«الجميع لديهم أجندتهم الخاصة. ومصالح الشعب السوري تأتي ثانيًا، أو ثالثًا، أو لا تأتي من الأصل». هكذا قال «الأخضر الإبراهيمي»، المبعوث المشترك للأمم المتّحدة والجامعة العربية إلى سوريا سابقًا، بعد استقالته الغاضبة في 2014.

ليس هذا بالجديد، لكن «باتريك كوكبرن» في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية يلفت النظر إلى تأثير الأجندات والمصالح على تغطية الإعلام الدولي للأحداث، إذ تقدّم رواية أحادية الجانب باعتبارها السائدة، والراسخة، بينما تدفن ما يتعارض معها في الصفحات الأخيرة، وبعيدًا عن الأضواء. ولهذا السبب، كل ما قرأته عن الحرب في سوريا والعراق قد يكون «خاطئًا».

بين حصار العراق وحصار سوريا

تتزامن محاولات الجيش العراقي استعادة شرقي الموصل مع قتال الجيش السوري برفقة الميليشيات الشيعية الحليفة لاقتحام شرقي حلب. في الموصل، تواردت أنباء عن مقتل ستمائة مدني على مدار الشهر الفائت، بينما قُتل 300 مدني في حلب بالقصف المدفعي الحكومي.

لكن على الرغم من التشابهات بين المشهدين، وتقارب أعداد الضحايا، فإن تناول الإعلام الدولي للحصارين «مختلفٌ جذريًا»، وفقًا لـ«كوكبرن». المُلام في الموصل هو تنظيم «داعش» واستخدامه العشوائي لمدافع الهاون والقنابل المفخخة، ومنعه المدنيين من مغادرة المدينة لاستخدامهم كدروعٍ بشرية، بينما الجيش العراقي والغطاء الجوي لا حرج عليهم.

أمّا في حلب، فلا يتوقّف الإعلام عن وصف بشاعة قوات الأسد التي تذبح المدنيين بغض النظر عن محاولاتهم للفرار. ينقل كوكبرن عن «ستيفن أوبراين»، نائب أمين عام الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، ما أشار إليه هذا الأسبوع من أن الثوار يمنعون المدنيين من المغادرة؛ الأمر الذي لم يحظ بتغطية إعلامية كافية، بالمقارنة بالوضع ذاته في الموصل.

غياب الصحافيين الأجانب

يُعزي كوكبرن اختلاف الحصارين عن الحصارات السابقة في الشرق الأوسط، ومنها الحصار الإسرائيلي لغزة في 2014، إلى عدم وجود صحافيين أجانب مستقلين للعمل على تغطية الأحداث الميدانية مع التزام الحياد. والسبب في ذلك واضح: الجماعة المسيطرة على شرق الموصل هي داعش، والتي تتلذذ بحبس الأجانب وقطع رؤوسهم. أمّا في سوريا، فـ«جبهة النصرة» تقود المقاومة إلى  جانب حلفائها في أحرار الشام ، على الرغم من أن قوات النصرة لا تتعدى 20% في حلب.

وعددٌ من المراسلين الذين حاولوا نقل الأحداث مُباشرة من هذه المناطق وجدوا أنفسهم مختطفين في حقيبة سيارة، أو احتُجزوا بطرقٍ مختلفة، لذا ليس من المفاجيء، وفقًا لكوكبرن، أن تكون الأغلبية الساحقة من الصحفيين الأجانب، المُتابعين لتطورات الوضع في شرقي حلب والمناطق الواقعة، تحت سيطرة الثوار، متمركزة في لبنان أو تركيا.

كلّ شيءٍ مشروع في الحرب

عندما تجد الحركات المعارضة ظهرها إلى الحائط، فإنها لا تُذيع، أو تسمح بإذاعة، أية معلوماتٍ إلا التي تخدم روايتها، وتعزز موقفها. لهذا العديد من السوابق التاريخية، ربّما أقربها إلى الأذهان غزو قوات التحالف للعراق في 2003.

المبرّر الرئيس الذي ساقته الحكومات الأجنبية. كان أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها صدّام، والتي تُهدّد الشرق الأوسط، والعالم أجمع، بالبلاء والفناء. صدّق قطاعٌ كبير من الصحفيين الأجانب هذه الفرضية، ومضوا ينذرون من الخطر العراقي، مستشهدين بروايات مستمدّة من المعارضة العراقية التي أكّدت على وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق. في 2002 و2003، دفنت صحيفة «نيويورك تايمز» ـ مثلًا ـ الروايات الصحفية المتشككة في امتلاك العراق أسلحة دمار شامل في الصفحات الأخيرة، تركت الصدارة للقصص التي تُنذر من الخطر العالمي المحدق.

فيما بعد، اتّهم هؤلاء المعارضة العراقية بأنها «ضلّلتهم»؛ اتّهامٌ يتعجّب منه «كوكبرن»؛ فهم كانوا على خطأ منذ البداية حين توقّعوا معلوماتٍ غير منحازة من معارضة كرسّ أفرادها حياتهم لإسقاط «صدام حسين»، وسعوا لدفع الأمريكيين إلى فعل ذلك بالنيابة عنهم.

وهناك أدلّة على أنّ هذا تكرر في ليبيا خلال الانتفاضة المدعومة من حلف الناتو في 2011. كذّبت منظمات حقوق الإنسان العديد من القصص التي لا أساس لها من الصحة عن بشاعاتٍ ارتكبها جنود القذافي؛ قصصٌ روجتها وسائل  الإعلام، وتصدّرت عناوين الأخبار في ذلك الحين.

اليوم، العالم متعطّش لورود أخبارٍ من سوريا والعراق، والمُغريات الإعلامية أكبر؛ لذا تستمرّ نفس المؤسسات الإعلامية في الوثوق بمعلوماتٍ ترد من المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعات الجهادية. ربما يدافعون عن أنفسهم بقول إنهم يعتمدون على نشطاء غير متحزبين، لكن الأدلة تُشير إلى أن هؤلاء يعملون بإذنٍ من الجماعات المسلّحة على طراز تنظيم القاعدة. هؤلاء لن يتمكنّوا من ممارسة عملهم الإخباري ما لم يكونوا منتمين إلى الجماعات الجهادية المسيطرة على المشهد، أو متعاطفين معها. والصحفيون، بالرغم من تظاهرهم الدائم بأنّهم استخرجوا الحقيقة من الباطن، ليسوا في أغلب الأحيان، إلا موصلين للمعلومات التي أذاعها آخرون، وربّما تلاعبوا بها لخدمة مصالحهم الشخصية.

ينتهي «كوكبرن» إلى أنّ المعلومات الواردة عن سوريا والعراق يجب أن تُعامل بقدرٍ من التشكك المتعقّل. غالبًا ما يركن الصحفيون إلى تصديق معلوماتٍ من مصادر متحزّبة أو أحادية، بينما يميل الخبراء الحكوميون إلى رؤية المشهد من جميع الجهات. ظهر هذا عندما انتشرت تفسيراتٍ مخلّة بالأحداث تُشير إلى أن الأسد على وشك السقوط عن عرش سوريا، بينما كتب «سايمون كوليز» السفير البريطاني في دمشق في يوليو (حزيران) 2011 قائلًا: إن «الأسد ما زال يُمكنه على الأرجح الاعتماد على دعم 30-40% من السوريين»، وانضمّ إليه «إيريك شيفالييه» السفير الفرنسي في الحذر من القفز إلى استنتاجاتٍ مبكّرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد