نشر موقع «إنترناشونال أفيرز» الروسي مقالًا للصحافي أندري إيساييف حول المتغيرات التي طرأت على العلاقات الإسرائيلية – التركية، قال في مستهله: «كانت تركيا من بين أوائل دول العالم التي اعترفت بإسرائيل، وحافظت كل من أنقرة وتل أبيب منذ ذلك الحين ولفترة طويلة على شراكة اقتصادية وعسكرية متينة. إلا أنه ومنذ تولى رجب طيب أردوغان رئاسة الوزراء عام 2003، ونصّب نفسه كوصي أوحد على الدولة الفلسطينية؛ بدأت العلاقات في التدهور».

محطات في طريق تدهور العلاقات

يتابع الكاتب: كان هناك عدة محطات رئيسة في هذا المنزلق الذي تدهورت معه العلاقات الإسرائيلية التركية، كان أولها عملية «الرصاص المصبوب» التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة أواخر عام 2008، واستمرت حتى بداية 2009، ثم اشتباك أردوغان الجلي على أثرها مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. 

ثم جاء استيلاء البحرية الإسرائيلية على السفينة التركية «مافي مرمرة» التي كانت تحاول خرق الحصار المفروض على غزة – يواصل الكاتب – وتقديم المساعدات للفلسطينيين المحاصرين هناك في 2010. أعقبها في 2018 نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وقمع الاحتجاجات الفلسطينية المعارضة لذلك. وأخيرًا «صفقة القرن» التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتسعى إسرائيل لتنفيذها في المستقبل القريب.

تركيا الطرق الصوفية

تطورت المسألة إلى اتهام أردوغان الصريح لإسرائيل بممارسة إرهاب الدولة إذ قال: «نحن نتعامل مع إرهابيين، ولكن الإرهابيون ليسوا مشكلتكم الرئيسة؛ لأنكم في الأصل دولة إرهابية. التاريخ يسجل ما فعلتموه كدولة إرهابية في غزة والقدس».

وفي العام الماضي، اتهمت تركيا إسرائيل وفرنسا (وليس الولايات المتحدة لسبب ما!) بمحاولة إنشاء دولة كردية في سوريا، بمساعدة وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني. ردت إسرائيل على ذلك الخطاب بالقدر نفسه من الشدة، واتخذت خطوات مناسبة على صعيد السياسة الخارجية. فتقاربت مع كل من اليونان وقبرص نتيجة لذلك (يجري الجيش الإسرائيلي تدريبات مشتركة مع الجيش القبرصي)، وأصلحت علاقاتها مع منافسي تركيا التقليديين في المنطقة: المملكة العربية السعودية، والإمارات.

ودان رئيس الوزراء الإسرائيلي في تغريدة له على «تويتر» في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019 العملية العسكرية التركية الجديدة في سوريا، قائلًا: «إن إسرائيل مستعدة لتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الكردي الشجاع». وفي يناير (كانون الثاني) 2020، وضعت إسرائيل تركيا على قائمة التهديدات التي تواجهها الدولة اليهودية. 

يتابع الكاتب: وفي حين أدى التقارب مع حماس وخطابات الإدانة لمصر والدول الخليجية (اتهمتها تركيا مؤخرًا بالخيانة لعدم إدانتها خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط) إلى فرض عُزلة أكبر على أنقرة. وعبرت عن ذلك صحيفة «هآرتس» بشيء من الارتياح، إذ قالت إنه لم يبق لدى تركيا اليوم إلا حفنة من الأصدقاء في الشرق الأوسط؛ قطر، وإيران، وحماس. 

الدفء يحل على العلاقة الإسرائيلية التركية

يضيف الكاتب أن تركيا كانت تسعى لتعزيز مكانتها في المنطقة عبر وصفها إسرائيل بالعدو، ولكن يبدو أن هذه اللعبة الجيوسياسية أدت إلى نتائج عكسية؛ إذ قامت إسرائيل بتطبيع علاقاتها مع العديد من الدول العربية الموالية للولايات المتحدة. وأصبحت إسرائيل الآن تقدر هذا التقارب أكثر من الحفاظ على علاقة جيدة مع تركيا؛ التي – وعلى عكس دول الخليج – ولأسباب عدة غير قادرة على خلق مشكلات للدولة اليهودية.

 ولكن جائحة فيروس كورونا أحدثت بعض المتغيرات على هذه الصورة. ففي أبريل (نيسان) الماضي، أرسلت تركيا بدواعٍ إنسانية – وإن كانت لأهداف تجارية أيضًا – مجموعة كبيرة من الكمامات وقفازات الاستعمال الواحد وبدلات واقية لإسرائيل. وبعد شهر من ذلك، ردت إسرائيل الجميل لتركيا عن طريق إرسال طائرة شحن من شركة «إل عال» الإسرائيلية إلى إسطنبول (وهي أول رحلة لهذه الشركة إلى تركيا منذ عقد من الزمان) محملة بالإمدادت والمعدات الطبية.

يلفت الكاتب إلى أن دفء العلاقات بين البلدين قد لا يقتصر على مثل هذه التحركات، ولكن يمكن للغاز الطبيعي أن يؤسس علاقة وثيقة طويلة الأمد بينهما. ويعود تاريخ اكتشاف احتياطيات الغاز الطبيعي على النطاق الصناعي في المنطقة الاقتصادية الخاصة بإسرائيل إلى الأعوام بين 2009 و2013. ثم بدأت إسرائيل في مارس (أذار) 2017 بتصدير الغاز إلى الأردن.

 Embed from Getty Images

احتجاجات الأردنيين على استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل

ولطالما حاول الرئيس أردوغان تحويل بلاده إلى مركز طاقة بالنسبة لأوروبا؛ إذ ليس لدى تركيا احتياطات هيدروكربونية خاصة بها، فلماذا لا تسيطر على مثل هذه الاحتياطات في مكان آخر؟ لذا قررت تركيا بناء خط أنابيب لنقل الغاز الروسي، والأذري، والإيراني، والتركماني، والكازاخستاني إلى الغرب، وكذلك إلى إسرائيل. 

وكان موقع «ميدل إيست آي» البريطاني قد أفاد مؤخرًا بأن إسرائيل تنوي استعادة العلاقات الدبلوماسية مع أنقرة بالكامل، مراعاةً للمصالح المشتركة بين البلدين، والتي شملت – وفقًا للموقع – الوضع في سوريا والغاز الطبيعي. 

ووفقًا لبعض وسائل الإسرائيلية والتركية أيضًا فإن البلدين يتفاوضان حاليًا على ترسيم مناطق مصالحهما الاقتصادية في شرق البحر المتوسط ومدّ أنابيب الغاز. وأكدت قناة «تي أر تي وورلد» الإخبارية التركية أن إسرائيل رفضت التوقيع على قرار يدين تحركات تركيا في ليبيا، بينما وقعته بالفعل عدد من الدول مثل: اليونان، ومصر، وقبرص، والإمارات العربية المتحدة، وفرنسا. في حين عبرت صحيفة «ديلي نيوز» التركية بوضوح عن اهتمام أنقرة بخط أنابيب الغاز الجديد. 

وهذه ليست بالمسألة الجديدة، ففي يوليو (تموز) 2017 اتفقت إسرائيل وتركيا على إنشاء خط أنابيب غاز يربط بين البلدين. وكانت إسرائيل في الوقت نفسه تجري مباحثات مماثلة مع قبرص واليونان وإيطاليا، واختارت في نهاية المطاف المسلك الثاني. ويلفت الكاتب إلى أن العديد من الخبراء داخل إسرائيل نفسها يعتبرون هذه الاتفاقية بمثابة حيلة دعائية؛ فالمشروع مكلف بشكل غير منطقي، ومعقد للغاية تقنيًا، بالإضافة إلى أن إيطاليا لم تؤكد رسميًا بعد انضمامها له.

بالإضافة إلى ذلك ستحاول تركيا جاهدة بكل ما أوتيت من قوة التأكد من عدم إتمام هذا المشروع. وقد أعلنها أردوغان بالفعل حيث قال: «لا يمكن لأي مشروع في منطقة البحر المتوسط أن يحيا اقتصاديًا، أو قانونيًا، أو دبلوماسيًا بدون تركيا». 

وهذا ليس مجرد تهديد أجوف؛ فالسفن الحربية التركية تبحر بالفعل قبالة سواحل قبرص وتجبر سفن الدول الأخرى وفرق الاستكشاف البيولوجي على الخروج من المنطقة. في حين أبدى الرئيس التركي أيضًا تحفظًا هامًا هنا حين قال: «إن بلاده مهتمة بالتفاوض مع أي دولة عدا قبرص؛ وهو ما يعني أيضًا إسرائيل». 

المصالح تأتي أولًا

يتابع المقال: مثاليون كما قد يكون خطابهم السياسي، فكل من إسرائيل وتركيا تسترشد بمبادئ الواقعية السياسية في سياساتهم الخارجية؛ لأن اليهود براجماتيون تمامًا كالأتراك. تتضح حقيقة ذلك من واقع أن إسرائيل تحصل الآن على وارداتها من النفط من أذربيجان عبر الأراضي التركية. 

أردوغان وبوتين

إلى جانب ذلك تصادف أن كانت تركيا متقاربة مع كردستان العراق على الرغم من كون الأخيرة تصف نفسها كمركز للحركة الكردية في المنطقة بأكملها. وفي ظل هذه الظروف المتمثلة في حقيقة أن إربيل على خلاف مع حزب العمال الكردستاني – النشط في تركيا – وحلفائه في سوريا، وجدت أنقرة ذلك سببًا كافيًا للحفاظ على علاقات جيدة مع قادة كردستان العراق. 

ومن الجدير بالذكر هنا أيضًا هو موقف إسرائيل المتحفظ – أكثر تحفظًا حتى من موقف حلفاء أنقرة في حلف شمال الأطلسي – فيما يتعلق بالقضايا الحساسة مثل: الاحتلال التركي للجزء الشمالي من قبرص، والاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن في زمن الإمبراطورية العثمانية. 

وبالعودة لمسألة البراجماتية اليهودية والتركية، فمد خط أنابيب غاز افتراضي على طول الساحل السوري أو في مياه سوريا الإقليمية سيكون أقل تكلفة بكثير من اتخاذ مسار المياه العميقة، وأسهل من الناحية الفنية والسياسية. 

هل هذا غير واقعي؟ يتساءل الكاتب، ويستدرك: الشرق عبارة عن لغز يلفه الغموض ولا يمكن التنبؤ بما سيحدث به أيضًا. اختيار هذا المسار يبشر بمزايا اقتصادية كبيرة لجميع المشاركين في المشروع. والأهم من ذلك أنه إذا تم تنفيذ هذا المشروع، فسيؤدي إلى تغيير جذري في علاقات مثلث أنقرة ودمشق والقدس، إضافة إلى التغيير الجيوسياسي لهذا الجزء الأفضل في الشرق الأوسط.

صحيح أن القيادة السورية تعتبر إسرائيل وتركيا دولتين عدوتين، ولكن يجب عليها أن تضع بعين الاعتبار أن مشروعًا كهذا سيعيد سوريا إلى نظام العلاقات الدولية، وسيساعدها في جذب الاستثمارات إلى البلاد؛ وهو الأمر الحيوي لإعادة تنشيط الاقتصاد. حتى إيران عليها أن تقبل هذا الأمر كحقيقة إذا كانت تريد حقًا رؤية سوريا تزدهر. 

وعود ومصالح يحققها خط أنابيب الغاز الجديد

يقول الكاتب: حتى وإن كان الأمر صحيح وفقًا لرواية رئيس النظام بشار الأسد، من أن الأزمة السورية اشتعلت بتحريض خارجي لمنع بناء خط أنابيب النفط الإيراني الذي يعبر الأراضي السورية، فبناء خط أنابيب جديد يمكن أن يكون خطوة عملاقة نحو حل هذا الوضع. 

يعلق الكاتب قائلًا: بالمناسبة، هذا الأمر يجب أن تراه الولايات المتحدة مناسبًا من عدة أوجه؛ فمن ناحية تظل إسرائيل هي الحليف الإستراتيجي الرئيس لأمريكا في الشرق الأوسط، ومن ناحية أخرى، يتطلع الأمريكيون لتطبيع العلاقات مع تركيا التي تحولت إلى قوة إقليمية رائدة. إذ أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في مارس الماضي أن تحسين علاقات أية دولة مع إسرائيل مفيد لكل دول المنطقة، بل إنه العامل الأساسي لازدهاها. ومما لا شك فيه أن هذه الرسالة موجهة أيضًا لأنقرة. 

ويختم الكاتب بقوله: «إن على روسيا أن تكون الوسيط في المفاوضات بين أنقرة ودمشق والقدس لتحقيق المكاسب السياسية؛ نظرًا لمستوى وطبيعة علاقاتها مع جميع البلدان المشاركة فيما قد يبدو في الوقت الحاضر مشروعًا افتراضيًا. فببساطة لا يوجد شخص آخر مناسب لهذه الوظيفة أكثر منها».

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
مترجم: بعد الاتفاق التركي الليبي.. ما مستقبل حروب الغاز في شرق المتوسط؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد