة الحكومة التي دمرت وحشيتها حياتهم. في السنوات الأخيرة جرب محامون سوريون، ونشطاء في مجال حقوق الإنسان الجوانب التي نادرًا ما تُستخدم في القانون الدولي، ونجحوا في جعل المحاكم الأوروبية والأمريكية تتناول الفظائع المرتكبة في سوريا.

قالت مي السعدني، المديرة القانونية والقضائية في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط ومقره واشنطن: «نظرًا إلى تَسْيِيس الحرب في سوريا، فإنه يجب على المحامين وأولئك الذين يناضلون من أجل محاكمة النظام أن يتحلوا بالإبداع. المراسلات الأخيرة المتعلقة بالمادة 15 والموجهة للمحكمة الجنائية الدولية هي دليل على ذلك، فهناك مساحة للإبداع في ما يتعلق بالمحاكمة».

حرب سوريا وجرائم لا تخفى على أحد

تأتي هذه الجهود مع دخول الصراع السوري عامه التاسع. في 15 من مارس (آذار) عام 2011 –أي قبل ثماني سنوات- خرج السوريون إلى الشوارع للتظاهر في «يوم الغضب» مستلهمين ذلك من موجة الاحتجاجات التي اجتاحت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في غضون أيام قليلة كان المحتجون في جميع أنحاء البلاد ينادون بالحرية، والكرامة، والإصلاحات السياسية. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر أسقط ناشطون في مدينة درعا الجنوبية تمثالًا للرئيس الراحل حافظ الأسد في ساحة المدينة. وفي يوم الأحد الماضي تظاهر مئات من أهالي درعا مرة أخرى، وهذه المرة للاحتجاج على إقامة تمثال جديد للرئيس السوري الراحل.

في السنوات اللاحقة تحولت الانتفاضة الشعبية المناهضة للحكومة إلى حرب لا ترحم، يشارك فيها ما لا يقل عن ست دول، إذ ساهمت كل دولة من تلك الدول في تدمير سوريا. إلا أن هناك من يُحمّلون نظام الأسد وحده مسؤولية معظم أعمال العنف التي سوت مدن كاملة بالأرض، وأدت لنزوح ملايين الأشخاص من ديارهم، وقتل حوالي 470 ألف شخص، وفقًا لتقديرات مر عليها ثلاثة أعوام.

إن حجم الفظائع التي ارتُكبت في سوريا لا يمكن تبريره، إلا أن الجناة تهربوا من الخضوع للمسائلة، ويتم الترحيب بهم مرة أخرى ترحيبًا تدريجيًّا في الساحة السياسية. حتى أن بعض الدول العربية التي أدرجت الأسد في القائمة السوداء عام 2011، قد قامت بتحسين علاقاتها مع النظام السوري ببطء، بينما استثمرت سوريا وإيران والصين في عقود إعادة الإعمار المربحة.

المحكمة الدولية والبحث عن عقاب للمجرمين

لكن تشير الكاتبة إلى أن ضحايا الحرب لم يحجموا عن السعي لتحقيق العدالة. إذ قال المحامي السوري في مجال حقوق الإنسان، أنور البني: إن أحد أهداف جهودهم هو إرسال رسالة قوية مفادها أنه لا ينبغي ضم أي من الأعضاء الرئيسيين في النظام السوري الحالي في أي فترة انتقالية، أو حل سياسي للصراع السوري.

وقال البني، الذي دفع عمله مع المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان المدعي العام الفيدرالي الألماني إلى إصدار مذكرة توقيف دولية بحق جميل حسن، رئيس إدارة المخابرات الجوية السورية سيئة السمعة: «إن هدف عملنا هو منع أي محاولة لإعادة تأهيل مجرمي الحرب والأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية. من المستحيل أن تستقر سوريا ما لم تتم محاسبة هؤلاء المجرمين».

المحكمة الجنائية الدولية –التي يقع مقرها في مدينة لاهاي بهولندا- هي محكمة حكومية دولية أنُشأت بناءً على نظام روما الأساسي، وتمتلك سلطة التحقيق في جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجرائم العدوان. كثيرًا ما يُقال عن هذه المحكمة إنها محكمة الملاذ الأخير، فهي تنظر في القضايا التي لا تستطيع –أو لا ترغب- محاكم الدول النظر فيها، أو عندما يحيل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو دول بمفردها القضايا إلى المحكمة.

أصدر مجلس الأمن قرارًا في عام 2014 بإحالة سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ إلا أن الصين وروسيا (وهما دولتان مؤيدتان للنظام السوري) استخدمتا حق النقض (الفيتو) للحيلولة دون ذلك. ولأن سوريا لم تصدق على نظام روما الأساسي؛ فإن المحكمة ليس لديها أساس مستقل للاختصاص القضائي. ومع ذلك فإن حكمًا صادرًا عن المحكمة العام الماضي في قضية تتعلق باضطهاد ميانمار لأقلية الروهينجا قد فتح آمالًا جديدة لأولئك الذين يأملون في مثول النظام السوري أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ففي شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أصدر قضاة المحكمة الجنائية الدولية حكمًا تمهيديًّا يقول إن المحكمة من الممكن أن تمارس اختصاصًا قضائيًّا بشأن ترحيل الروهينجا من ميانمار –وهي ليست دولة عضوة في المحكمة الجنائية الدولية- إلى بنجلاديش التي هي عضوة في المحكمة.

يعتبر الترحيل جريمة ضد الإنسانية، وعللت المحكمة كلامها بأن أحد عناصر الجريمة –عبور الحدود- وقع في بنجلاديش، وهذا أدى لإنشاء الاختصاص القضائي. وقال القضاة إن المحكمة يمكنها أيضًا النظر في جرائم أخرى بموجب نظام روما الأساسي، مثل الاضطهاد وغيره من الأفعال غير الإنسانية.

بناءً على تلك السابقة؛ يقول السوريون إن المحكمة الجنائية الدولية لها اختصاص قضائي على عمليات الترحيل من سوريا إلى الأردن، وهي طرف في نظام روما الأساسي، وموطن ما يزيد على مليون لاجئ سوري. قدم مركز غرنيكا للعدالة الدولية ومقره لندن رسالة بموجب المادة 15 إلى المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودة، في 4 مارس، يطلب منها فتح تحقيق في الترحيل القسري للسوريين إلى الأردن. كما قدمت مجموعة من المحامين بقيادة رودني ديكسون من مجموعة تيمبل جاردن تشامبرز الحقوقية رسالة مشابهة في 7 مارس، بالنيابة عن 28 لاجئًا سوريًّا في الأردن.

بينما أعلن المحامون علانية مراسلتهم للمحكمة، إلا أن الرسائل المرتبطة بالمادة 15 سرية، ولن تظهر للعامة إلا إذا قررت المدعية العامة اتخاذ إجراء ما.

ما الخطوات المتبعة في المحكمة الدولية؟

تقول هايدي نيكولز حداد مؤلفة كتاب «أيدي العدالة الخفية: المنظمات غير الحكومية وحقوق الإنسان والمحاكم الدولية»: «يمكن لأي شخص التواصل مع المحكمة بناءً على المادة 15 من نظام روما الأساسي -المعاهدة التي تقوم عليها المحكمة- وإرسال المعلومات إلى المحكمة. ثم يعود الأمر بعد ذلك للمدعي العام لتجميع تلك المعلومات، وتحديد ما إذا كان يجب إحالتها إلى أحد القضاة، والمضي قدمًا في التحقيق الأولي».

وفي بيان لـ«ذي إنترسبت» أكد مكتب المدعي العام استلام المراسلات المتعلقة بسوريا. وكتب مكتب بنسودة: «كما نفعل مع جميع المراسلات المماثلة، سنقوم بتحليل المواد المقدمة حسب الاقتضاء، وفقًا لنظام روما الأساسي، باستقلال ونزاهة تامين. وبمجرد أن نتوصل إلى قرار بشأن الخطوة التالية المناسبة سنقوم بإبلاغ المرسل، وتوضيح أسباب قرارنا».

يمكن لبنسودة إما أن ترفض اتخاذ إجراء، وإما أن تقرر من جانب واحد فتح تحقيق أولي. هناك خيار ثالث وهو تقديم مذكرة قبل المحاكمة تطلب من الدائرة القضائية للمحكمة أن تبت في الاختصاص، وهذا ما فعلته بنسودة في قضية ميانمار. ثم ستطلب المحكمة من سوريا الرد، ومن الأردن إبداء رأيها. في العام الماضي رحبت بنجلاديش بالتحقيق في ترحيل الروهينجا إلى أراضيها؛ أما في ما يتعلق بسوريا فإن رد الأردن سيشكل فرقًا، وهذا ما وضحه محامي حقوق الإنسان أنور البني.

وقال: «الطرف الذي يتعين عليه طلب إجراء تحقيق هو الحكومة الأردنية؛ لأنها تمثل الطرف الذي تعرض للضرر». يمكن أن تضع مسألة الاختصاص القضائي الأردن في مأزق، لتصبح عالقةً بين مساعدة السوريين في سعيهم العادل للمحاكمة، والآثار الجيوسياسية المترتبة على مساعدتها في تسهيل مقاضاة رئيس دولة مجاورة.

لكن توبي كادمان –وهو محامي في مجموعة غرنيكا التي قدمت مذكرة في قضية الروهينجا- يقول إنه على الرغم من دعوة الأردن للرد، إلا أن قرار المحكمة سيعتمد على الضرر الذي عانى منه اللاجئون السوريون، وليس على ما إذا كان الأردن يشجع على إجراء تحقيق. طُلب من السفارة الأردنية في واشنطن تقديم تعليق لكنها لم ترد.

بنت الفرق القانونية ملفاتها بناءً على مقابلات مع لاجئين سوريين في الأردن، بالإضافة إلى المجموعة الهائلة من الوثائق المتعلقة بالجرائم في سوريا على مر السنوات الثماني الماضية.

وأضاف كادمان: «في الواقع أعتقد أن القضية أقوى في حالة سوريا مما كانت عليه في حالة الروهينجا». وأشار إلى أن حجم النزوح في سوريا أكبر بكثير: حيث فر حوالي 5 ملايين سوري من البلاد منذ عام 2011، مقارنة بحوالي 730 ألف لاجئ من الروهينجا.

واستدرك قائلًا: «هذا لا يقلل من أهمية ما حدث للروهينجا. أعتقد فقط أن الأمر يتعلق بطريقة توثيق النزاع في سوريا، فنحن في الواقع نعرف الكثير عما حدث هناك مقارنة بما نعرفه عما حدث في ميانمار».

بينما ركز المحامون في ملفاتهم على جريمة الترحيل –متبعين السابقة المتعلقة بقرار الروهينجا- إلا أنهم تناولوا أيضًا جرائم أخرى حدثت في سوريا، مثل استخدام الأسلحة الكيماوية، والقصف العشوائي للمناطق المدنية، والتعذيب، بالإضافة للمخاطر التي قد يواجهها اللاجئون عند عودتهم إلى سوريا، مثل التجنيد، والاعتقال.

تحديات في طريق السعي للعدالة

قال إبراهيم العلبي، وهو محامي سوري يكمل تدريبه القانوني في مركز غرنيكا: «لقد قابلت سوريين لم يكن لديهم خيار البقاء في سوريا، ولم يكن لديهم خيار العودة إليها، وهذا في العادة يعني أنك تتحدث إلى أشخاص تم اعتقالهم، أو أشخاص يخشون الاعتقال. قابلت كذلك أشخاصًا لا علاقة لهم بالانتفاضة، وتم القبض عليهم واحتجازهم وتعذيبهم بأبشع الوسائل الممكنة».

قالت إحدى السوريات التي قابلها فريق ديكسون إنها شاهدت طفلًا حولته قذيفة إلى أشلاء «وهي لحظة محفورة في ذاكرتها»، وهذا وفق مقتطف من مراسلة بموجب المادة 15 أرسلها ديكسون لصحيفة «ذي إنترسبت».

قالت هذه المرأة إنه عندما بدأت حملات القصف في بلدتها تدهور كل شيء. وعندما قرر ابن عمها الفرار مع أسرته قُتل في هجوم صاروخي على حافلة كانت تقله، وقد احترقت الحافلة لدرجة أن الأسرة لم تتمكن من التعرف إلى جثته. وتحدثت عن خوفها الشديد على حياتها وحياة أسرتها خلال حملات القصف العشوائية التي استهدفت المباني المحيطة بها، وأصابت مدرسة قريبة. وقد قررت الفرار إلى الأردن عندما سمعت أن قوات النظام قد «طهرت» جزءًا آخر من مدينتها، وانتقلت إلى منطقتها. وذكرت أن قوات النظام كانت تنفذ سياسة التطهير، وأنها خافت أن تُقتل هي وعائلتها.

وقال ديكسون: «من المهم أن نفهم أنه من أجل إثبات ارتكاب جرائم ضد الإنسانية يتعين على المدعية العامة إثبات وجود هجوم على السكان المدنيين. يمكن استخدام جميع الجرائم الأخرى التي حدثت في سوريا من قبل المدعية العامة؛ لإثبات وقوع هجوم على السكان المدنيين، والترحيل هو جزء من تلك الجرائم».

هذا لا يعني أن المحكمة الجنائية الدولية ستطلب بالضرورة إدانات في ما يتعلق بهذه الجرائم الأوسع نطاقًا، لكن المدعي العام سيجمع أدلة عليها على الأقل. وقال ديكسون: «هذا مهم لأنه يتيح للضحايا الحديث، ويمنح الفرصة للمدعية العامة لإثبات وجود نمط وسياسة أوسع نطاقًا للجرائم. وهو ما سيكون مهمًّا جدًّا، ويمكن استخدامه لاحقًا في هذه القضية؛ لرفع قضية بخصوص الترحيل وغير ذلك من الجرائم ضد الإنسانية».

هناك قيود على قدرة المحكمة الجنائية الدولية على البت في القضايا ومحاسبة مرتكبيها. أحد الأمثلة الواضحة على ذلك هو الرئيس السوداني، عمر البشير، المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية في جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم إبادة الجماعية في دارفور منذ عقد مضى. لكن نظرًا إلى أن المحكمة الجنائية لا تمتلك جهاز شرطة، فإنها تحتاج إلى تعاون من الدول التي ترحب باعتقال المتهمين. إلا أن البشير قد سافر إلى جميع أنحاء العالم –بما في ذلك دول أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية- وما زال حرًّا طليقًا.

التواطؤ السياسي من حلفاء النظام

المناورات القانونية التي قام بها السوريون لمحاولة رفع قضيتهم أمام المحكمة الجنائية تمثل قيدًا آخر. في حالة وجود أدلة على حدوث جرائم محتملة، فإن التحقيقات في الجرائم المرتكبة في الدول التي لم تصدق على نظام روما الأساسي تكاد تكون مستحيلة؛ بسبب مسألة الاختصاص القضائي، كما يسارع أعضاء مجلس الأمن إلى استخدام حق النقض (الفيتو)؛ لإعاقة التحقيقات في الجرائم التي يرتكبها حلفاؤهم.

وبحسب الكاتبة، هذا هو ما يجعل الطرق المختلفة التي يسلكها السوريون مهمة للغاية. فاعتبارًا من مارس الماضي تم رفع أكثر من 20 قضائية أمام المحاكم الأوروبية تتعلق بالفظائع التي يرتكبها النظام السوري والمقاتلون المتمردون وتنظيم داعش وغير ذلك من الجماعات الأصولية المسلحة.

رفعت عائلة ماري كولفين –وهي صحافية أمريكية قُتلت في عام 2012 أثناء تغطيتها للأحداث في مدينة حمص- دعوى قضائية ضد الحكومة السورية في محكمة محلية في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي يناير (كانون الثاني) حملت المحكمة سوريا مسؤولية قتل ماري.

رُفعت كثير من القضايا في أوروبا بناءً على مذهب قانوني يُعرف باسم الولاية القضائية العالمية؛ يختلف تطبيق هذا المذهب من بلد إلى آخر، لكنه يسمح للمحاكم بشكل أساسي بالبت في القضايا بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة، أو ما إذا كان لدى الطرف المتهم أي صلة بالدولة التي تحاكمه.

تحقق النجاح الأكبر حتى الآن في ألمانيا، حيث اعتقلت السلطات الألمانية الشهر الماضي ضابطًا سابقًا رفيع المستوى في المخابرات السورية، واثنين آخرين متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية لقيامهم بتعذيب المعتقلين في السجون السورية. لا تزال هناك قضايا أخرى معلقة في فرنسا والسويد وإسبانيا.

هذه المحاولات ممكنة جزئيًّا بسبب المستوى غير المسبوق من توثيق الجرائم في سوريا. فقد تم التعرف إلى الضحايا في بعض القضايا من مجموعة مكونة من 28 ألف صورة لأشخاص قتلوا في مراكز الاعتقال السورية، وهذه الصور هرّبها إلى خارج البلاد منشق عسكري أطلق على نفسه اسم القيصر.

اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2016، خطوة لإنشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة للتحقيق في الجرائم التي وقعت في سوريا منذ عام 2011. هذه الآلية التي يُطلق عليها IIIM لا تتمتع بسلطة قضائية مستقلة، لكنها موجودة لجمع المعلومات التي يمكن عرضها لاحقًا على المحاكم ذات الاختصاص بالنظر في الجرائم. في العام الماضي تعاونت 28 منظمة سورية غير حكومية مع IIIM في أعمالها.

محاولات التوثيق لإثبات الإدانة

قامت مجموعات، مثل غرنيكا والبرنامج السوري للتطوير القانوني –الذي أسسه إبراهيم العلبي أثناء دراسته للحقوق عام 2014- بتدريب محامين وناشطين في مجال حقوق الإنسان على كيفية توثيق الفظائع بطريقة تجعل الأدلة مقبولة في المحكمة.

وقال العلبي عن البرنامج السوري للقانون السوري: «ما فعلناه على سبيل المثال هو مساعدة الناشطين في كيفية التوثيق بطريقة قانونية. لذلك فقد قمنا بإنشاء أسئلة لمقابلات الشهود للمنظمات التي كانت توثق النزوح القسري، وساعدنا المنظمات التي تعمل على قضايا الأسلحة الكيميائية، ووضعناها معًا في إطار قانوني، وهو ما أدى إلى جميع التقارير المختلفة التي استخدمناها في مذكرة غرنيكا».

يستغل السوريون كل أداة في جعبتهم لمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم بموجب القانون الدولي، ومع ذلك يأمل الكثير منهم بمحاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم في سوريا يومًا ما، بعد انتهاء الصراع.

وقال البني: «يجب أن تتم المحاكمات في سوريا بالتأكيد. لكن علينا أولًا الوصول إلى هناك والاستعداد لعقد المحاكمات في سوريا، والاستعداد للعدالة الانتقالية؛ لكن للوصول إلى هناك نحتاج إلى إثبات أن هؤلاء الأشخاص مجرمون، ولا يجب لأحد أن يتعامل معهم بأي شكل من الأشكال».

وبينما يعزز النظام السوري انتصاره العسكري، يصعب تصور احتمال قيام دولة –أو فترة من العدالة الانتقالية- بعد الأسد. وتقول مي السعدني إنه حتى ذلك الحين فإن مجرد عملية الضغط من أجل مساءلة المجرمين بكل طريقة ممكنة لها عدد من الفوائد.

وأضافت: «أعتقد أن حقيقة أن الأفراد الذين كان يُعتقد أنه لن يمكن مساءلتهم أبدًا يخضعون للمساءلة، أو يتم جمع أدلة تدينهم، مهمة في حد ذاتها. إن عملية المشاركة في هذه القضايا، وعملية توثيق الأدلة، وحتى عملية التحدث بصوت عالٍ عن الانتهاكات التي يتعرض لها الضحايا ومن يرتكبها، كل هذه الأمور مهمة من منظور التوثيق، ومن منظور التئام جروح الضحايا، ومن منظور تخليد الذكرى، وتعليم الأجيال الجديدة؛ لكي لا تتم إعادة كتابة تاريخ الثورة والحرب في سوريا بعد عقود من الآن».

«بلومبرج»: الأسد قريب من «الانتصار» لكن صراعات جديدة تظهر في سوريا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد