دمر القصف جُل البنايات في مدينة دير الزور، وهجرها معظم سكانها الذين كان عددهم يناهز 700 ألف نسمة، وظل منهم 100 ألف فقط.

أجرت الصحافية نور سماحة تحقيقًا، نشره موقع «ذي إنترسبت» من داخل محافظة دير الزور السورية نقلت فيه أحوال أهلها تحت حكم تنظيم الدولة الإسلامية الذي استمر لمدة ثلاث سنوات قبل تحريرها من قبضته.

التقت سماحة بالطفل مصطفى وعائلته الذين نجوا من الحصار الذي فُرض على محافظتهم. كان الفتى – ابن الاثني عشر ربيعًا – يأكل تفاحة بنهمٍ، إذ إنه لم يتذوق طعم الفاكهة منذ ثلاث سنوات. تصف والدته أحوالهم في ظل الحصار بالقول: «كنا نأكل صلصة الطماطم والأرز والعدس فقط، أما اللحم فهي مثل أحلام اليقظة. لم تكن لدينا ثلاجة لعدم وجود كهرباء. وكما ترين فالفتى وشقيقاته تبدو صحتهم سيئة». بدا مصطفى – مثل معظم أطفال المحافظة – أصغر من سنه بكثير. وبدت شقيقاته شاحبات للغاية.

سقطت مدينة دير الزور في أيدي تنظيم الدولة في أواخر 2014. فانعزلت عن العالم الخارجي، واختفت أساسيات الحياة مثل المياه والوقود والكهرباء، وباتت اللحوم والسكر والطعام الطازج ضربًا من الرفاهية. استعاد النظام السوري المحافظة في سبتمبر (أيلول) الماضي – تشير سماحة – بعد معارك طاحنة لمدة ستة أشهر.

اقرأ أيضًا: سوريا وإيران الأسوأ.. تعرف على ترتيب بلدك في مؤشر حرية الإنترنت لعام 2017

وحُررت المحافظة بالكامل بعد أن هاجمها النظام السوري من جهة الجنوب وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا من جهة الشمال، لتصبح المحافظة مقسمة اليوم على طول نهر الفرات. لكن الطرق المؤدية إلى المحافظة ظلت في يد التنظيم بضعة أسابيع، وكان السفر جوًا هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ المدينة، لكن الجيش السوري تمكن من تطهير تلك الطرق، مما سمح بدخول المساعدات والصحفيين.

أضحت المدينة أثرًا بعد عين – تنقل سماحة مشاهداتها – فقد دمر القصف جُل البنايات في المدينة، وهجرها معظم سكانها الذين كان عددهم يناهز 700 ألف نسمة، وظل منهم 100 ألف فقط. واختفت الخدمات الأساسية تقريبًا، وما تبقى فيها من منازل يحصل على الكهرباء عبر المولدات الخاصة. وقد أكد البنك الدولي أن دير الزور أكثر مدينة دُمرت بسبب الحرب الأهلية في سوريا.

دبابة تابعة للنظام السوري تقصف موقعًا لتنظيم الدولة.

لم يكن تنظيم الدولة هو مصدر المعاناة الوحيد لأهالي المدينة – تؤكد سماحة – فقد تضاعفت معاناتهم من قبل التجار الجشعين الذين باعوا البضائع بأضعاف ثمنها. واليوم يسود اليأس والفقر المدينة، ورغم محاولة بعض سكانها العودة إلى حياتهم الطبيعة، لكن أهلها يخشون من تجاهل العالم لهم.

تقول سماحة إن دير الزور – الواقعة على نهر الفرات – كانت نقطة ساخنة في الصراع، وعانى أهلها الأمرّين. كانت المدينة معقلًا لنشاط المعارضة مع بداية الانتفاضة ضد بشار الأسد في 2011، وعلى إثر اشتعال القتال فيها، سقطت المحافظة في قبضة جبهة النصرة في 2013، ولكن سرعان ما سيطر تنظيم الدولة على المناطق المحيطة في 2014، حتى هُزم في الخريف الماضي.

في الضواحي الغربية للمدينة، دُمرت أحياء بأكملها، وتتبقى بعض الأطلال التي تشير إلى وجود الدولة الإسلامية.

تبعد دير الزور حوالي تسع ساعات بالسيارة عن دمشق، عبر طريق صحراوي صعب يظهر حجم الدمار الذي لحق بالمكان. وفي طريقها إلى المدينة، تقول سماحة إنها مرت على بلدة تدمر التي لا تزال أطلالًا منذ تحريرها في أوائل 2017 من تنظيم الدولة. ولم يتبقَ فيها سوى عدد صغير للغاية من المدنيين، بينما تعج شوارعها بقوات النظام وحلفائه الشيعة، وتحرس القوات الروسية المدينة التاريخية.

اقرأ أيضًا: «ذي أتلانتك»: هل يريد الأمريكيون حقًا قوات في سوريا إلى أجل غير مسمى؟

وبعد الخروج من تدمر – تضيف سماحة – لا تُرى سوى المركبات العسكرية. فالروس والجيش السوري والميليشيات اللبنانية والأفغانية تقيم حواجز تفتيش وترفع راياتها فوقها. وعند مدخل بلدة السخنة توجد لافتة ضخمة كُتب عليها «الموت لأمريكا وإسرائيل» وترفرف راية لواء الفاطميين الأفغاني على حافتها.

كلما اقتربت من دير الزور، ظهرت بعض المنازل الصغيرة المهجورة. وخلف الحاجز العسكري الرئيسي التابع للنظام على مدخل المدينة، ثمة تمثال محطم يحمل لافتة ترحيب بالزائرين. ولا تزال المنطقة تعج بالألغام التي زرعها النظام.

ومع ظهور الأحياء السكنية – تشير سماحة – تزداد نقاط التفتيش التابعة للجيش السوري. ويمكن رؤية سيارات الجيب العسكرية وهي تتجول في الأحياء المجاورة، حيث يراقب الجنود عن كثب ما تبقى من دير الزور؛ وفي الضواحي الغربية للمدينة، دُمرت أحياء بأكملها، وتتبقى بعض الأطلال التي تشير إلى وجود الدولة الإسلامية والمعارك اللاحقة التي أرغمتها على الخروج.

سيارة تابعة للجيش السوري في أحد أحياء دير الزور – نوفمبر (تشرين الثاني) 2017.

زارت سماحة السوق الواقعة في شارع وادي داخل دير الزور. كانت المدينة مظلمة، باستثناء بعض المصابيح التي تعمل بالبطارية. ولا يزال من الممكن سماع صوت الانفجارات على مسافة قريبة، لكن هذا لم يمنع الناس من التواصل الاجتماعي. كان القصف من قبل تنظيم الدولة الإسلامية يدفع الناس إلى الاختباء، خوفًا من أن يلقوا حتفهم مع الآلاف الذين قتلوا خلال معركة تحرير المدينة. الآن، تمتلئ المقاهي بالشباب الذي يدخن الشيشة، ويتجمع حول عدد قليل من أجهزة التلفزيون التي تعمل حاليًا في المدينة. بينما يقف آخرون لدى الأكشاك لفحص المنتجات الطازجة، التي باتت متاحة أكثر الآن.

يصيح التجار منادين على المشترين بين المتسوقين في السوق، ويتحدث السكان كبارًا وصغارًا عما كانوا عليه، فيقول صاحب متجر «كنا تحت الحصار من الخارج والداخل».

معظم التجار من السكان المحليين – تنوه سماحة – الذين استفادوا من الحصار الذي فرضه تنظيم الدولة. كانوا يبيعون كل شيء من الخبز والقمح والأرز والأغذية المعلبة، وحتى الديزل والقمح والنفط وتصاريح حكومية وأماكن على متن الطائرات. وهم ينحدرون من خلفيات مختلفة. فبعضهم من عصابات محلية تم استيعابهم في مختلف فروع قوات الدفاع الوطني، وهي ميليشيا موالية للحكومة؛ وكان آخرون، مثل حسام قاطرجي، رجال أعمال رفيعي المستوى قاموا بتنظيم المساعدات وتفاوضوا على صفقات تجارية بشأن القمح مع تنظيم الدولة.

اقرأ أيضًا: سوريا والعراق واليمن.. الأكثر تأثرًا بـ«الإرهاب»: تعرَّف على ترتيب بلدك

تتهم والدة مصطفى التجار بالجشع؛ إذ قالت «لقد استولوا على المعونات التي حصلنا عليها، وقسموها إلى قسمين، وضع نصفها في المخازن لتفسد من أجل تضخيم الأسعار، وبيع النصف الآخر بأسعار باهظة للسكان». بمجرد غروب الشمس، غالبًا ما تقوم العصابات بنهب أحياء الذين فروا ومنازلهم. ووفقًا لأحد السكان، وجد جاره مطبخه بأكمله معروضًا للبيع على ظهر شاحنة في مدينة مجاورة.

وقال أبو محمد – اسم مستعار – لسماحة «راقبي الوضع، ستكتشفين شاحنات صغيرة قادمة من مدينة الميادين، مليئة بالسلع التي نهبت من المنازل هناك. وهو نفس ما فعلته العصابات هنا داخل مدينتنا». بينما أشار محمد صالح الفتايح، الخبير في الجيش والسياسة السورية، من دير الزور إلى أن «كل شيء كان للبيع في دير الزور. فقد كان لدى كل شخص شيء يحتاجه الآخرون».

سيدة مسنة نازحة من مدينة دير الزور.

كان على السكان دفع مبلغ من المال للحصول على تصريح حكومي لمغادرة المدينة، وقد ازدادت تكاليف المغادرة جوًا مع تقدم تنظيم الدولة. كانت تكلفة نقل شخص واحد جوًا في أوائل 2015 تبلغ 25 ألف ليرة سورية، وبحلول نهاية العام نفسه – ومع اقتراب قوات التنظيم بشدة من مطار المدينة – توقفت معظم الطائرات، فارتفع سعر الحصول على مقعد على مروحية إلى 700 ألف ليرة سورية. أما من لم يتحمل التكلفة، فكان يخاطر بحياته عبر المرور من مناطق سيطرة التنظيم.

يتوق الآن سكان المدينة إلى إعادة إعمارها بعد تحرير معظمها – تشير سماحة – لكنهم يخشون من تواصل التجاهل الحكومي لهم. يقول الفتايح «لا أعتقد أن الحكومة تولي اهتمامًا لإعادة الإعمار. انظري إلى حلب، مرّ عام على سيطرة الحكومة عليها دون أي جديد. وطالما تأخر الدعم الدولي، أشك في قيام حملة لإعادة الإعمار في دير الزور».

كان على السكان دفع مبلغ من المال للحصول على تصريح حكومي لمغادرة المدينة، وقد ازدادت تكاليف المغادرة جوًا مع تقدم تنظيم الدولة. كانت تكلفة نقل شخص واحد جوًا في أوائل 2015 تبلغ 25 ألف ليرة سورية.

وعلى الرغم من انقضاء شهرين منذ تحرير المدينة، إلا أن القليل من السكان فقط عادوا. قال الفتايح «سيعود الكثيرون قريبًا، لأن القسم الذي كان تحت سيطرة الحكومة خلال السنوات الماضية هو في حالة أفضل من أجزاء أخرى، ويمكن أن يستوعب أعدادًا كبيرة، لأن الحكومة تريد من النازحين داخليًا العودة إلى مدنهم الأصلية».

وفي أواخر سبتمبر (أيلول) – تضيف سماحة – أصدرت الحكومة مرسومًا ينص على وجوب عودة جميع موظفي القطاع العام إلى أماكن عملهم الأصلية في غضون شهر؛ وفي حالة دير الزور، تم تمديد الموعد النهائي حتى نهاية العام.

اقرأ أيضًا: «نيويورك تايمز»: كيف ستسبب دول إعادة إعمار سوريا مزيدًا من المعاناة للسوريين؟

وتتطلع بعض المنظمات الإنسانية إلى عودة عمال القطاع العام إلى ديارهم، بما في ذلك دير الزور. وقال مسؤول يعمل مع منظمة دولية في سوريا «إن عمال القطاع العام هم أفقر فئات الشعب، وهم الذين يقدمون الخدمات الأساسية لأي مجتمع لكي يعمل بشكل صحيح مرة أخرى. لذلك نحن حريصون على عودتهم».

غير أن أولئك الذين بقوا وواجهوا الحصار في دير الزور أقل تفاؤلًا بشأن المستقبل – تختتم سماحة بالقول – قالت هيفاء، وهي مقيمة أخرى في ناحية القصور، إنها اضطرت إلى البقاء بينما غادر زوجها للبحث عن علاج طبي لطفلهما في دمشق «سيستغرق الأمر عشر سنوات أخرى قبل أن يعود أي شيء إلى طبيعته هنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك