اتفقت موسكو وواشنطن في بيان مشترك يوم السبت الماضي على أنه لا خيار عسكريًا للحل في سوريا، وإنما هناك خيار واحد هو الحل السياسي. ورد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسرعة بقوله إنه يتعين على الذين لا يؤمنون بالحل العسكري أن يقوموا بسحب قواتهم من سوريا.

تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية للكاتب تسيفي بارئيل، مراسل الصحيفة المتخصص في شئون الشرق الأوسط، ذكر أن البيان الذي يشير إلى أن الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب قد بدءا صفحة جديدة في العلاقات بينهما، قد أثار القلق في إسرائيل، التي تخشى أن يؤدي الحل الدبلوماسي إلى ترك القوات المدعومة من إيران في سوريا. وفي الوقت المناسب، يمكن أن يشكل ذلك تهديدًا لإسرائيل.

وينص الاتفاق الأمريكي الروسي على وجوب مغادرة جميع المقاتلين الأجانب سوريا. وستضغط روسيا على بشار الأسد لكي يأمر إيران وحزب الله بمغادرة البلاد، كما ستطلب الولايات المتحدة من الأردن طرد القوات الجهادية مثل جبهة النصرة والمليشيات السنية الأخرى. وهذه الافتراضات بعيدة كل البعد عن الإقناع، بحسب تقرير «هآرتس».

وفي مؤتمر صحافي عقب البيان المشترك، قال مسؤول أمريكي رفيع المستوى، إن الأمريكيين لا يعتزمون التفاوض مع الأسد أو القوات الإيرانية ولكن مع روسيا. وشدد على الرعايتين الأمريكية والروسية لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في الأردن حول إقامة منطقة آمنة في جنوب سوريا، وهي خطوة انتقدتها إسرائيل بشدة.

وقد وجهت إسرائيل تصريحاتها إلى روسيا، غير أن الولايات المتحدة مسئولة بنفس القدر عن الاتفاق. ولا ينبغي أن يشكل البيان مفاجأة لإسرائيل، لأنه في أبريل (نيسان) الماضي، وفي اجتماع ترامب السابق مع بوتين، اتفق الطرفان على عدم مناقشة مستقبل الأسد في تلك المرحلة.

قدم ترامب تنازلًا كبيرًا لروسيا، وهو ما انعكس في البيان الإعلامي الأخير أيضًا، والذي أفاد أن الأسد يجب أن يرحل ولكن الأمر متروك للشعب السوري، بمن فيهم المشردون، لتقرير هذه الخطوة عن طريق الانتخابات. واتفقوا أيضًا على أن الدولتين يمكن أن تعملا معًا في القضايا ذات الاهتمام المشترك. ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن تلك المصالح المشتركة لا تأخذ بالضرورة بعين الاعتبار مصالح إسرائيل.

اقرأ أيضًا: «هآرتس» بعد تعهدها بحماية الدروز.. ماذا ستحقق إسرائيل بالتدخل في سوريا؟

لن يغادروا سوريا

وفي الوقت الحاضر، فإن الاتفاق لا يصوغ الخرائط النهائية، لذلك قد يكون إنذار إسرائيل سابق لأوانه. ولكن بعد أن صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بأن «وجود القوات الإيرانية في سوريا أمر مشروع لأن سوريا دعتها»، وفي ضوء تصريح أردوغان، فمن الواضح أن احتمال مغادرة القوات الأجنبية لا يستحق الورقة التي كتبت عليها الاتفاقية. كما أن الوثيقة لا تحدد متى يجب أن تغادر القوات ومن سيخرج منها.

وذكر التقرير أن إيران وروسيا وتركيا، جنبًا إلى جنب مع الميليشيات السورية والأجنبية التي تعمل باسمها في سوريا، ليست لديهم نية لمغادرة البلاد، ومن المشكوك فيه أنهم سيفعلون ذلك بعد التوصل إلى اتفاق نهائي.

سوريا-دير الزور

وتابع التقرير: «هذه هي الحقيقة التي سيتعين على إسرائيل قبولها، إذا لم تكن تريد أن تذهب إلى حرب ضد الشراكة الروسية الإيرانية برعاية أمريكا. وقد تلقت هذه الشراكة دعمًا غير عادي من قبل وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في رسالة بعث بها إلى مؤتمر في موسكو هذا الأسبوع بعنوان: «إيران وروسيا.. خمس قرون من التعاون». وكتب ظريف في رسالته إن هذا التعاون سيعزز الأمن والاستقرار والنمو في مناطق آسيا الوسطى والشرق الأوسط.

وقال لافروف في رسالة بعث بها في المؤتمر إنه يأمل أن يتوسع التعاون في مختلف المجالات بين البلدين ليشمل الأمور الاستراتيجية. كما أن لهذا التعاون جوانب اقتصادية مهمة، مثل وضع خط أنابيب الغاز من إيران إلى الهند عبر باكستان واستثمارات البنية التحتية.

70 ألف مقاتل إيراني

وقال التقرير إن علاقات روسيا مع إيران قد ساعدت في إقناع الإيرانيين بنقل قواتهم في المنطقة الآمنة الجنوبية إلى الشمال والشرق، وأوضحت لإيران أنه من الأفضل عدم إعطاء إسرائيل سببًا لشن هجوم في سوريا. لكن حجم الوجود العسكري الإيراني في سوريا لم يتغير. ووفقًا لتقارير المعارضة الإيرانية ومصادرها في الميليشيات المتمردة، يقدر عدد القوات الإيرانية والموالية لإيران بـ70 ألف مقاتل.

تعمل هذه القوات -بحسب التقرير- تحت قيادة مشتركة تقع بالقرب من مطار دمشق برئاسة الجنرال جعفر الأسدي، وتتعاون مع الجيش السوري. أما مخيم الشيباني، شمال غرب دمشق، الذي خدم قوات الحرس الجمهوري السوري قبل تمريره إلى القوات الإيرانية، فيستوعب حوالي 3 آلاف جندي، فضلًا عن قوات حزب الله والمليشيات الأفغانية.

سوريا-دير الزور

ويقع مقر المنطقة الجنوبية على بعد 60 كيلومترًا جنوب دمشق على الطريق المؤدي إلى درعا، ويسيطر على منطقة درعا والسويداء والقنيطرة، غير بعيد عن مخيم اليرموك الذي يخدم حزب الله. وتقع وحدة الصواريخ في قاعدة أزروا، بالقرب من بلدة الشيخ ماسكين.

وعلى الجبهة الشرقية الشمالية، يتم نشر القوات الإيرانية في منطقة الحسكة والرقة والقامشلي، ويتم تشغيل مطار للرحلات العسكرية. ويقيم حوالى ألف جندي في مطار آخر يقع على بعد 50 كيلومترًا من مدينة تدمر، بحسب مصادر المعارضة الإيرانية. كما يقيم حوالى ألف جندي من الحرس الثوري الإيراني في منطقة اللاذقية وطرطوس التى يسيطر عليها الجيش السوري. ونشر موقع «بي بي سي» مؤخرًا صورًا لمعسكر عسكري كبير يجري بناؤه سرًا على مشارف دمشق، والذي يمكن أن يستوعب بضعة آلاف من الجنود.

ونقل التقرير ما ذكره رئيس الأركان الإسرائيلي غادي إيسنكوت في مقابلة مع موقع «إيلاف» السعودي، من أن عدد القوات الإيرانية ونشرها يلقي بظلال من الشك على قدرة إسرائيل على منع أي تواجد إيراني في سوريا. لكن الانتشار يشهد بشكل رئيسي على نقاط الضعف في الجيش السوري، حيث يتطلب المساعدة الإيرانية. وحتى الآن، قدمت هذه المساعدة في معارك محلية، مثل السيطرة على حلب، ولكن هذا لا يشير إلى نية الاستيلاء على الأراضي السورية وتحويلها إلى جيوب إيرانية.

اقرأ أيضًا: هل تنجح دول الصراع في سوريا بفصل «بشار الإيراني» عن «بشار الروسي»؟

هل تدعم أمريكا إسرائيل؟

وفقًا للتقرير، فإن مخاوف إسرائيل من أن القوات الإيرانية ستقيم معاقل في الجزء السوري من هضبة الجولان لا أساس لها من الصحة. لكن ليس من المؤكد أن إيران وسوريا وروسيا لديهم مصلحة في فتح جبهة ضد إسرائيل في سوريا. وتهتم كل من إيران وسوريا باستكمال الخطوة الاستراتيجية لتحقيق الاستقرار في نظام الأسد وإنهاء حرب الميليشيات.

ومن الواضح لإيران وروسيا أنه إذا هاجمت إسرائيل، كما هدد وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، فإن الهجمات قد لا تقتصر على الأهداف الإيرانية، بل تتسع نحو قصر الأسد وغيره من الأهداف الاستراتيجية السورية، بما في ذلك أهداف حزب الله في لبنان.

لذلك، يتم إنشاء ردع متبادل بين إسرائيل وسوريا وإيران، حيث يمكن أن يكون التهديد الإسرائيلي لإيران أكثر وضوحًا في مرتفعات الجولان من التهديد الإيراني لإسرائيل.

عرض عسكري إسرائيلي-تل أبيب

ويمكن أن يختل هذا التوازن إذا نشر الإيرانيون صواريخ متوسطة وطويلة المدى في مرتفعات الجولان الجنوبية. ولكن هذا الخيار ليس مطروحًا بعد، بسبب اعتراض روسيا على تحرك استراتيجي إيراني قد يضر بالمصالح الروسية. وفي الوقت نفسه، ترى إسرائيل أن الصواريخ البعيدة المدى الموضوعة في الأراضي الإيرانية تشكل تهديدًا استراتيجيًا أكبر من الصواريخ التي يمكن أن توضع في سوريا.

وذكر التقرير أنه في حالة حرب الصواريخ، فإن المسافة الجغرافية ليست كبيرة جدًا طالما كان بإمكان إسرائيل وإيران أن يهاجما بعضها البعض من بعيد. المشكلة الأكثر خطورة التي تواجهها إسرائيل -بحسب التقرير- هي التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة وسوريا على الساحة السورية، وهو ما يعني أن إسرائيل لا يمكن أن تتوقع الدعم الأمريكي إذا قررت الهجوم في سوريا.

واختتم التقرير بقوله:«لا يزال الرئيس الأمريكي ترامب يبدي عدم اهتمام تجاه التحركات العسكرية والاستراتيجية التي لا تتعلق بمحاربة داعش، وفي ضوء هزائم التنظيم، يمكن لواشنطن أن تعلن أن أهدافها في سوريا والعراق قد تحققت بالكامل وتسحب قواتها. وإذا حدث ذلك، فستجد إسرائيل نفسها معزولة دبلوماسيًا في منطقة قتالية بذلت جهودًا من أجل عدم التدخل فيها منذ البداية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد