بعد أن واجهوا أهوال الحرب الأهلية وتنظيم داعش، يواجه الملايين من السوريين الآن التحدي الذي تُمثِّله أزمة تغيُّر المناخ. تُقدِّم بل ترو، تقريرًا عن المناطق التي دمَّرها الجفاف في محافظتي الحسكة والرقة، الواقعتين في شمال البلاد.

نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا يستعرض المخاوف التي تساور كثيرًا من سكان المحافظات التي تقع في شمال شرق سوريا بسبب أسوأ موجات جفاف تشهدها البلاد منذ 70 عامًا، وتُهدِّد الحياة بأكملها في المنطقة وتدفع كثيرًا من السوريين إلى مغادرة بيوتهم بحثًا عن سُبُل العيش في محافظات أخرى، أو حتى السفر إلى خارج البلاد. 

وحذَّر التقرير الذي أعدَته بل ترو، مراسلة الصحيفة البريطانية المعنية بتغطية شؤون الشرق الأوسط منذ اندلاع أحداث الربيع العربي عام 2011، من الانهيار الكامل لمصدر المياه والغذاء في سوريا بسبب انخفاض مناسيب المياه في نهر الفرات الذي يعتمد عليه أكثر من 5 ملايين سوري من أجل الحصول على المياه الصالحة للشرب. وخلُصَت الكاتبة إلى أن المجتمع الدولي ينبغي أن يستجيب للدعوات التي تطالب بتوفير المياه لسكَّان المنطقة بدلًا من التعامل مع تداعيات الأوضاع القائمة.

أسوأ موجات الجفاف منذ 70 عامًا

تستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى المفارقة القاسية المتمثلة في اسم قرية «أم غرقان»، المتاخمة لنهرٍ جافِّ في شمال شرق سوريا. تقع تلك القرية في المنطقة التي تعد سلة غذاء البلد، وأُطلِق عليها هذا الاسم بسبب الفيضانات المنهمرة التي عانت منها على مدى سنوات، بسبب نهر الخابور، أحد الروافد المهمَّة لنهر الفرات الذي يمتد كالشريان في جميع أنحاء المنطقة. جرف النهر ضفتيه مرتين منذ عام 1950، ما خلَّف وراءه منظرًا طبيعيًّا مُطَعَمًا بأطلال المنازل المتناثرة.

Embed from Getty Images

غير أن سوريا تواجه في الوقت الحالي أسوأ موجة جفاف حلَّت بها منذ 70 عامًا، وآية ذلك أن نهر الخابور جفَّ تمامًا، مثل الأنهار والبحيرات والسدود الأخرى التي تقع في جميع أنحاء البلد الذي مزَّقته الحرب، حيث تتدهور المحاصيل وتنفق الماشية وتزداد ندرة مياه الشرب النظيفة. كما تشهد البلاد نقصًا حادًّا في المياه لدرجة أن العائلات، التي نزحت مرتين أولاهما بسبب اندلاع الحرب الأهلية في سوريا ثم بسبب استيلاء تنظيم داعش على هذه المنطقة، تقول إنها تستعدُّ الآن لمغادرتها مرة أخرى.

تنقل الكاتبة عن سيدة مسيحية آشورية، تدعى سيبرو، قولها – وهي تشير إلى قناة مليئة بالقمامة كانت تحوِّل المياه يومًا ما من النهر إلى حقول القمح والشعير والقطن الخضراء الخصبة وبساتين الأشجار المُثمِرَة والمراعي للماشية – «أقسم أنها (سوريا) كانت مثل الجنَّة، ولكنَّها أصبحت الآن جحيمًا بما تحمله الكلمة من معنى». وأضافت: «نزح السوريون مرات عديدة. ولكن نظرًا إلى صعوبة العثور على مياه الشرب، بدأوا يغادرون البلاد مرة أخرى».

وينتقل الحديث إلى سهام، صديقة عائلة سيبرو، وهي مسيحية آشورية أيضًا، كانت تجلس بجوار صديقتها، لتخرج صورًا قديمة لقريتها التي تُمثِّل قطعة من الجنَّة على هاتفها المحمول. في إحدى الصور، غطَّت الأشجار كنيسة دمَّرها تنظيم داعش عام 2014 بجوار منزلها. وتعاني سهام من جراح عميقة؛ ناتجة من قتل «التنظيم الجهادي الوحشي» والدها وعمَّها.

البيئة

منذ 5 شهور
الجفاف يهدد العالم ودول شمال أفريقيا والشرق الأوسط أكثر المتضررين

وتضيف سهام، بينما تنظر إلى المشهد القاحل الذي غمره الغبار باللون البني: «قبل ذلك، كانت الأشجار الباسقة تحجب رؤية القرى المجاورة». وتابعت قائلة: «كنَّا نمتلك مساحات رحبة من الأرض تتسع لعيش جميع أفراد العائلة. أمَّا الآن فلا يوجد شيء؛ إذ فقدنا ملايين الليرات السورية».

تعلق المراسلة بأن قرية أم غرقان لم تكُن استثناء. مشيرة إلى أن تحالفًا مكونًا من مجموعات إغاثية، من بينها منظمة «العمل ضد الجوع» و«المجلس النرويجي للاجئين»، حذر هذا العام من أن الانهيار الكامل لمنظومة الإمداد بالمياه والغذاء في سوريا أضحى وشيكًا. وسوف يتأثر الملايين من السوريين من هذا الانهيار؛ إذ يعتمد أكثر من 5 ملايين شخص في سوريا وحدها على نهر الفرات من أجل الحصول على المياه الصالحة للشرب، ولكنَّ مناسيب مياهه تشهد انخفاضًا شديدًا.

هل يواجه العالم أزمة إنسانية؟

ويضيف التقرير: مع افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة السنوي لتغيُّر المناخ في مدينة جلاسكو الإسكتلندية في نهاية هذا الأسبوع، ذكَّر أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، العالم بأننا ما زلنا نواجه خطر وقوع «كارثة مناخية». توقَّع جوتيريش ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية بنحو 2.7 درجات مئوية. وتعلق المراسلة على ذلك قائلة: سيكون من الصعب أن يواجه بلد مثل سوريا، التي تُعدُّ من بين أكثر البلدان عُرضة لتغيُّر المناخ، هذا الارتفاع.

Embed from Getty Images

وقبيل انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرين للتغير المناخي، دعت منظمة «أنقذوا الأطفال» إلى زيادة عاجلة في التمويل المُخصَّص للأغراض الإنسانية لسوريا بسبب الجفاف، مشيرة إلى أن الملايين من السوريين لم يتمكَّنوا من الحصول على المياه الصالحة للشرب في هذا العام. 

تحذر الكاتبة من التأثير المدمر الذي قد ينتج من هذه التطوُّرات، وتستشهد بإحصائية صادرة عن «برنامج الغذاء العالمي» في مطلع عام 2021 توضح أن 12.4 ملايين سوري، أو ما يقارب 60% من سكان سوريا، يعانون من الجوع.

ولكن بعد أن تعرَّضت البلاد لأسوأ موسم حصاد على الإطلاق، هناك مخاوف شديدة من أنَّ هذه النسبة ستُحطِّم أرقامًا قياسية جديدة في العام المقبل. وتُعد منطقة شمال شرق سوريا، التي من المفترض أن تكون سلة غذاء البلاد، إحدى أكثر المناطق التي تضرَّرت من هذه التطورات. وفي تصريح لصحيفة «الإندبندنت»، ذكر أحد مسؤولي المنظمات غير الحكومية التي تراقب هذه الأزمة أن 75% من المحاصيل الزراعية في شمال شرق سوريا، في المتوسط، لم تؤتي حصادها في عام 2021.

ووفقًا للتقرير، تجاوزت تلك الخسائر في بعض المحافظات 90%، مثلما حدث في محافظة الحسَكة، التي تضم قرية أم غرقان. وتشير البيانات إلى أن البلاد ستواجه نقصًا قدره 250 ألف طن من دقيق الخبز المُخصَّص للمخابز في العام المقبل. وعلى الرغم من أن هذا الوقت من العام يُمثِّل موسم حراثة الأرض وزراعة محصول العام المُقبل، لولا أن الأمطار لم تسقط حتى الآن، فضلًا عن جفاف الأنهار. ولذلك قال المزارعون، الذين يعتمدون على الاقتراض لشراء البذور والأسمدة، في تصريح لصحيفة «الإندبندنت» إنهم يخشون من أن يمضوا قُدُمًا في زراعتهم خشية ألا يؤتي المحصول حصاده مرة أخرى.

وبالتالي، لا تقتصر التهديدات التي يواجهها السوريون على الفقر والانهيار الاقتصادي والحروب التي دامت عقْدًا، بما في ذلك الحرب ضد تنظيم داعش وتوغُّل تركيا في المناطق الحدودية في الآونة الأخيرة، ولكنَّ الجفاف هو الكارثة المقبلة التي تلوح في الأفق، بحسب وصف الكاتبة.

عام

منذ 4 سنوات
النيل عام 2050: مليار إنسان يواجهون خطر الفيضانات والجفاف

وبحسب التقرير، أسفر ارتفاع درجات الحرارة والتلوُّث وانخفاض مستويات هطول الأمطار وانهيار البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والانقطاع المُتعمَّد لإمدادات المياه إلى التسبُّب فيما يُطلِق عليه الخبراء «عاصفة عاتية»، أسفرت عن الجوع والأمراض، فضلًا عن الانهيار الوشيك للسدود التي توفِّر الكهرباء، وتؤثِّر في كل شيء بداية من الأعمال التجارية وصولًا إلى الرعاية الصحية.

ويقول ممثل إحدى المنظمات غير الحكومية الدولية التي تنشط في شمال شرق سوريا: «إننا نشهد زيادة مثيرة للقلق في حالات سوء التغذية في شمال شرق البلاد، ولكن لا يوجد حلُّ لهذه المشكلة بسبب إغلاق معبر المساعدات الرئيس. وليس في وسعنا سدِّ تلك الثغرة».

ويضيف: «كما تنخفض نوعية المياه، ولذلك سنشهد تفشِّيًا في الأمراض المنقولة بالمياه في المناطق التي تقع في محافظات الحسكَة والرقَّة ودير الزور، بما في ذلك مخيمات النازحين». وفي تصريح لصحيفة «الإندبندنت»، حذَّر خبراء في شمال شرق سوريا من أن المياه الجوفية تشهد انخفاضًا وملوحة شديدين وخطيرين، في ظِل ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعتمدون على حفر الآبار محليَّة الصُنع. بينما يقتصر اعتماد سوريين آخرين على المياه التي تُنقَل بالشاحنات.

وتابع المسؤول: «ولكن حتى ذلك المصدر من المياه [النقل بالشاحنات] تعرَّض الآن للتلوث، وبات يمثل استجابة مؤقتة». وأضاف: «نحن نحتاج إلى بدائل عملية ومستدامة».

«التصرف الوحيد المنطقي هو الرحيل»

وتضيف الكاتبة: مرت رصاصة من جانبنا، وكانت قريبة للغاية، فتوجهت أنظارنا إلى جهة اليسار. ثم انطلقت زخة من الرصاص في اتجاهنا، لتبعث لنا برسالة فهمناها، ومفادها: يريد الحُرَّاس، الذين يحمون هذه المزرعة ويحمون بئرًا غير رسمي قريب، أن نغادر المنطقة.

Embed from Getty Images

يقول السكان المحليون: حتى سنوات قليلة خَلَت، كانت قطعة الأرض هذه عبارة عن عقار يقع على الواجهة المائية ويطُل على سد غرب الحسكة، الذي بُني في أوائل تسعينيات القرن الماضي من أجل توفير الكهرباء ومياه الشرب وري الأراضي الزراعية في المنطقة، فضلًا عن كونها وجهة مشهورة للسباحة.

تستدرك الكاتبة: ولكنَّ مزيجًا من انخفاض هطول الأمطار وتناقص منسوب مياه النهر وارتفاع درجات الحرارة أدَّى إلى جفاف المنطقة لتصبح واديًا شاسعًا. وإذا حكمنا على الموقف من خلال إطلاق النار، سنستنتج أن التوتُّرات التي شهدتها هذه المنطقة تصاعدت بسبب الموارد المائية القليلة المتبقية.

يستشهد التقرير بما قاله حسن، وهو مزارع يمتلك 16 هكتارًا من الأرض تعتمد اعتمادًا كُليًّا على مياه الأمطار الآن بعد تحطُّم السد: «جفَّ السد منذ نحو ست سنوات، وبعد أن جفَّ نهر الخابور القريب منه جفافًا تامًّا في العام الماضي، ازداد الوضع سوءًا». يقول حسن إنه فقد محصوله من القمح في هذا العام، ويحذِّر من أنه إذا استمرت المشكلات التي تُسبِبَها المياه، فسوف يضطر إلى مغادرة المنطقة، لينضم إلى ملايين النازحين داخل سوريا.

وأضاف: «حفر كثير من السوريين آبارهم بأنفسهم، ولكنَّ المياه الجوفية مالحة، ولذلك يجب أن تشتري المياه من قرية أخرى إذا كنت تستطيع أن تتحمَّل تكاليف ذلك. ومع ذلك، لا يمكنك الحصول على وقود للمولِّد من أجل ريِّ الحقول. وتابع: «الشيء الوحيد الذي يتبقى أمامنا فعله هو مغادرة المنطقة».

غير أنَّ المشكلة التي يواجهها كثيرون تتمثَّل في تحديد وجهتهم، نظرًا إلى أن السدَّ الذي يقع في غرب الحسكة ليس السدّ الوحيد الذي يواجه مشكلات. وتمضي الكاتبة قائلة: كما أسفر انخفاض مناسيب المياه في نهر الفرات إلى مستويات قياسية عن تدمير سدَّي تشرين والطبقة، اللَّذين يقعان في جنوب غرب محافظة الحسكة، ويوفران الكهرباء والمياه لنحو 3 ملايين شخص في شمال سوريا.

عربي

منذ 5 شهور
معركة «المساعدات الإنسانية» وإدخالها إلى سوريا.. تأييد النظام أو الجوع للسوريين

ووفقًا لبيانات جمعتها مجموعة تراقب الأوضاع في سوريا، واطَّلعت عليها صحيفة «الإندبندنت»، انخفضت مناسيب المياه في كلا السدَّين حتى كاد يجف تمامًا خلال فصل الصيف. وإذا حدث ذلك، فقد يتسبَّب في تلف دائم لآلات السدَّين. كما يعني ذلك توقُّف إنتاج الكهرباء، وستضطر محطات المياه التابعة لهما التي تعتمد عليها (أي الكهرباء التي يوفرها السدُّ) إلى أن تتوقُّف عن العمل.

وحذَّر مارتن جريفيث، مسؤول الإغاثة في الأمم المتحدة، من أن نحو نصف محطات مياه الشرب التي تقع على طول نهر الفرات «تأثَّرت أو تضررت بشدة بسبب الانخفاض الشديد في مناسيب المياه، في أواخر يونيو (حزيران) الماضي». وتقع إحدى هذه المحطات في أسفل مجرى سدِّ الطبقة، على طول الواجهة المائية لمدينة الرَقَّة، التي كانت في يوم من الأيام عاصمة الخلافة لتنظيم داعش.

ونقلت المراسلة ما قاله المهندس علي سالم، الذي يعمل في المنطقة: انخفضت مناسيب المياه في نهر الفرات انخفاضًا شديدًا منذ بضعة أشهر لدرجة أن المهندسين اضطروا إلى إيقاف المضخَّات تفاديًا لانهيارها. وقد أدى وقف المضخات إلى انقطاع المياه عن مساحات واسعة من المدينة المُتعثِّرَة، التي يقطنها نحو 400 ألف شخص ولا تزال أنقاضها شاهدة على المعركة الوحشية التي اندلعت لإطاحة تنظيم داعش.

ويتابع سالم قائلًا، بينما ينظر إلى الطمي المتراكم على مرِّ السنين: «انخفض تدفُّق المياه من نحو 600 متر مكعب في الثانية إلى متوسط يتراوح بين 150 إلى 200 متر مكعب في الثانية». ويضيف: «أثَّر ذلك في عشرات الآلاف من الأشخاص». وعلى غرار كثير من السوريين الذين يعيشون في شمال شرق سوريا، يُلقي سالم باللوم على تغيُّر المناخ، فضلًا عن تركيا، التي ينبع من أرضها نهر الفرات، مُدَّعيًا أن أنقرة تتعمَّد عدم احترام معاهدات المياه الدولية.

وتُلمِح الكاتبة إلى أن هذا الرأي يمثل رجع صدى التصريحات التي أدلت بها السُلطات الكردية المعنية بالمياه وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، التي تخوض صراعًا طويل الأمد مع أنقرة. وتنظر تركيا إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لا سيما المكوِّن الرئيس لها، وهي وحدات حماية الشعب، بوصفها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، وهو مجموعة كردية مُسلَّحة تتَّخذ من تركيا مقرًّا لها وأدرجتها أنقرة وواشنطن على قائمة المجموعات الإرهابية.

وفي عام 2019، شنَّت تركيا هجومًا عبر الحدود ضد الأكراد في سوريا، وتستمر أنقرة بجانب المليشيات التابعة لسوريا في السيطرة على عديد من المدن التي تقع على الحدودية السورية، حسبما يذكر التقرير.

هل تركيا متورطة في قطع المياه عن المنطقة؟

ينوِّه التقرير إلى أن السلطات التركية نفت نفيًا قاطعًا قطع إمدادات المياه عن الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد، مؤكدة أن تركيا تعاني من الجفاف ذاته، ولذلك تشهد مناسيب المياه في البلاد انخفاضًا أيضًا. غير أن البيانات التي جمعتها الجهات المراقبة للأوضاع اعترضت على هذا الادعاء. إذ تُظهر البيانات أنه عندما اقترب سدَّي الطبقة وتشرين من الجفاف، بدا أن منسوب المياه في أعلى منبع بحيرة أتاتورك التركية مرتفعًا.

Embed from Getty Images

وأعربت الأمم المتحدة عن مخاوفها بشأن حالات الانقطاع في محطة مياه علوك في مدينة رأس العين، وهي المحطة الرئيسة في المنطقة التي تخضع لسيطرة فصائل تركية وأخرى مدعومة من تركيا منذ خريف عام 2019. وبموجب اتفاقٍ جرى إبرامه، من المُفترَض أن تضمن تركيا استمرار محطة علوك في ضخِّ المياه إلى محافظة الحسكة في مقابل الحصول على الكهرباء من السلطات التي يقودها الأكراد.

وتستدرك الكاتبة: لكنَّ منظمة أنقذوا الأطفال أوضحت الأسبوع الماضي أن المحطة توقفت منذ يناير (كانون الثاني) 2021 تمامًا عن ضخِّ المياه لمدة 89 يومًا، فضلًا عن عملها بأقل من نصف طاقتها المعتادة لمدة 142 يومًا. وقد أسفر ذلك الوضع عن عدم وصول المياه المنقولة بالأنابيب إلى أجزاء من الحسكة، إحدى أكبر المدن السورية، لمدة شهرين.

لكن تركيا نفت مزاعم العبث بمحطة علوك نفيًا قاطعًا. وقال تانجو بيلجيتش، المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، في يوليو (تموز) إن الانقطاعات حدثت بعد «تعمُّد» القوات الكردية قطع الكهرباء عن محطة المياه وعن المنطقة بأكملها. وأوضح بيلجيتش أن «حالات انقطاع الكهرباء هذه تتسبَّب في تعطيل مهام المحطَّة التي تتمثَّل في توفير المياه، كما تسبب في زيادة تدهور الأوضاع الإنسانية في المنطقة».

وتشير المراسلة إلى أن الأكراد يرفضون هذا التصريح، بينما يجد المدنيون أنفسهم محاصرين بين الجانبين.

ينتقل التقرير إلى راعية تجلس على صخرة في قاع نهر جاف آخر، في قرية زكية، وهي قرية أخرى تقع خارج محافظة الحسكة، وهي تخشى من أن الحرب على المياه لن تزداد إلا سوءًا في ظِل اشتعال فتيل التوتُّرات بين الجانبين وتعثُّر الوصول إلى وقف إطلاق النار.

تتحدَّث الراعية، بينما يرعى ماعزها على مصدر العشب الوحيد المتاح، وهو الأشواك التي تخرج من التشقُّقات الموجودة على الأرض، وتقول وهي تلوِّح بيدها حُزنًا على تردِّي الأوضاع: «لا يوجد سوى قليل من مياه الشرب أو الطعام الصالح للبشر، ناهيك عن الحيوانات».

«إذا لم تسقط الأمطار ستشهد المنطقة كارثة»

وتضيف الكاتبة: يشخص المزارعون الذين يعيشون في القُرى المحيطة بالأنهار الجافة بأعينهم إلى السماء، معربين عن قلقهم بعد أن حلَّ شهر أكتوبر (تشرين الأول) ولم تهطل الأمطار حتى الآن.

ويتناقشون حول سبل أخذ الحيطة والحذر في العام المُقبِل، الذي يبدو أكثر قتامة. ويجب أن يتَّخذ جميع المزارعين قرارًا الآن بشأن ما إذا كانوا سيأخذون قروضًا من أجل شراء البذور والأسمدة لزراعة حقولهم، في ظل المخاطرة الكبيرة المحدقة بهم إذا أسفر الجفاف عن تدمير محصول آخر.

Embed from Getty Images

ويقول بريخا، وهو مزارع فواكه وقمح، بينما يفرك يديه في قلق: «هذا الأمر (شراء البذور والأسمدة) يشبه المقامرة: فأنا أزرع المحصول وأنتظر هطول الأمطار كل عام». ويتابع: «لا يوجد نهر، ولا يوجد سدٌّ، وإذا لم يهطل المطر، فستشهد المنطقة كارثة». ويضيف بريخا أن كثيرًا من سكان المنطقة يفكِّرون في الانتقال إلى مناطق أخرى داخل سوريا، أو حتى في محاولة السفر إلى خارج البلاد. وهناك احتمالية كبيرة لوجود لاجئين بسبب تغيُّر المناخ.

ولهذا السبب، وفقًا للتقرير، لا تُعد الأزمة التي اندلعت في سوريا شيئًا يمكن أن يتجاهله العالم الخارجي ببساطة، أو أن يظل الأمل مُحتجَزًا داخل حدود سوريا وحدها. ويعاني العراق المجاور لسوريا أيضًا من أحد أسوأ موجات الجفاف في تاريخه الحديث، وتشهد البلاد أيضًا نزوح السكان إلى مناطق أخرى.

«يُمثِّل ما نشهده انهيارًا بيئيًّا مُحتمَلًا في شمال شرق سوريا بسبب الجفاف الناجم عن تغيُّر المناخ بالإضافة إلى الأضرار البيئية المرتبطة بالصراع»، على حد قول ويم زوينينبورج، الذي يعمل في منظمة السلام الهولندية (باكس) وأعدَّ كثيرًا من التقارير المتعلقة بالمنطقة.

وتلفت المراسلة إلى أن التلوُّث النفطي وانخفاض مناسيب المياه الجوفية وزيادة مشكلات النفايات الصلبة تضاف إلى عددٍ لا يُحصى من المشكلات التي تواجهها سوريا.

يقول زوينينبورج: «يشعر السوريون باليأس ويريدون مغادرة البلاد، خوفًا من عدم وجود مستقبل لهم فيما يتوقعون أن تصبح أرضًا قاحلة جافَّة وسامَّة». ولكنَّه يشير إلى أن الحل لا يتمثَّل في أن ينتظر العالم حدوث ذلك ليتعامل مع التداعيات في وقتٍ لاحق، بل ينبغي أن يستجيب المجتمع الدولي والسلطات الكردية للدعوات التي تطالب بتوفير الاحتياجات اللازمة لتتحول المنطقة إلى اللون الأخضر مرة أخرى». فيما يخشى كثير من المراقبين أن الوقت قد فات.

بالعودة إلى قرية أم غرقان، حيث تحتجب الشمس خلف سحابة من الغبار الذي أثارته مجموعة من الرعاة وقطعانهم أثناء بحثهم عن العُشب في الأرض القاحلة، ما يرسم صورةً قاتمة كما لو كانت نهاية الزمان. وتختم الكاتبة تقريرها مستشهدة بما قاله بريخا فجأة بتنهيدة عميقة: «الماء هو مصدر الحياة. وإذا لم يكن هناك ماء، فستنتهي الحياة». وأضاف: «كل ما يُمكننا فعله هو أن نُحسِن الظنَّ بالله أن يحمينا من الجوع».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد