«سوريا صامدة مستقلة موحدة.. قد يبدو حلمًا بعيد المنال».

هكذا جاءت نهاية المقال المنشور على موقع «ذا نيشن» لكاتبه «بسام حداد»، مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط بجامعة جورج ميسون.

يرى الكاتب أنه حلم بعيد المنال، خاصةً بسبب السياق الذي يحيط بالصراع السوري، من طرفين أساسيين ينفي كل منهما وجود الآخر نظريًّا، وربما يسعى لإقصائه ومحوه فعليًّا، وبين أطراف خارجية تستتر وراء دوافعها في نفاق فج، إذ تدعي دعم المعارضة في بلد، وتقصف مثيلتها في أخرى. الثابت أن من يغفل الملابسات الأدق لوضع الصراع ومدى تشابك الأطراف الداخلية والعالمية الخارجية، لن يمكنه التوصل لحل للأزمة. فكيف السبيل لحل صراع يراه كل طرف أنه صراع صفري؛ فوز مطلق لي أنا وهزيمة نكراء تامة للآخر، أو بعبارة أخرى أنا أو الآخر. يقول الكاتب:

«سَردَان متوازيان ومتحاربان تمامًا، يقصي كل منهما الآخر، هما المسيطران على المباحثات، إلا أن أيًّا منهما ليس كافيًا لإنقاذ البلد من على حافة الهاوية».

الآن وقد تشبع كل من يتابع أخبار سوريا التي تعتصر القلوب بالبيانات والتحليلات والمعلومات، وأيضًا المعلومات المضللة بشأن تطور الأوضاع في سوريا منذ عام 2011، وتبني العديد منا الروايات المتباينة البائسة، يتبين هنا هل كنا حقًّا نتابع الوضع السوري على مدى العقدين الماضيين أم أننا فقط انتبهنا فجأةً للوضع هناك منذ أحداث عام 2011. ولسوء الحظ، في ضوء طبيعة التدفق المستمر للمعلومات عن البلد، وخاصةً في ظل الظروف الراهنة ، فإن تبلور رأي حول الوضع هو عرضة دائمًا للتشكيك أو للحجج المغايرة المعقولة.

ولعل الأسوأ من ذلك، كان هناك تجاذب متزايد بين روايتين يستبعد أحدهما الآخر، الأولى تتمثل في أن «الثورة نقية ومتسقة»، والثانية في «المؤامرة الخارجية»، وتحمل كل رواية بين طياتها بعض الحقيقة، لكن أثقلت كل منهما بادعاءات متطرفة، ونقاط ضعف أساسية بددت أي احتمالية لوجود أرض مشتركة ضرورية لإحلال اتفاق لوقف إطلاق النار، أو أية تحولات محتملة، فضلًا عن مصالحات ما بعد الحرب.

وقد تبلورت هاتان الروايتان المنقسمتان في المؤسسات البحثية ومؤسسات الفكر والدوائر السياسية، وبين الفنانين والصحافيين ووسائل الإعلام والفضائيات في الشرق الأوسط، وغالبًا ما تظهر كل تلك الجهات روايتها المفضلة بصورة ساخرة مسيئة لها. تلك المناقشات تحدث في كل مكان، على طاولات الطعام في المنازل بين أفراد الأسرة الواحدة، وبين الأصدقاء، لكن ربما تختلف في حجم فظاظتها وثقلها وآنيتها، وكذلك عفويتها. ولعل أبرز المفارقات تتمثل في أن الاستثناء الوحيد الذي لا يناقش القضية السورية بهذا الحجم هم السوريون الذين يعيشون في سوريا؛ الذين أنهكتهم الحرب وبالفعل استنزفتهم النقاشات، الذين تولدت لديهم وجهات نظر أكثر تعقيدًا من رحم المعاناة الشديدة، أو بالأحرى واقعهم الذي صار قاب قوسين أو أدنى من كونه «ساحة للقسوة المفرطة».

«يصر السرد الأول على نقاء واتساق الثورة السورية التي اشتعلت في 2011».

لن يركز هذا المقال على الجوانب السياسية من المناقشة، والخيارات المتعلقة بزيادة تدخل الولايات المتحدة الأمريكية، إنما يتركز هدفه بالأساس على العالم الأوسع الذي تحدث فيه المحادثات، وخاصةً النقاشات على منصات الإنترنت. السياسة والسرد عادة ما يرتبطان، حتى لو كانت السياسة انتهازية ومتأخرة كثيرًا، وهو سبب أدعى للأخذ بالروايات، لا سيما الأكثر انتشارًا على محمل الجد. وربما لأن الهدف هنا هو تجنب الخوض في جولة أخرى من الجدل الشخصي الذي لا طائل منه، سأمتنع عن ربط أشخاص معينين أو مؤسسات بعينها برواية بعينها. وعوضًا عن ذلك، أعمل على تحقيق الهدف من المقال، وهو المساهمة في استعادة بعض المساءلة الخطابية والوضوح.

بالتأكيد هناك بعض الاختلاف/ الانحراف فيما يتعلق بالقضايا داخل هذين السردين، وهو ما يفسر بعض أوجه التخبط، خاصةً عقب تجميد العنصر الجهادي في الانتفاضة السورية. إلا أن التركيز هنا سيكون على الادعاءات الأساسية التي نسجت عليها كل من الروايتين.

يؤكد السرد الأول على نقاء واتساق الثورة منذ بدايتها في عام 2011، وتتمثل تلك الرواية في أن الثورة تسعى إلى إطاحة دكتاتورية وحشية في سبيل نظام حكم عادل، ويخضع للمساءلة. ويقر العديد من أتباع هذه الرواية بمشكلات التسليح والتطرف في الانتفاضة وبين صفوف المعارضين، ولا سيما معضلة التدخلات الخارجية المريبة التي تدعم هذا الجانب. إلا أن -حسب رأيهم- مثل تلك الديناميكيات لا يسمح لها بالتأثير في طبيعة الثورة. ومن هذا المنطلق، لا توجد درجة من التسليح أو التطرف أو الطائفية كافية قد تغير بشكل أساسي إمكانية الثورة في تأمين نظام أكثر عدلًا ومسائلةً في سوريا. وبالتالي تقر تلك الرواية أن الجهاديين على اختلافهم هم من يتزعمون عمليًّا المعركة على الأرض ضد نظام الأسد.

ومع ذلك، فإن تلك الرواية في نفس الوقت إما تدين نظرة الجهاديين للعالم، أو تستبعدهم باعتبارهم نتاجًا للقمع، وفي كلتا الحالتين تحاول «الثورة» أن تنأى بنفسها عن الجهاديين. تلك الرواية أيضًا تنتقد تبعية الممثلين الرسميين للثورة لدول الخليج العربية وتركيا، وتدين علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك دورها في تمويل أو تسهيل دخول الجهاديين إلى سوريا. ومع ذلك، لا تعترف بالآثار المترتبة على ذلك الاستنكار، دائمًا ما يقال إن الثورة ستكون قادرة على الخروج سالمة، وأن نبذ هذا الادعاء أمر مرفوض باعتباره أقرب إلى الخيانة.

«الرواية الثانية تعترف بقمع النظام، لكنها لا ترى إلا المؤامرة الخارجية والجهاديين الداخليين».

يعترف السرد الثاني بقمع النظام السوري والحاجة إلى التغيير، حتى أن معتنقي هذا الرأي يعترفون بشرعية الاحتجاجات على النظام، أو على الأقل يعترفون بشرعيتها نظريًّا. إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالانتفاضة الفعلية، فهم لا يرون سوى المؤامرة الخارجية والجهاديين في الداخل. في هذا السرد، يتلاشى بقية المتظاهرين في خلفية غير ذات صلة بالقضية، أو أنهم يقحمون في الواجهة باعتبارهم أداةً في يد الجهات الخارجية الإشكالية. وبالتبعية لا يوجد هناك أي سوريين علمانيين ومناهضين للإمبريالية يعملون -بشكل أو بآخر- لقلب نظام الحكم. فهم إما غير موجودين أو أنهم قليلون للغاية، بدرجة يستحيل رصدها.

كل ما دون النصر المطلق غير مقبول

وبالتالي فإن هذا السرد يقلل من وضوح تدمير النظام لسوريا من خلال التمييز الوصفي للقوى الإمبريالية التي تستفيد من هذا الدمار. فبعضهم يتمادى لحد وضع حجم الدمار الذي يسببه النظام في كفة موازية مساوية لحجم الدمار الذي تحدثه مجموعات المتمردين الصغيرة، فهم يساوون بين الاثنين. ومن هذا المنظور، فإن سوريا ليست فقط معتركًا للصراعات الإقليمية والدولية فحسب، بل أيضًا مسرحًا حيث تهزم السيناريوهات المصممة خارجيًّا مهما كانت تكلفة ذلك على السوريين أنفسهم. فصارت المشاركة في المعارضة للنظام السوري شكلًا من أشكال خيانة فكرة معاداة الإمبريالية، وبالتالي خيانة الأمة نفسها.

للأسف فشل كلا السردين في الاعتراف بالنواحي الشرعية لنظيره، ومتبعو كل من الروايتين يرفضون السماح للحقائق والتطورات بأن تغير من وجهات نظرهم. كل منهما يتبنى مواقف منافقة فيما يخص التدخل الخارجي. ووفقًا للسرد الأول، يعد تدخل الولايات المتحدة الأمريكية أمرًا جيدًا طالما كان ضد النظام، ويرى السرد الثاني أن التدخل الخارجي أمر جيد في حالة دعمه للنظام السوري، وفي تلك الحالة لا تعد روسيا إمبريالية، بعكس الولايات المتحدة الأمريكية. علاوة على أن السرد الأول يرى أن المخاطر المحتملة الناتجة عن انهيار الدولة هي مجرد نقطة خلافية.

إلا أن السرد الثاني يرى أن سقوط الدولة أمر غير مقبول مهما ازداد الوضع سوءًا. وفيما يتعلق بقضية سقوط الدولة ومدى ارتباطها بإطاحة النظام، فإن أيًّا من السردين لا يستند في رأيه إلى تحليل موزون أو يضع في اعتباره العواقب. بل عوضًا عن ذلك، يبدأ كل طرف منهما بمجموعة افتراضات عن الجانب الذي يتحتم إسقاطه وإلحاق الهزيمة به، وكل منهما يعيد هندسة الحجة فيعكسها بحيث تناسب أغراضه. عادة يرتبط السرد الأول بالغرب، والثاني بالنظام، مصحوبًا بكل أنواع مقتضيات «التجريم» من كل طرف للآخر. وفي النهاية، يبدو أن أيًّا من الجانبين غير مستعد لتقديم التنازلات أو المساومة، لن يقبل أي منهما بهزيمة محققة كاملة للآخر، هزيمة كاملة للنظام أو المعارضة، كل ما دون ذلك غير مقبول؛ مما يتسبب في ضياع عدد من المخارج المحتملة من تلك الفوضى.

«منهج أكثر دقة، لكن مؤيديه منبوذون بتهمة إما موالاة النظام وإما تأييد الغرب أو حتى موالاة الجهاديين».

الانتصار الكامل لجانب واحد لن يعود على سوريا بالخير، لن تنعم البلاد بسلام دون الأخذ في الاعتبار تطلعات غالبية المواطنين، أيًّا كانت انتماءاتهم أو تفضيلاتهم. وهكذا، فإنه على الرغم من الإدانة الأخلاقية والسياسية لكل من متبعي الاتجاهين على السواء، أي من الاتجاهين غير قادر على إنقاذ سوريا من حافة الهاوية، طالما يتمسك كل منهما بالنسخة المتطرفة عن الآخر. غالبًا ما تكون المصالحة الوطنية مجرد عمل فوضوي غير مرضي، يتأكد ذلك انطلاقًا من عشرات الأمثلة التاريخية. فكلا الجانبين يتمادى في الخوض في عيوب أي صيغة مستقبلية، وهو ما يفسر لماذا صار العناد مكلفًا اليوم. أولئك الذين يعتبرون هذا الحوار مكافئًا أخلاقيًّا لنفس الحوار بين الظالم والمظلوم، فهم يركزون فقط على أنماط غير سياسية مثالية.

لا شك أن النهج الأكثر دقة موجود بالفعل، لكن عادةً ما يتم نبذ مؤيديه بتهمة الخيانة للثورة، أو السذاجة السياسية، أو موالاة النظام، أو موالاة الغرب، أو حتى موالاة الجهاديين. بعض العبارات مثل «مؤيد المعارضة» تكون فيها إدانة دامغة بما فيه الكفاية من أتباع السرد الثاني الموالي للنظام، وذلك بسبب هوية من يدعمون المعارضة، وبالمثل، فوفقًا للرواية الأولى عدم الخضوع لأوامر المعارضة هو بمثابة دعم لبشار الأسد.

ووسط هذا الجو المسموم، فإن المراقبين مجبرون على اختيار أحد الطرفين، أو يعتبرون ضعيفي الشخصية واهني العزم من كلا الطرفين. فمن ناحية، يبدو أنه غير مسموح لك بانتقاد المعارضة إلا من منظور مناهضة النظام جملة وتفصيلًا. وبالمثل، لا يمكن أن تكون بحال من الأحوال مع المعارضة إلا ويتم وصفك بـ«الموالي للغرب الإمبريالي» و«الموالي للصهيونية»، أو «المؤيد للجهاديين»؛ ستوصف بالثلاثة في آن واحد على الرغم من التناقضات الجوهرية بين الثلاثة. ولعل المفارقة الرئيسية في هذا السياق هي أننا ندعي دائمًا أننا نتحدث نيابةً عن الشعب السوري كله، في حين أنه في الحقيقة السواد الأعظم من السوريين –أولئك الذين يعملون ليلًا ونهارًا للحفاظ على مجتمعاتهم وبقائهم- هم أكثر دقة في التعبير عن السوريين من هذين المعسكرين.

البعض ممن يدعون مناداتهم بحل وسط ربما لا يقولون الكثير، باعتبار أنه على الأقل في الوقت الحاضر لا توجد أي قنوات مؤسسية أو اجتماعية أو سياسية لموقفهم، لكن لا ينبغي أن نسعى وراء حل غير سياسي وسطي مجرد. بل الأحرى علينا أن نوجد تصور لمخرج يحفظ جميع فئات الأمة السورية، بغض النظر عن ميولهم، وذلك هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة. فضلًا عن أن ذلك يتطلب المزيد من المرونة والسخاء في رؤية كلا الطرفين، والتي لا يبدو أن أيًّا منهما قادر على تحقيقها في الوقت الراهن.

سيعالج هذا المقال اثنين من التوجهات السائدة كوسيلة لفتح آفاق وإمكانات لنتائج قد تكون أفضل في حل الأزمة السورية. إلا أن تلك النتائج ستكون بالضرورة دون المستوى الأمثل الذي يتوقعه كل طرف، لأن المصالحة الأصلية الحقيقية هي درب من دروب الوهم، على الأقل في المرحلة الحالية.

لعبة إلقاء اللوم

وسط القنابل والقتل، يواصل الكثيرون الشجار والنزاع حول من المسؤول عن الوضع الكارثي الحالي في سوريا، وعادةً ما يحدث ذلك على المستويات الشخصية، إذ إن التحزب والسياسة الصارمة خدرت عقولنا، وصار الشغل الشاغل هو محاولة البعض تبرئة أو لوم هذا أو ذاك على نحو مطلق.

«القتل الذي نشهده اليوم هو قتل ترتكبه جميع الأطراف، وللنظام السوري نصيب الأسد من القتل».

من الصعب إلقاء اللوم بشكل دقيق ومحدد على طرفٍ بعينه، لكن إلقاء اللوم ليس بلغز مستعصٍ طالما نأخذ في عين الاعتبار التاريخ والحس السليم. من ناحية وعلى المستوى الأساسي، أنى للمرء أن يعفي النظام من المسؤولية؟ لم تكن جبهة النصرة أو قطر من حكموا سوريا بالحديد والنار طوال العقود الأربعة الماضية. بالطبع يختلف الأمر من تحميل المسؤولية على جهات خارجية في لعبها دور أساسي في إضعاف المعارضة عن طريق سلب الدعم منهم، وتشجيع العناصر المسلحة سعيًا لقلب نظام الحكم، وبين التمسك بتلك الرواية كغطاء لعقود طويلة من القمع، وسياسات النيوليبرالية الاقتصادية، وغيرها من علل النظام. القتل والدمار الذي تشهده حلب وأماكن أخرى اليوم، ترتكبه جميع الأطراف، لكن للنظام السوري نصيب الأسد من حصة القتل والتدمير. ذلك الدمار ليس عرضًا مصاحبًا، إنما بالأحرى هو تجلي للمبادئ الأساسية لحكم النظام السوري في ظل ظروف مختلفة.

بالتأكيد سيتفاعل النظام السوري مع أي تهديد لحكمه بنفس الطريقة، الأمر ليس كما لو أن الأسد لم يكن متسامحًا مع نمو معارضة يسارية محلية مستقلة علمانية مناهضة للإمبريالية، موالية للقضية الفلسطينية، مسلحة أم لا، إنما الفرق الوحيد الآن هو طبيعة القوى التي تقف خلف المعارضة وتدعمها. هذا هو الفرق الوحيد الذي يعطي للصراع بعدًا جيوسياسيًّا، والذي عزم النظام السوري على الاستفادة منه من خلال التلاعب بتناقضات المعارضة متعددة الطبقات.

باختصار، فإن أقل الادعاءات تعقيدًا فيما يتعلق بالوضع السوري، وكذلك أسهلها وأسرعها إقناعًا هي إجرام النظام السوري، والادعاءات المضادة التي تنفي ذلك ليست لها أي أساس تحليلي، ولا ترقى لمستوى التحليل الواقعي الحقيقي، ناهيك عن المستوى الأخلاقي. أولئك الذين لا ينفكون أن يشيروا إلى تسبب المتمردين في قتل عشرات الآلاف من جنود الجيش السوري والمواطنين السوريين المؤيدين للنظام السوري، أو الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لحكم بشار الأسد، تقديراتهم ليست دقيقة، فضلًا عن أنهم لا يتعرضون أبدًا للمسؤولية الأساسية للنظام على الكارثة في سوريا، سواء فيما مضى أو الآن. علاوة على أنه عندما تثار قضية وحشية النظام السوري فإن مؤيدي السرد الثاني الذي يرفع شعار «المؤامرة الخارجية» غالبًا ما يقرون بتلك الحقيقة، ثم سرعان ما يرفضون هذا الادعاء أو الوصف في محاولة لإلقاء اللوم على أطراف مذنبة أكبر، كما لو أن جرم طرف يشفع لجرم الآخر عند من يعانون من تلك الوحشية.

«حركة احتجاجات مشروعة من أغلب السوريين تشابكت مع أكثر الدوافع التهكمية والإمبريالية الخارجية».

روعت الحكومة السورية الأمة السورية منذ عام 2011، وذلك بعد حصولها على الكثير من المساعدة على صعيديّ الحلفاء الإقليميين والدوليين. لكن الحقيقة أن هذا لا يعفي معارضيها الدوليين والإقليميين من المسؤولية، والمساهمة بشكلٍ كبير في الفوضى بسوريا. فقد تشابكت حركة الاحتجاج المشروعة التي قام بها معظم السوريين مع أكثر الدوافع الخارجية سخرية وإمبريالية، جهات دوافعها لا علاقة لها من قريب أو بعيد بتعزيز فرص وجود معارضة مستقلة قوية ديمقراطية. لن ينتج أي انعكاس جدي حقيقي دون الاعتراف بتلك الحقيقة. العديد من المراقبين الأمناء ربما يعترفون بتلك الحقيقة لكنهم سينأون بأنفسهم عن محاولة استخلاص الدلالات والآثار، بما في ذلك حقيقة أنها تعيب وتفسد مفهوم «المعارضة» و«الثورة». إضافة إلى أن الكثيرين ليسوا على استعداد للاعتراف بشبه استحالة فك التشابك بين من يفترض أنهم المعارضون الأخيار، وبين المعارضين السيئين، فضلًا عن فك التشابك بين أي منهما، وبين الجهات الخارجية البغيضة التي تغذي باستمرار العنف والوحشية التي روعت الشعب السوري.

جبهة النصرة التي تدعي الآن «فتح الشام» صارت الآن صمامًا متغيرًا، يمكن فتحه أو غلقه وفقًا للسياق السائد. وفقًا لسرد «الثورة»، فإن كل ذلك لن يخرج عن كونه ذرائع لتبرير جرائم النظام. وفي حين أن ذلك حقيقي وصحيح في أغلب الأحوال، إلا أنه لا يعفي «المعارضة» أو «الثوار» من مسؤوليتها، ولا يعفي مسؤولية سذاجة الجهات الخارجية في دعمهم، لا سيما في ظل سجل السياسة الخارجية والمحلية البشعة في المنطقة.

فضح الادعاءات المفرطة في وجود مؤامرة خارجية، لا يعني أنه لم يكن هناك إجماع بين الأطراف المتورطة الإقليمية والدولية، متمثلة في المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية، إجماع يتمحور حول فكرة أساسية، وهي أن سوريا وحلفاءها في حاجة إلى التحجيم، بسبب إعاقتها هيمنت تلك القوى وحلفاؤها على المنطقة، ولا سيما إسرائيل. كانت سوريا والعراق القوى الإقليمية الوحيدة المتبقية التي تشكل تهديدًا محتملًا للاحتلال العسكري الإسرائيلي، ومحاولة التطهير العرقي للفلسطينيين، حتى ولو كان تهديدًا غير مباشر من خلال حزب الله الموجود في سوريا. فتلك القوى تحديدًا تعثرت في اندفاعها نحو إشعال الانتفاضة السورية، ومن ثم خطفها لأغراضهم الخاصة، وسرعان ما اكتشفت تلك القوى أن هناك حواجز خطيرة متمثلة في إيران وسوريا، فضلًا عن الصين. كيف إذَا يمكننا أن نعفي الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية التي تورطت في الشأن السوري بطرق أساسية جوهرية.

وعلاوة على ذلك، هناك إرث تاريخي معلم يغذي التهكم إزاء الداعمين الخارجيين لسرد «الثورة النقية المتسقة»، ماذا استفدنا من تلقي النظام السوري الدعم الخارجي طوال عقود، فضلًا عن تلقيه الدعم من نفس الدول العربية النفطية التي تقوم بتسليح وتمويل المعارضة ضده الآن. ماذا استفدنا من الخطط التعاونية الاقتصادية الموسعة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس السوري الأسد في سوريا عشية الانتفاضة، كما لو كان ارتباطًا رتبه القدر. وماذا استفدنا من مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في دعم المعارضة السورية منذ بدايتها، في حين دعمت واشنطن سحق الحكومة البحرينية حركة معارضة مشابهة قبل أشهر قليلة من ذلك الدعم للمعارضة السورية. في حين أنها أشرفت على ترك العنان أمام الفوضى في العراق المجاورة لسوريا بعد غزوها الوحشي المحتال للعراق في عام 2030.

أي مراقب جاد للوضع الإقليمي يعترف أن سنوات الاضطراب في العراق والحدود مع سوريا التي يسهل اختراقها، كان له بالغ الأثر في رعاية وتنمية أهم العناصر المسلحة في الانتفاضة السورية، لا سيما مع الدعم الملحوظ من الحكومة السورية في تسهيل شبكات وممرات الجهاديين إلى داخل العراق في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق في 2003. ويستمر ذلك التاريخ البغيض في اليمن حاليًا، فأولئك -الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية- الذين يطالبون بالمساعدات الإنسانية في مدينة حلب ووضع حد لقنابل النظام السوري وروسيا، هم أنفسهم الذين يدعمون قصف المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في اليمن، بل وتسببهم في جرائم حرب مروعة في اليمن.

لا يبرر أي من ذلك ذبح حلب الذي نشهده اليوم، لكن كل ذلك يلقي بظلال الشك على الدعم المقدم للجهاديين البارزين في المعارضة المسلحة على مدى السنوات الخمس الماضية. النظام السوري في وضع عسكري الآن أفضل بكثير مما سبق بفضل الدعم المتزايد من روسيا وحزب الله والميليشيات العراقية، لكن عندما لم يكن مثل هذا الدعم متوفرًا للنظام السوري في الفترة من 2012 إلى 2014، واستمر سرد «الثورة النقية» على الرغم من اجتياح الجهاديين المدعومين من «أصدقاء» الثورة صفوف قوات المعارضة.

جميعنا في حاجة إلى إعادة النظر في ما نريده حقًّا، فإذا كانت الحجة ببساطة هي أننا نفعل كل ذلك من أجل الثورة، أو أننا نفعله في سبيل إطاحة النظام، ألا يحتم علينا إعادة تعريف ما تعنيه الثورة، أو إطاحة النظام حقيقة لكل السوريين، بما فيهم أولئك الذين يعتبرون النظام أخف الضررين. حقيقة أن لا أحد يستطيع الإجابة على هذا السؤال هي السبب في أن العديد من المعارضين الصادقين للنظام ما يزالون يختلفون بشكل جذري في تشخيص الصراع.

تجري الآن مناقشات مثمرة داخل وخارج سوريا، وليس بين الأنصار المتشددين للنظام القمعي، وأنصار المعارضة المنقسمة، بل تجري تلك المناقشات الجادة بين أولئك الذين يعارضون النظام بشكلٍ أساسي لا لبس فيه.

إلا أن هناك وجهة نظر مختلفة تتمحور حول تواطؤ أو تبعية جزء كبير من تلك المعارضة لجهات خارجية. يتضح من خلال هذه المناقشات أن تطور مفهوم الثورة، والأهمية الجيوسياسية للنزاع السوري، لا يقلان أهمية عن حقيقة أن الثورة في بدايتها كانت انتفاضة أصلية اندلعت ضد نظام دكتاتوري.

ببساطة لا يوجد مفر عملي أو مجازي من التعامل بجدية مع هذا المأزق.

كارثة إقليمية

تشير أنباء ترد من سوريا وروسيا وبريطانيا والسعودية وتركيا والعراق وأماكن أخرى، إلى أننا لم نقترب حتى من أي حل للصراع، فتلك المساعي الإنسانية التي تهدف لوقف إراقة الدماء، والتي مثلت ضغطًا غير مسبوق أثناء حصار شرق حلب، تؤدي في كثير من الأحيان إلى المطالبة بسياسات قد تبدو ضمانًا لاستمرار التصعيد الذي تمارسه القوى الغربية.

«لكي نلم بكافة جوانب هذا المأزق، يجب أن ننظر إلى الصراعات الإقليمية المتداخلة نظرة شاملة».

فما نحن فيه الآن نتيجة للفخ المزدوج الذي تنحصر فيه كل من الولايات المتحدة وروسيا، فواشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي طويلًا، بينما تشاهد روسيا وهي تتحكم في الصراع.

إلا أن معظم البدائل التي اقترحتها الولايات المتحدة كفرض مناطق حظر جوي، أو تخصيص مناطق آمنة من القصف، لا بد أن تكون مصحوبةً بالاستعداد للمواجهة المباشرة مع روسيا، وهو ما يعد نتيجة مصاحبة بالضرورة لأي فرض جدي لمنطقة حظر جوي.

ومن ناحية أخرى، تعمقت روسيا في الصراع بشكل كبير، رافعةً شعار القضاء على الجماعات الإرهابية، والتي تقصد به المعارضة المسلحة ضد النظام، وهي مهمة غير محددة المعالم، ما يعتبر غطاءً لا محدود للمراوغة من أجل تحقيق أهداف أكبر بكثير في ظل دوافعها العالمية، وبالتالي لن يتراجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسهولة.

تعد أنصاف الحلول المقترحة لحل الأزمة اليوم في أفضل حالاتها مجرد تضميد للوضع المأساوي، إلا أنها في أسوأ حالاتها تعد وصفات لقيام حرب إقليمية أو دولية واسعة النطاق.

قد توسع الولايات المتحدة نطاق مشاركتها، ولكن غير مرجح أن تبالغ في هذا التوسع في مواجهة التعنت الروسي، فعلى الرغم من دعوات هيلاري كلينتون بفرض منطقة حظر جوي، إلا أن سوريا وحدها ليست العامل الأهم أو الجائزة الكبرى في العلاقات الدولية التي تسعى إليها.

كما أن النظام السوري وروسيا، يسرعان من وتيرة ضرباتهما لتعزيز موقف النظام عسكريًّا واقتصاديًّا، قبل تولي الإدارة الجديدة السلطة في واشنطن يناير/ كانون الثاني المقبل.

نظرة أكثر شمولية

«لكن لكي نفهم تمامًا أسباب هذا المأزق، يجب أن نلقي نظرة شمولية على الصراعات الإقليمية المتداخلة والمرتبطة بهذا الصراع».

يرتبط تزايد اتساع نطاق الحرب السورية بالتطورات الإقليمية من العراق إلى اليمن، فضلًا عن مسألة داعش، فعندما كانت روسيا تدك حلب، كانت السعودية تقصف اليمن باستخدام المقاتلات الأمريكية التي أمدتها بها واشنطن مؤخرًا، ويتزامن ذلك مع تقدم السفن الحربية الإيرانية من السواحل اليمنية للدفاع عن المتمردين الحوثيين في اليمن.

فضلًا عن أن كلًّا من روسيا وسوريا والمعارضة السورية والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وكافة الفصائل الكردية والعراق وقوات الحشد الشعبي العراقية يقاتلون، أو يدَّعون أنهم يقاتلون داعش.

ففي حين بدأت آخر خمس قوى من تلك التي ذكرناها هجومًا لاستعادة السيطرة على الموصل من داعش، يتبادل الأتراك والحكومة العراقية حربًا كلامية حول من سينضم لتلك المعركة.

ويمكن إضافة المزيد من التعقيدات حتى ولو لم نأخذ في الحسبان الحسابات المستقبلية، وبالتالي من يعتقد في إمكانية معالجة الصراع السوري بمعزل عن كل تلك المعارك الأخرى، فهو بالتأكيد غافل عن أبعاد الصراع.

تتباين الجداول الزمنية لمختلف الأطراف الفاعلة، على سبيل المثال سحق الثوار في حلب، والذي يعد علامةً فارقةً للنظام السوري وروسيا، لن يمثل سوى مجرد مرحلة على طريق جهود إستراتيجية موسعة وتداعيات متموجة ستجتاح المنطقة، ومع كل هذه الأوضاع المتغيرة غير المستقرة، قد تطرأ تطورات غير متوقعة تعقد الأوضاع في سوريا أكثر من ذلك، ومعظمها على حساب الشعب السوري.

مخارج للأزمة غير مرضية

صار الصراع الآن مجردًا من كل المبادئ، إذ أصبحت مفاهيم النصر والمنتصرين لا معنى لها؛ فلم يعد يُذكر سوى الضحايا. أصبح من المستحيل تدوين أي شيء، أو حتى التفكير بهدوء في ظل ذلك الدمار الذي حل بالبلاد، وترك المجتمع السوري مفككًا منقسمًا، لكن يحتم علينا ذلك ويدفعنا نحو مناطق لم نضعها في الحسبان من قبل. بالنظر إلى هؤلاء المتنافسين المتشددين المتورطين في الصراع، لم يكن من المفترض أن يكون هناك «انتصار» تام لأي طرف منهم، ومع ذلك نجد أن الكثيرين يرون أن هناك إمكانية لوجود منتصر أوحد ليدعموه.

البعض يريد القضاء على النظام أولًا، بغض النظر عمن يقود هذا الانتصار؛ يقولون «حينئذٍ نستطيع أن نتفاهم، نعمر ونتصالح».

وكأن النظام كيان مستقل بمعزل عن الناس، كيان يمكن استئصاله جراحيًّا مثلًا؛ لا يوجد شيء أكثر توهمًا من هذا المطلب -إسقاط النظام أولًا-، وبالتأكيد لا يقل توهمًا من مطلب الاتجاه الآخر بقمع المعارضة أولًا، باعتبار أن النظام سيتمكن من حكم سوريا مجددًا -بعد سحقهم– ورأب ما تبقى منها، ومن ثم ينسدل الستار على ماضيه القمعي.

حتى وبعد إبقاء الأخلاقيات بمنأى بعيد عن أي شيء، سنجد أن كلا المطلبين مستحيلين. فالأسس ليست لغزًا، لن يكون هناك مجال للعودة إلى ما قبل 2011 في سوريا، سواء بتدخل من روسيا، أو بقضاء الله وقدره.

وبالمثل، فلن تستطيع المعارضة إسقاط النظام وبناء سوريا جديدة علمانية، ديمقراطية، بها عدالة اجتماعية، لأنه بالأساس ليس ما يطمح إليه الداعمون، سواء من الخارج أو حتى أقوى الميليشيات المسلحة في الداخل.

فأولئك الذين يرغبون أن يكون المجتمع السوري آمنًا، وديمقراطيًّا، وعلمانيًّا هم في الأصل متواجدون في طرفي الصراع، منقسمون كل على شاكلته حتى جفت أصواتهم.

«يجب على معارضي النظام تكريس طاقتهم لبناء حركة شاملة ترتكز على الأهداف الوطنية المشتركة».

وعلى الرغم من أن الظروف الحالية محبطة، يمكننا على الأقل تصور السيناريوهات التي من شأنها تجميع الأصوات المتباينة تحت راية النضال من أجل سوريا أفضل، ولكن لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا في حالة اقتناع تلك الأطراف بعدم إمكانية تحقيق فوز مطلق، أو على الأقل توصلهم لإعادة تعريف مفهوم الانتصار على كافة الأصعدة مجتمعة، والتي تشمل كافة الفئات السورية، والذي من شأنه جلب الخير لمعظم السوريين، حتى ولو تمسكوا بوعود القصاص لما تعرضوا له.

يجب أن يكرس المعارضون للنظام على كافة أطيافهم طاقتهم لبناء حركة أكثر استقلالية وديمقراطية وشمولية، على أساس الأهداف الوطنية المشتركة والمصالح المشتركة، على الأقل لوقف الفوضى، وهي مهمة طويلة وشاقة، ويتحتم علينا فيها الانتباه لبعض المخاوف والادعاءات لكلا السردين، والتي تناولها المقال بنوع من البحث. ولعل ما يفوق ذلك أهمية هو ألا ترتكز أنظار تلك الجهود على نهاية بعينها للصراع؛ بل الأحرى أن نضع نصب أعيننا أنه هناك حياة بعد الصراع؛ حياة تتطلب أعلى مستويات تحمل المسؤولية في البناء. ويجب علينا البدء من لحظتنا هذه لئلا تختطف جهات أخرى فاعلة أكثر وممولة جيدًا هذه الفرصة، وتفرض من جديد نسخة سورية أقل من النظام الحالي في قمعيته واستغلاله.

ولعل الخبر السار هو أن الجماعات والمنظمات المختلفة داخل وخارج سوريا قد بدأت بالفعل في هذه الجهود، وهم يدركون جيدًا أن المؤسسات الدولية والممولين والدول سوف يدعمون سوريا عندما تأتي ساعة إعادة الإعمار.

هذه الجهات الخارجية والعناصر الممولة بما فيهم البنك الدولي، ومجلس التعاون الخليجي، وكافة الرعاة الآخرين بما في ذلك الصين، قد بدأت عملها بالفعل تحسبًا لانتهاء هذا الصراع، ووضعت تصوراتها لهياكل رأس المال والشبكات. إذ يجب ألا يتركوا هؤلاء الأطراف الخارجية الداعمة للحكم ولو يومًا واحدًا، إذ إن الجهود البديلة تستحق دعمنا في الدفع في سبيل سرد مستقل، وسوريا مستقلة صامدة متحدة.

قد يبدو ذلك بعيد المنال، لكنها مجرد رؤية قد نستخلص منها بعض الأفكار البناءة، التي لا تلغي بعضها البعض في سبيل بعض الرؤى الموجودة فعليًّا، والتي تتميز بالعنف الشديد، وصعوبة التحقيق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد