سجناء النظام السوري لم يموتوا فقط بسبب التعذيب، وإنما بسبب الاكتظاظ داخل السجون، وسوء التغذية، وعدم وجود الرعاية الطبية؛ مما أصاب الكثير من السجناء بالأمراض.

بدأت الكاتبتان تمارا قبلاوي، وجل تويسوز، مقالهما المنشور على موقع «سي إن إن»، بأنه لا أحد سيشعر بما تشعر به هدى هالاسي، ولا أحد يسمع أنينها في فترة أربعة شهور من الهمِّ والحزن، تجلس في غرفة جانبية من بيتها، في محافظة حلب، وقريباتها الإناث يحوطونها، تحمرُّ عيناها من شدة البُكاء، ويكاد صوتها لا يعلو صوت الهمس. لمدة ست سنوات، تبحث هُدى وعائلتها عن زوجها، يحاولون أن يعرفوا مصيره، ومكان وجوده وظروفه المُحاطة بالغموض التام.

وأضافت الكاتبتان أنه حتى أوائل أيام أغسطس (آب) الماضي، عندما أصدرت الحكومة السورية شهادة وفاته، ذكرت هدى لأقربائها: «لا نعلم تحديدًا متى توفي زوجي».

أما عن طبيب التخدير، عبد الغفور هالاسي، المُعتقل منذ بداية الحرب السوريّة، والمُختفي في هاوية السجون ومراكز المخابرات العسكرية، عبد الغفور شخصٌ واحد من بين 82 ألفًا من المخفيين قسرًا، وتُطالب مجموعات الحقوق المحليّة والدوليّة الحكومة السورية بالإفراج عن هؤلاء الأشخاص.

أحد تصاميم الفنان نجاح البقاعي – مصدرة الصورة 

يقول التقرير: إن طلبات الأهالي تتزاحم لمعرفة أخبار أقربائهم المسجونين، ومحاولتهم لتأمين مبلغ من المال؛ للإفراج عنهم، ولكنّ الكثير من محاولات الأهالي تبوء بالفشل. عادت العادة القديمة للنظام السوري، اعتقالات تعسفية واعتباطية: «من هم داخل السجن اختفوا، ومن استطاع الخروج من السجون، عادت له الحياة».

كان آخر ظهورٍ لعبد الغفور هالاسي، في سجن صيدنايا خارج دمشق. أصدرت منظمة العفو الدولية عام 2017، تقريرًا حول الإعدامات الجماعية في مراكز الاعتقالات، وأطلقت المنظمة على سجن صيدنايا لقب «المسلخ البشري». حتى شهر مايو (آيار)، رفضت الحكومة السورية الكشف عن حالة السجناء، والذين لا يمكن عدهم، واستهجن الرئيس بشار الأسد الصور المُسربة لآلاف الجثث، ووصفها بالصور الـ«مفبركة».

وأسهب التقرير أنه في ظل الدعم الروسي والإيراني، تبقى الأمور تحت سيطرة الأسد. وفي محاولة الحكومة طي صفحة الحرب البشعة التي قضت سبع سنوات داخل سوريا. تذكر بعض مجموعات حقوق الإنسان أنّ المسؤولين السوريين أصدروا – على مدار هذا الصيف – خبر مقتل أكثر من 800 من المسجونين. ولكن إلى الآن لم يتم تسليم الجثث إلى ذويهم.

ينقل التقرير عن جوشو لانديس، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، قوله: «الحرب تهدأ، والحكومة السورية تحاول تسوية علاقتها مع مختلف الأطراف داخل سوريا، في أسرع وقت ممكن»، ويضيف لانديس: «كل هذا يشرح ما الذي يحدث للناس».

يستطرد التقرير أنه مع طمس السجلات السورية للحقائق بتصنيفها بعض المفقودين على أنهم «موتى» تستطيع الحكومة التخلص من بعض العقبات البيروقراطية، وإعادة تأسيس النظام والإجراءات الحكومية. زوجات المفقودين أصبحن في عداد الأرامل. الآن أيضًا يمكن حل النزاعات على الملكيات الخاصة؛ لأن المالكين مفقودون، وتأمل الحكومة من الناس المضي قدمًا، مع تضاؤل وطأة الحرب.

حصلت بعض المجموعات الحقوقية على الوثائق، في محاولة لمتابعة أخبار المفقودين أو لمعرفة إشعارات الموتى، وذكرت الوثائق القليل عن الأسباب الحقيقية للوفاة، وذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنه «لا فرق بين وثائق وفيات المسجونين وبين وثائق الوفيات لمواطنين توفوا بطريقة طبيعية». ووفقًا للمجموعات الحقوقية، المحامون والناشطون الذين تحدثت إليهم «سي إن إن»، فإنّ السجلات السورية تم تحديثها، بحيث صنفت أسباب الوفاة على أنها طبيعية، أو بسبب الجفاف، أو السكتات القلبية.

عشرات الشهادات، والصور والوثائق الحكومية، تُبين أن الحقيقة أبعد ما يكون عن هذا الهُراء – بحسب تعبير التقرير – وأنّ مستوى الإساءة والاضطهاد لا يمكن تجاهله، وتذكر المجوعات الحقوقية أنّ الناجين من سجون الأسد سيدلوا بشهادتهم على انتهاكات النظام، حتى وإن اقتربت الحرب السورية من النهاية.

«ذكريات من منزل الأموات»

يروي التقرير قصة عبيد حاج الذي يعتقد أن أخاه سعد، كان عمره 27 سنة عندما توفي في مركز اعتقال سوري، وقال عبيد: «تابعت أخباره لمدة ستة أشهر، وبعدها اختفى تمامًا»، الناشط سعد، نُقل بين مراكز التحقيق، قبل أن يُنقل إلى سجن صيدنايا عام 2012.

بعد عاميّن سرّب منشقٌ من الجيش السوري باسمه المستعار «القيصر»، أكثر من 28 ألف صورة لأجساد ميتة ظاهرٌ عليها علامات الضرب، مع رقم ملصوق على كل جثة، كانت صورة جثة سعد بين هذه الصور.

وقال التقرير: إنّ عبيد ذكر في لقاء له مع سي إن إن: «عندما شاهدت الصور، انفجرت من البكاء.. وعندها أخذ أخي مني الهاتف وشاهد الصور، وانهار على الأرض. وذهبت لأمي وأخبرتها أنّ سعد بات شهيدًا»، وأضاف عبيد :«أعتقد أنه توفي بعد ما توقفت المراسلة بيننا، أنا سعيد أنه لم يتعرض للتعذيب لفترة طويلة».

يتحدث التقرير عن نجاح البقاعي، الفنان المرئي والسجين السابق، الذي كُلَّف بمهمة نقل الجثث الميتة إلى المقابر الجماعية، وذكر نجاح أنّ أول جثة سُحبت إلى الحُفرة، كانت تحمل بطاقة بيضاء عليها رقم الجثة 5535، كان هذا في سبتمبر (أيلول) 2014، بعد أربعة شهور من تداول الصور، والتي عُرف عنها بصُور «القيصر»، وكان القتلى يتراكمون شيئًا فشيئًا.

بحسب التقرير كان نجاح متظاهرًا سلميًا، وأحد المفكرين الذين استطاع محامو حقوق الإنسان تمييزهم، واستهدفهم النظام في السنوات الأولى. تم إطلاق سراحه بعد ما دفعت عائلته مبلغًا ماليًا، وقال نجاح لـ«سي إن إن»: «آخر جثة نقلتها رقمها 5874، وكان هنالك أيضًا جثث غير مُرقمة»، قضى نجاح سنة وتسعة أشهر، نزيلًا في السجون السورية، ومراكز التحقيق. بعد ما أطلق سراحه، انتقل إلى لبنان ليبدأ رسم مراحل التعذيب، من وحيِّ ذاكرته. والآن يعرض رسوماته في أنحاء فرنسا، حيث استقر هُناك.

يقول نجاح: «أنا فنان، لا يمكن أنّ تُمسح ذاكرتي المرئية بسهولة، فطوال وقتي في لبنان، كانت تراودني الكوابيس صباحًا ومساءً، كنت أبكي على حالي. فرسمت الصور، وكانت بمثابة علاج نفسي لأرسم ما جربته وما رأيته»، وأضاف: «وبعدها أصبح الرسم طريقة لتوثيق القضية؛ لأنني في النهاية كنت لأنسى».

أثناء حديثه عن مأساته، يقول نجاح إنه طُلب منه الجلوس على كرسي كهربائي، حيث سيطر عليه الخوف، وتغوط على الكرسي، وعندها توقف التعذيب فجأة، وذكر نجاح أيضًا: «بالنسبة للمحققين، حياتنا أرخص من الذبابة، أتذكر أنّ مرة من المرات، أخبرني أحد المحققين عن سجينٍ متوفٍ قائلًا: (في النهاية، كان مصيره الموت). كان هذا السجين بالنسبة للمحقق شيئًا تافهًا».

حساء المنفى

بحسب التقرير: سجناء النظام السوري لم يموتوا فقط بسبب التعذيب، كما تذكر مجموعات الحقوق والنشطاء. وإنما بسبب الاكتظاظ داخل السجون، وسوء التغذية، وعدم وجود الرعاية الطبية؛ مما أصاب الكثير من السجناء بالأمراض.

ذكر الصحافي شيار خليل للتقرير، الذي تقاسم سجنه مع 110 سجين، في مساحة سبعة أمتار مربعة في مركز اعتقال يسمى «فرع فلسطين»: «كل يومين، يموت أحد السجناء أمامي، بسبب التعذيب والظروف الفقيرة، ونقص الغذاء»، وذكر أيضًا، أنّ غذاءهم اليومي مكون من ملعقة أرز، وربع حبة من البطاطس، وحساء، يغطيه كميات من زيت الطهي.

يقول شيار: «تصيبنا الشُّربة بالإسهال لدرجة الإصابة بالجفاف، لم يكن هنالك أدوية، السجناء يموتون بسبب الحساء. كان هذه أحد أساليب القتل في فرع فلسطين».

يقول شيار إنه تم ربط يديه بالسقف، وجُلد من قبل المحققين، وأطفئت السجائر على ظهره. وكان أحد حراس السجن يستخدم أسلوب تعذيب، يُعرف باسم «السجادة الطائرة»: يُربط السجين بلوح قابل للانحناء، حيث إن انحنى بعيدًا تكسر العمود الفقري للشخص. ويذكر شيار أيضًا: «حالات الموت المُعلن عنها اليوم هي لأشخاص مقتولين منذ فترة طويلة، جميعنا يعلم هذا»، ويضيف: «لأنه من المستحيل أن يبقى أحد على قيد الحياة في ظل الظروف المحيطة للسجن، عشت تحت هذه الظروف لمدة ثلاثة شهور، وإن كنت قضيت هناك ستة أو سبعة أشهر، لكنت في عداد الموتى الآن».

طريقة تعذيب «السجادة الطائرة» للمصمم محمد حمدون – مصدر الصورة

النهاية

يقول التقرير: يوجد جدل بين النشطاء والمحامين بأن الصف الأول من النظام كانوا على دراية تامة بأنّ المشاركات الأولى في الثورة السورية كانت سلميّة، على الرغم من المقولة الرسمية للحكومة بالنفي.

يقول محامي حقوق الإنسان، سكوت جيلمور، والمسؤول في مركز دي سي للشؤون السورية للعدل والمساءلة، إنه عكف على إيجاد الأدلة في الوثائق الحكومية منذ عام 2011، ويقول إنّ الاعتقالات في السنوات الأولى كانت تستهدف الصحافيين والمتظاهرين، وأي شخص يحاول تخريب صورة سوريا في الإعلام الخارجي.

يذكر جيلمور لسي إن إن: «في السنوات الأولى للثورة، كان النظام يعمل على تفكيك النخبة المثقفة، وتمييع المجتمع المدني، والتقرب من المحامين، والدكاترة، والصحافيين، ونشطاء حقوق الإنسان». يقول التقرير إنه في هذه الأثناء يتمنى أقارب المفقودين النهاية، وتدعو المجموعات الحقوقية الحكومة السورية إعادة بقية المفقودين؛ حتى يتم تشييع جنائزهم وإكرام موتاهم.

ذكرت الباحثة السورية في منظمة العفو الدولية، ديانا سيمان، في تصريح لها الشهر الماضي: «لسنوات عانى الأهالي بعدم معرفتهم موقع المفقودين من أقربائهم، والآن أكدَّت لهم الحقيقة الجارحة، أحبابهم فارقوا الحياة، حدادٌ جديد». يقول المحللون: إنّ الحكومة تسعى لإغلاق القضية من أجل السلام. قال الخبير السوري جوشوا لانديس: «إنّ سوريا أدركت أن هذه القضايا لن تختفي، ومن الأفضل تطهير الأجواء بالقدر المستطاع، ومعالجة الجرح بشكل سريع».

لا زيارة للمقابر

يختتم التقرير  بمقولة خلود هيلمي، البالغة من العمر 32 عامًا، والتي للتو علم أهلها عن مقتل قريبهم عامر: «عندما تخسر أحدهم تأخذ جثته، وتعرف مكان قبره لزيارته والسلام عليه، ولكنّ خالتي لا تملك قبرًا لطفلها»، على عكس قريبها ما زال الأخ الصغير لخلود مفقودًا. أحمد، طالب الماجستير في الاقتصاد، المحتجز والحالم بمستقبل أفضل لبلده. تذكر خلود أنه عندما انطلقت الثورة في ضواحي دمشق، في منطقة داريا استجابت خلود وأحمد للنداء ونزلوا إلى الشوارع.

وذكرت خلود لـ«سي إن إن»: «كان صديقي المقرب.. كنت أراه في كل مكان، وفي كل وجه»، وصوتها ينقطع من البكاء: «عندما تطبخ أمي أكلته المفضلة، تبكي.. في كل عيد، كل رمضان، تبكي وجميعنا نبكي»، واجهت أسئلة لا إجابة لها، هل ندعو لروح أخي أم لحريته. «لا نعرف ما نقول في صلواتنا.. ولا يوجد لدي جواب، وقلبي يملؤه الأسى».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد