تقترب الحرب الأهلية السورية من عامِها السادس، بلا بوادر لانفراجة في المدى القريب. تلك الحربُ التي خلّفت وراءها مليون قتيلًا، وما يُناهِز السبعة ملايين نازحًا، و4 ملايين من اللاجئين. لم تترك تلك الحرب، بما شهدته من الغارات الجوية والسيارات المفخخة، واستخدام الأسلحة الكيميائية، أثرًا ماديًا فقط على شوارع وأحياء المُدن السورية، وإنما يُعاني السوريون من آثار الصدمة النفسية العنيفة التي سبّبتها الحرب. في تقرير نشره معهد «بروكنجز»، يرصد «عمر كاراسابان» تقارير المنظمات المختلفة عن الصحة النفسية للسوريين، داخل سوريا وخارجها، ومدى تأثرها بالحرب.

 

الاضطرابات النفسية تُهاجم السوريين

ليس بالأمرِ المفاجيء أن الصدمة النفسية الناجمة عن الحرب كان لها بالغ الأثر على الكثير من السوريين. تُقّدر دراسة أجرتها الغرفة الألمانية الفيدرالية للمعالجين النفسيين أنّ نصف اللاجئين السوريين بألمانيا يُعانون من مشاكل نفسية، وخرجت السلطات التركية بتقريرٍ مُشابه عن لاجئيها. وفي تحليلٍ أجرته مؤخرًا الهيئة الطبية الدولية IMC، من خلال مراكزها الصحّية المخصصة للاجئين والنازحين بالأردن ولبنان وسوريا وتُركيا، وُجد أن 54% من النازحين لديهم اضطرابات عاطفية حادّة، و 26.6% من الأطفال يواجهون مشاكل في النموّ الفكري.

 

وقد لاحظت مفوضية الأمم المتّحدة لشئون اللاجئين UNHCR، أنّ أبرز المشاكل الصحية التي يواجهها السوريون هي مشاكل نفسية، مثل الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، وعدّة أشكال من اضطرابات القلق والتوتر.

 

الأطفال والنِساء أكثر هشاشة.. والقِتال يُنهك جميع الأطراف

يرصد القرير تعرض النِساء خصيصًا في سوريا، وكذلك في الدول المضيفة، للعديد من الانتهاكات، أبرزها العُنف المنزلي والجنسي، والزواج المُبكّر، والاستغلال الجنسي، طبقًا لـUNHCR، فإن العيش بمنأىً عن الوطن وضع النساء السوريات في موضع رب الأسرة وحاميها، وهو عبءٌ ساحق على كواهلهن، يضطرهنّ إلى الاعتماد على المُساعدات الخارجية، مما يعرّضهن لشتى صور الاستغلال.

 

أمّا الأطفال، الذين يمثّلون حوالي نصف اللاجئين والمُهجّرين، فيتنازعهم القلق الشديد على عائلاتهم؛ إذ يعيش أغلبهم في مخيّمات اللاجئين أو في أحياء شعبية فقيرة، كما يُعاني حوالي 50% منهم من اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، وتغيّرات سيكولوجية أخرى تجعلهم عُرضةً لتأثيرات طويلة المدى، حيثُ يحتاجون إلى معاملةٍ خاصةٍ، والمزيد من الموارد في المدرسة، وهو ما يؤثر عليهم بعد ذلك في مجال العمل، ويجعلهم أكثر عُرضة لترك الوظائف، والبقاء عاطلين.

ووفقًا للتقرير، ينهش المرض النفسي أيضًا في عشرات الآلاف من المُتقاتلين بسوريا، من جميع الجهات، وأيضًا في آلاف المعتقلين السياسيين؛ إذ يقدّر عدد المختفين قسريًا بحوالي 65 ألف شخصٍ بين مارس (آذار) 2011 وأغسطس (آب) 2015، قُتل منهم الكثيرون، أو اعتُقلوا، في ظروفٍ غير آدمية، سواءً في سجون الجيش السوري أو الدولة الإسلامية.

 

والعلاج متعذّر

وفق ما يرصده التقرير، ففي الداخل السوري، لم تبقَ إلا مستشفى نفسية وعقلية واحدة، نصفُ العاملين بها تركوا البلاد. وبالنسبة للاجئين، ليس الحالُ أفضل كثيرًا. المُساعدة، التي يتمّ توفيرها بالفعل للاجئين في الأردن، تركيا ولبنان، لا تتعدى 5% من المطلوب، وهو ما يُساهم، إلى جانب استمرار الظروف القاسية، وما يُصاحبها من قلقٍ وتوتّر، في ازدياد الوضع سوءً.

 

اضطرت الأردن، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، إلى فرضِ المزيد من الرسوم على اللاجئين. ورُغم أنّ هذه الرسوم توفّر أدوية مدعومة للسوريين، إلا أنّها ما زالت تُمثل الكثير من العبء على اللاجئين الذين يعيش 90% منهم تحت خطّ الفقر. يُعاني اللاجئون من وضع مشابه في لبنان، التي يمثّل نظامها الصحّي الخاص تحدّيًا كبيرًا، لا يقدر السوريون على ثمنِه.

 

أمّا تركيا فإنها، وفق التقرير، توفّر للاجئين رعاية صحّية مجّانية، ما أن يتمّ تسجيلهم لدى الحكومة، لكن مُشكلة اللغة تظل حاجزًا أمام انتفاع السوريين من نظام الرعاية الصحية هناك، خاصّة العقلية. ناهيك عن الثقافة العربية التي ترى في العلاج النفسي وصمة عارٍ، مما يضع حاجزًا آخر أمام سعي اللاجئين للعلاج النفسي.

تقترح الهيئة الطبّية الدولية اتخاذ خطواتٍ فورية، مثل جعل الرعاية الطبية العقلية جزءً من الرعاية الصحّية العامة، وتدريب العاملين بمجال الصحّة العامة، في مجال الصحّة العقلية، وتوفير المزيد من المترجمين بتركيا، والمزيد من الموارد للدول التي تحتاج إليها؛ لتوفير الرعاية الصحّية للاجئين. ربّما يخفف التعامل السريع من آثار الصدمات النفسية  التي لحقت بالسوريين، ليصبحوا أفضل على المدى القصير، ويتمكنّوا من بناء وطنهم حين العودة إليه، على المدى الطويل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد