وفقًا للمحلّلين والمراقبين للأوضاع هناك، لا يبدو أن الحرب المشتعلة في سوريا ستنتهي قريبًا. تحرص الجهات الداعمة لطرفي الصراع -النظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد من جهة، والمطالبين بإزاحته عن السلطة من جهة أخرى- على تحقيق توازن يضمن استمرار الصراع لأطول فترةٍ ممكنة، بما يخدم مصالحها هي في المنطقة، بلا اكتراثٍ للاستنزاف المستمر للموارد الرئيسية، والدمار الذي حلّ بالشعب، وبالبنية التحتية.

تستعرض منصة «الإنترسبت» تحليل «كريستوفر فيليبس» المميز للعوامل التي تؤدّي إلى استمرار الحرب السورية، في كتابه «المعركة من أجل سوريا: الخصومة الدولية في الشرق الأوسط الجديد». التحليل، كما تصفه «الإنترسبت»، متألق على عكس «الأعمال التي أنتجها خبراء مزعومون، إمّا يفتقرون إلى الحياد، أو إلى الاطّلاع، أو كليهما».

صراعٌ لا ينتهي

لطالما كانت سوريا حلبة صراعٍ  بين حضاراتٍ ودول مختلفة. يمرّ التقرير بالتاريخ السوري منذ استيلاء بريطانيا عليها من أيدي الأتراك في 1918، ثمّ تسليمها إلى فرنسا في 1920، ثم استعادتها مرة أخرى في 1942، لتحظى سوريا باستقلالها في 1942. لم يمنع ذلك الإعلان الصوري بأن سوريا دولة مستقلة من اتخاذها مسرحًا للحرب الباردة بين الولايات المتّحدة، والاتحاد السوفيتي.

ثمّ جاء تيار من الانقلابات العسكرية انتهى عام 1970، ليضع حافظ الأسد على سدّة الحكم، ويجعل سوريا تميل ناحية الكرملين. صحيحٌ أنّ الأسد لم يكن التابع الخانع الذي أملته روسيا، إذ أغضب الكرملين في أكثر من موضعٍ بالتقارب مع الولايات المتّحدة، في لبنان وفي حربها لتحرير الكويت عام 1991. إلا أن العلاقة بين سوريا وأمريكا سرعان ما عادت إلى طبيعتها، إذ صنّفتها أمريكا على أنّها دولة إرهابية تدعم حزب الله في لبنان، وتتمتع بعلاقات وثيقة مع إيران.

ثورات الربيع

 

ينقل التقرير عن فيليبس ما كتبه عن الشرق الأوسط عشيّة الحرب الأهلية السورية. «بدا الجوّ في الشرق الأوسط، وسوريا، مستقرًا بشكلٍ خادع». لم تكن المنطقة مستقرة، بل جامدة. وكان أحد عوامل تحريك الوضع هو اتجاه الولايات المتّحدة إلى الانسحاب من التدخّل في الشرق الأوسط، مثلها مثل بريطانيا وفرنسا في مغامرتهما للاستيلاء على قناة السويس منذ 40 عامًا؛ ذلك التدخّل الذي بدأ يستنفذ موارد أكثر من اللازم بلا نتائج مبشرة. وقد اعترف الرئيس الأمريكي باراك أوباما في خطابه بجامعة القاهرة عام 2009، أن «أمريكا لا تفترض أنها تعرف الأفضل للجميع».

مثّلت تونس الدفعة الأولى لكرة الثلج، إذ أسقطت رئيسها زين العابدين بن علي، ليطرح نجاح الثورة التونسية الثورة خيارًا أمام الحشود العربية الغاضبة. انتشر فيروس الغضب في بلدان عربية أخرى، لكنّ النتيجة كانت مختلفة في كل دولة، وفقًا للتقرير. في البحرين، نجحت العائلة المالكة بمساعدة آل سعود في سحق الاحتجاجات. في مصر، رحل ديكتاتور، ثمّ أتى الناخبون برئيسٍ إسلامي متعصّب تظاهروا ضده بعدها، ثمّ جاء ديكتاتور عسكري جديد ليُعيد النظام القديم في صورة أعنف، وأكثر وحشية. وفي ليبيا، قادت الاضطرابات إلى تدخّل الناتو، لتذهب الديكتاتورية، وتعمّ الفوضى.

رهان على الثورة

 

كل قصص الفشل هذه لم تمنع القوى الخارجية من الابتهاج بالعصيان السوري، بصفته فرصة لإسقاط نظامٍ متحالف مع إيران الشيعية، وحزب الله، وبالطبع روسيا. لكن هذه القوى الخارجية لم تشارك المحتجين السوريين أهدافهم، والتي تمثّلت في إنهاء القمع المنهجي لحرياتهم الأساسية. في البدء طالبوا بإصلاحات داخل النظام، لكن تفاقم الأمور والتعامل الأمني مع التظاهرات رفع المطالب إلى رحيل بشار الأسد، كل هذا بدون تدمير الدولة نفسها، كما فعلت الولايات المتّحدة بالعراق.

ما أرادته المملكة العربية السعودية وقطر، وفقًا للتقرير، كان إزاحة بشار الأسد، وجلب حاكمٍ منتمٍ للأغلبية السنية يُعادي إيران، ويفرض حكمًا وهابيًّا مشابهًا لحكم هاتين الدولتين، حيثُ تُقمع الحريات الأساسية كذلك. وبينما وفرت الولايات المتّحدة الدعم اللوجستي والخطابي للثوار، ممنّية إياهم -كما فعلت بالوطنيين المجريين في  1956- بتدخّل عسكري لم يأتِ حتى الآن، فإنها تركت الدعم بالمال والرجال والسلاح للحلفاء الإقليميين، السعودية، وقطر، وتركيا؛ كلٌ بأهدافٍ وإستراتيجياتٍ مختلفة. أمّا روسيا فلم تتردّد في دعم نظام بشار الأسد؛ عميلها الوحيد في العالم العربي ضد الأخطار المحدقة به، بعد أن خسرت مصر وليبيا ودولًا أخرى قبل أعوام.

والنتيجة كانت كالآتي: بحلول منتصف 2012، كما يقول فيليبس، انقسمت المعارضة إلى 3250 جماعةً مسلحةً فشلت كل محاولات توحيدها تحت رايةٍ واحدة، لأن قادتها وضعوا الغنائم فوق تحقيق النصر، ولأن القوى الخارجية رفضت التنسيق مع بعضها البعض.

اليوم، يصل عدد ضحايا الحرب الأهلية السورية إلى أكثر من 500 ألف قتيل، وأُخرج حوالي نصف سكّان سوريا، البالغ عددهم 22 مليونًا، من ديارهم. وما تزال الحرب مستمرة؛ كلما تراجع الأسد زادت روسيا وإيران من المساعدات، والعكس بالعكس على جانب الثوار، من ناحية السعودية وقطر وتركيا.

 

التغيير الوحيد المحتمل قد يتمثّل في فوز هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية، وتوليها مقاليد الحكم في 2017، إذ كانت دائمًا مناصرة للتدخل العسكري المباشر، وفرض منطقة حظر جوي بإشراف أمريكي، وهو ما يهدّد بحربٍ صريحة بين الولايات المتّحدة، وروسيا. ومع أن فيليبس يرى أن أوباما قد عزف عن الخروج بخطة طوارئ حين كان ينبغي عليه فعل ذلك، إلا أنّه يراه محقًّا في تفادي المواجهة المباشرة مع روسيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد