من الممكن أن تكون الحرب في سوريا موضوعًا يعالجه المؤرخون ضمن إطار التاريخ الافتراضي بأسئلة مثل: ماذا لو حدث كذا؟ وماذا لو أن كذا وكذا؟ والسؤال الملح بين كل الأسئلة المفترَضة، ذلك المرتبط بالدول الغربية: كيف كان يجب أن تدور رحى الحرب لو أن الدول الغربية سلكت سلوكًا مغايرًا؟

لم يأتِ هذا السؤال من فراغ، فهو يتحدث مباشرة عن مصير عدد كبير من الناس، كان يمكن أن يكونوا على قيد الحياة، لو تصرف الغرب بشكل مختلف.

مضت ثماني سنوات من الحرب في سوريا ارتكب الغرب فيها أخطاء كثيرة. هل كان بالإمكان تقليص زمن الحرب؟ سؤال لا يمكن الإجابة عليه، لكن من المؤكد أن على الغرب التعلم من أخطائه واستغلال الفرص لتعود سوريا إلى الساحة مرة أخرى، كما يرى بوب بوكر – السفير الأسترالي السابق في سوريا ومصر والأردن – في مقاله الذي نشره موقع «ذا إنتربريتر»، التابع لمعهد لوي الأسترالي، وهو مركز أبحاث أسترالي مستقل وغير حزبي معنيّ بالشأن العالمي.

«ناشيونال إنترست»: هل فعلًا يُشكِّل اللاجئون السوريون خطرًا على الغرب؟

تحديد طبيعة العلاقات الغربية مع سوريا وجيرانها

يقول الكاتب: «تعتبر سوريا واحدة من بين العديد من أنظمة الشرق الأوسط التي تعتقد أن القمع، إن لم يستخدم بشكل معتدل، يقدم إجابة مُلِحَّة للتحديات التي يواجهها النظام السياسي والاجتماعي الحالي. ووفقًا لذلك، يتعين على الحكومات الغربية أن تقرر طبيعة العلاقة التي ترغب في إقامتها مع سوريا، وجيرانها وأصدقائها، بما في ذلك إيران، وكيف تتمنى أن تنعكس قيمهم في أسلوب تعاملهم مع تلك العلاقة».

Embed from Getty Images

ويرى بوكر أن «إدراك عواقب المأساة السورية على مصالحنا يجب أن يقودنا إلى دعم إعادة الانخراط بحرص مع نظام الأسد». لكنه يستدرك: «بدون احترام مبادئ ومؤسسات القانون الدولي الإنساني، والجهود المبذولة لمحاسبة من يخترق هذه القوانين؛ لا يوجد احتمال لإجراء تعاملات بنّاءة يمكن التنبؤ بها بين الدول واستغلال الإمكانات البشرية».

ويضيف: «إن عدم احترام تلك المبادئ، سواء داخليًا أو في التعاملات بين الدول – وضعف الإرادة السياسية للدفاع بقوة عن قيم الليبرالية السياسية والنفوذ الأخلاقي للمعايير والقيم الدولية – يجعلنا أقرب إلى ويلات الحرب».

لكن في حالة سوريا، تكمن وراء هذه الحقيقة البديهية قضايا سياسية وأخلاقية معقدة، كما يقول بوب بوكر، الذي يعمل حاليًا أستاذًا مساعدًا في مركز الدراسات العربية والإسلامية التابع للجامعة الوطنية الأسترالية.

أولويات المجتمع الدولي: المحاسبة أم الإنقاذ؟

يعتقد الكاتب أنه إذا كانت هناك مخاوف موجودة على الإطلاق في دمشق من غياب المحاسبة على الوحشية باسم تحقيق الأمن، أو عن فرص التجنيد والتلقين التي تنتجها بيئات السجون المتفاقمة وحالات التعذيب وغيرها من الانتهاكات؛ فإنها تعتبر قضايا ذات مرتبة أدنى من الحاجة الملحة للحفاظ على الهوية والطبيعة الأساسية للدولة نفسها.

ويتابع: «أثبت بشار الأسد، مثل والده من قبله، إصراره على تفادي طرح أسئلة مفتوحة حول العلاقة الملائمة بين الدولة والمجتمع في سوريا. وسواءً كانت مسؤولية المأساة الإنسانية في سوريا تقع أساسًا على عاتق النظام السوري أو الحكومات الأخرى أو الجهات غير الحكومية، فإن الفقراء السوريين والمهمشين هم الذين تمت شيطنتهم وإذلالهم واستغلالهم».

ويكمل الكاتب: «يكمن التحدي في إيجاد توازن مقبول بين التمسك بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني في السياق السوري، والاعتراف بأنه بدون العودة إلى النمو الاقتصادي وتحقيق الأمن، فإن هذه المبادئ، مهما كانت جديرة بأن نضعها فى الاعتبار، لن تكون مهمة كثيرًا للفئة القليلة من السوريين المعرضين للهجوم».

ويصف الكاتب تطبيق العقوبات الاقتصادية على سوريا – من الناحية العملية – بأنها «اعتداء غير إنساني وغير فعال ومهين للأفراد المعرضين للهجوم في المجتمع السوري»، إضافة إلى التحديات المقبلة.

مفتاح الحل: التقدم الاقتصادي

ويعتقد الدبلوماسي الأسترالي أنه لا توجد فرصة لتوفير الأمن أو تحقيق تقدم دائم في سوريا دون تحقيق تقدم اقتصادي. ولتحقيق هذه الفرصة توجد تكاليف، من حيث الإمكانات البشرية المهدرة والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالقمع وانعدام الأمن والصراع.

كل هذا يمثل عائقًا كبيرًا أمام احتمالية تحقيق مستويات من الأداء الاقتصادي المتوازن الذي يمكنه استعادة البنية التحتية ورأس المال البشري ومكافحة التهديدات البيئية المتزايدة وانعدام الأمن الغذائي والمائي في سوريا.

لكن في سوريا، وفي أى مكان أخر فى المنطقة، يجب وضع إطار لتأييد الحقوق الإنسانية ضمن قبول واقعي بأن أي عودة إلى قيادة سياسية فعالة يجب أن تتم داخل هيكل السلطة الحالي. إن القيادة التي أثبتت رغبتها فى رؤية موت وتشريد الكثير من مواطنيها لن تتخلى عن السلطة السياسية أو تتقاسمها بإخلاص خارج قاعدتها المباشرة.

إعادة تشكيل سوريا

إن التقدم التدريجي في سوريا نحو التمكين، في إطار حكم القانون، على جميع المستويات، من الدولة إلى المجتمع إلى الأسرة، هو أمر مرغوب فيه، لكنه حتى الآن بعيد المنال كانتهاء حالات انتهاكات حقوق الإنسان. وإعادة تشكيل سوريا – أو اليمن أو ليبيا – لصالح مواطنيها قد لا يكون ممكنًا دون إعادة تشكيل الشرق الأوسط الواسع.

هل يرث «الحرس الثوري الإيراني» إمبراطورية صهر الأسد الاقتصادية؟

يقول الكاتب: «يشير التاريخ إلى أن هذا شيء من غير المحتمل أن يشارك فيه بقية العالم مشاركةَ إيجابيةَ. وحتى نبرات الصوت والكلمات المعبرة عن الغضب التي يتم إلقاؤها في الاجتماعات ذات الأطراف المتعددة لن تحدث اختلافًا كبيرًا في ممارسة السلوك السوري».

لكن إذا كنا نرغب في احترام قيمنا بين الأجيال القادمة من السوريين، وفي أي مكان آخر في المنطقة وخارجها؛ فعلينا أن نكون مستعدين للدفاع عن هذه القيم باستخدام النفوذ السياسي والدبلوماسي والفكري المتاح لنا. ويجب أن نكون متأهبين لاتخاذ رؤية طويلة الأجل لما هو مطلوب تنفيذه.

إنهاء عزلة سوريا عن المجتمع الدولي

بحسب بوكر، ترى سوريا نفسها فى وضع يستحق الاعتراف الدولي بها كدولة ذات حيثية في السياق العربي والإقليمي. وأن إنهاء عزلتها عن المجتمع الدولي أمر مهم بالنسبة لها. ويرى الكاتب أن إعادة الانخراط المخطط إستراتيجيًا، بالتشاور مع الشركاء الغربيين والعرب، تُقدم المسار الأكثر ترجيحا لرؤية سوريا تظهر مرة أخرى على الساحة، مثل تونس، وتختار نموذجًا لقياس إنجازاتها كدولة عربية ضد الأفكار المعاصرة بين جيل حديث السن، في سوريا وضمن العالم العربي الأوسع، لما يعنيه أن تكون دولة عربية و«معاصرة».

قد يعتمد مدى وتوقيت خطوات مساعدة سوريا على المضي قدمًا في هذا الاتجاه، عمليًا، على عملية موازية لإعادة تنظيم العلاقات بين واشنطن وطهران. ويجب أن يكون هناك بعض مظاهر الاحترام لكرامة وحقوق مواطنيها العاديين إذا أرادوا إعادة التواصل مع الدول الغربية. وسوف يتعين التعامل مع الحساسيات الروسية بعناية خاصة.

ويختم الكاتب مقاله بقوله: «من جانبها، سترى الحكومات الغربية أن مصالحها سوف تُخدم على نحو أفضل، ليس من خلال غياب الأمان المستمر والصراع وفرض العقاب الجماعي في سوريا، ولكن من خلال عودة ظهور سوريا، مرة أخرى، بصفتها دولة تتمتع بالثقة والديناميكية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي وتحظى بالاحترام في المنطقة».

«سنعيدها سيرتها الأولى».. هل تشهد المناطق التي استعادها الأسد «ثورة ثانية» قريبًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد