في الأشهر التسعة الأولى من عام 2016، زادت كرواتيا صادراتها من الأسلحة والذخائر اليوغوسلافية إلى المملكة العربية السعودية زيادة كبيرة، إذ باعت زغرب إلى المملكة ما تقدّر قيمته بـ88 مليون دولارٍ من الذخائر وقاذفات الصواريخ والقنابل.

الصادرات الكرواتية إلى السعودية والأردن تعدُّ المرحلة الأولى من خط إمدادٍ يبدأ من دول وسط وشرق أوروبا، مرورًا بدول الخليج، وانتهاءً إلى مناطق النزاع في الشرق الأوسط بمباركة الولايات المتّحدة، في مخالفة صارخة للقانون الدولي. عن طريق هذا الخط، تحصل الجماعات المُقاتلة على الأرض بانتظامٍ على الأسلحة والذخائر اللازمة لاستمرار القتال، منذ اندلاع الاقتتال الأهلي في سوريا عام 2011.

يكشف هذا التحقيق الاستقصائي، الذي أجرته الشبكة البلقانية للتحقيقات الاستقصائية BIRN ومشروع التحقيق في الجريمة المنظّمة والفساد OCCRP، كيف تربَّحت كرواتيا من الحرب المروّعة في سوريا، واستغلَّتها في التخلّص من مخزون الأسلحة المُتراكم في كرواتيا منذ ما بعد الانفصال عن يوغوسلافيا.

أطنان من الأسلحة

في حين كانت صادرات الأسلحة الكرواتية منخفضة جدًا قبل 2012، حين بلغت صادرات كرواتيا من الأسلحة أقل من مليون يورو في العام، فإن الأزمة السورية وفّرت سوقًا يُمكِّن كرواتيا من إسالة ممتلكاتها من الأسلحة العتيقة في الشرق الأوسط وجني أرباح هائلة. كانت كرواتيا من أوائل الدول التي سارعت إلى إمداد السوريين بالأسلحة منذ شتاء 2012، من المخزون الكبير الذي تمتلكه منذ الحرب الانفصالية عن يوغوسلافيا.

وفقًا للتحقيق، حاولت كرواتيا جاهدة إبعاد تفاصيل تجارة الأسلحة الكرواتية عن عناوين الأخبار، عن طريق حذف معلوماتٍ رئيسية من التقارير الحكومية الرسمية. إلا أنّ الصحافيين تمكّنوا من تخطي ذلك التعتيم باستخدام بياناتٍ تجارية صادرة عن الأمم المتّحدة، تكشف أن كرواتيا صدّرت، منذ ديسمبر (كانون الثاني) 2012، ما تقدّر قيمته بـ134 مليون دولارٍ من الأسلحة والذخائر إلى المملكة العربية السعودية، و47 مليونًا إلى الأردن، وفقًا لموقع Comtrade التابع للأمم المتّحدة.

وبين شهري فبراير (شباط) وسبتمبر (أيلول) من العام الماضي، صدّرت كرواتيا أكثر من 2,600 طن من الذخائر العتيقة الزائدة عن حاجة القوات المسلحة في زغرب، إلى جيش المملكة العربية السعودية المزوّد بالتقنيات الحديثة، لتزيد الصادرات الكلية من كرواتيا إلى المملكة عن 6 آلاف طنٍ من الأسلحة الخفيفة والذخائر.

وعند المُقارنة بين الحالة العتيقة لأطنان الأسلحة التي تصدّرها كرواتيا للمملكة، وبين التقدّم التقني والعتاد العسكري للجيش السعودي، لا يصعب استنتاج أن الوجهة النهائية لهذه الشحنات ليست المملكة، وإنما الجماعات المسلّحة الموالية لها في سوريا واليمن.

يقدّم التحقيق أدلّة جديدة حاسمة تؤكّد ما أشار إليه خبراء الأسلحة وهواة متابعتها على شبكات الإنترنت من قبل، وهو أنّ الأسلحة المستخدمة في سوريا من أصلٍ كرواتي. يُشير التحقيق إلى ثلاث صور نُشرت على موقع تويتر، تُظهر قاذفات قنابل معروضة للبيع (أو تُستخدم) في سوريا تحمل الرمز RBG-6؛ وهو طراز من قاذفات القنابل لا تصنّعه سوى كرواتيا. كما تُظهر مقاطع مصوّرة حركات مدعومة من الولايات المتّحدة، منها كتائب نور الدين الزنكي، تستخدم قاذفات صواريخ من طراز RAK القديم المُنتَج حصريًا في كرواتيا.

الأيادي الخاطئة

لكن جماعات المُعارضة «المعتدلة» لم تكُن الوحيدة التي وضعت أيديها على التسليح الكرواتي، وفقًا لمنظمات حقوق الإنسان. منذ عام 2013، وصلت أسلحة كرواتية ويوغوسلافية إلى متناول تنظيم داعش وجبهة النُصرة، وفقًا لتقارير منظمة العفو الدولية.

إيليوت هيجينز، الباحث والصحافي الاستقصائي المتمركز بلندن، كان أوّل من تعرّف على الأسلحة البلقانية المُستخدمة في الحرب السورية. بسؤاله عن انتشار الأسلحة الكرواتية في سوريا، قال: «لقد رأينا جماعاتٍ مثل داعش وجبهة النصرة تستخدم هذه الأسلحة، إلا أنّ كيفية حيازتها لها غير واضحة. من المُمكن أن تكون غنيمة تحصّلتها من جماعاتٍ أخرى، أو مُباعة بين الجماعات، أو تم توفيرها بشكلٍ مباشر».

وعلى الرغم من الاتهامات الموجّهة إلى كرواتيا، يجادل مسؤولون كرواتيون بأنّ المملكة وفرت مستنداتٍ سليمة تزعم أن قوات الشرطة السعودية وقواتها المسلّحة ستستخدم تلك الأسلحة ولن تُعيد بيعِها أو تصديرها، وبالتالي تنتهي مسؤولية كرواتيا عند التحقّق من صحّة المستندات.

لكن باتريك ويلكين، الباحث بمنظمة العفو الدولية، قال إن كرواتيا ملزمة بمنع تحويل الأسلحة إلى دولة أخرى واستخدامها في انتهاكاتٍ صارخة لحقوق الإنسان، وفشلها في ذلك يعدّ خرقًا للقانون الدولي ولمعاهدة تجارة الأسلحة. وقد أوقفت هولندا بالفعل صادرات الأسلحة إلى سوريا على إثر تقارير تُفيد باستخدام الأسلحة في ارتكاب جرائم حرب في اليمن، وتتصاعد المطالبات في المملكة المتّحدة وألمانيا إلى اتخاذ إجراءٍ مماثل.

على ما يبدو، ما زالت شحنات الأسلحة تصل إلى سوريا، كما يُظهر مقطعٌ مصور أذاعته شبكة روسيا اليوم في ديسمبر (كانون الأول) 2016، يُظهر شُحناتٍ كرواتية غير مستخدمة من الصواريخ وقذائف الهاون استولت عليها القوات الحكومية السورية. وقد وجّه بوديل فاليرو، مقرّر لجنة الأسلحة بالبرلمان الأوروبي، انتقاداتٍ إلى كرواتيا ودعا الاتحاد الأوروبي إلى إحكام قبضته على صادرات الأسلحة.

لقد استغلّت كرواتيا السعودية لأنّها من غير المسموح لها التصدير مباشرة إلى سوريا. والأسلحة تنتهي إلى أيدي داعش والأكراد. يجب أن نبذل جهدًا أكبر بكثيرٍ.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد