نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية مقالًا للكاتب باتريك كوكبيرن عن معركة البقاء اليومية في مدينة إدلب، آخر معاقل المعارضة المتبقية في سوريا، والتي أصبحت أشبه بقطاع غزة المحاصر، والتطورات الخطيرة التي تشهدها المدينة، والتي تفاقمت مع تفشي فيروس كورونا المُستجد.

سكان إدلب بين المطرقة والسندان

يستهل الكاتب مقاله على لسان هدى حسين، المعلمة التي تبلغ من العمر 25 عامًا وتعيش في محافظة إدلب التي يسيطر عليها الثوار في شمال غرب سوريا. تقول هدى: «عاش عديد من أقاربي في مخيمات بالقرب من الحدود مع تركيا». وتضيف: «لكنهم عادوا الشهر الماضي إلى ديارهم في المدن والقرى؛ لأنهم يفضلون الموت تحت وقْع الضربات الجوية على الموت في المخيمات». وقال لها ابن عمها: «نحن نفر من خطرٍ إلى خطرٍ»، موضحًا أن بؤس محاولة البقاء على قيد الحياة في الخيام المكتظة أسوأ بكثير من قصف روسيا وقوات الحكومة السورية لهم.

Embed from Getty Images

ويضيف الكاتب أن نقطة الانهيار بالنسبة لـ 2.6 مليون سوري من المعادين لرئيس النظام السوري بشار الأسد، ممن لجأوا إلى إدلب، لاحَتْ هذا الصيف. إذ فرضت الولايات المتحدة عقوباتٍ اقتصادية مدمرة على سوريا، وزاد الطين بلة مع ظهور جائحة فيروس كورونا، الأمر الذي حوَّل الأزمة إلى كارثة. وضربتْ العقوبات والمرض معًا السكانَ الذين يعانون بالفعل من نقص في الغذاء والمأوى والرعاية الطبية. تقول هدى إن سوريا بأسرها عانتْ معاناةً شديدة، لكن «إدلب هي أكثر مناطق البلاد بؤسًا» وتُعد معاناتها الأسوأ على الإطلاق.

هل تصبح إدلب قطاع غزة القادم؟

وصف فابريس بالانش، الخبير في شؤون شمال سوريا في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، جيب المعارضة في إدلب بأنه «قطاع غزة القادم». إذ أصيبت المحافظة بالدمار نتيجة تعرضها لقصف القنابل ونيران المدفعية، ولم يَعُد الجيب يُمثل سوى ثلث حجمه الذي كان عليه قبل ثلاث سنوات مضت بعد سلسلة من التقدمات التي أحرزتها الحكومة السورية.

وكان معظم سكان إدلب قد فروا إلى منطقة صغيرة جدًّا على طول الحدود التركية هربًا من القنابل والقذائف، لكي يكونوا على مقربة من نقاط توزيع المساعدات الأجنبية. وبقي البعض، مثل هدى حسين (ليس اسمها الحقيقي)، في الجنوب في مدينة إدلب وحَوْلها حيث الظروف المعيشية أفضل، لكن تهديدات الحرب وأخطارها أسوأ.

وفي مقابلة مع صحيفة «الإندبندنت»، ترسم هدى صورة بيانية لمزاج اليأس الذي يجتاح آخر معاقل المعارضة، باستثناء المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد في شمال شرق سوريا. وتصف كيف فرَّت عمَّتها من مدينة إدلب قبل عام ونصف العام لتعيش في مخيم للنازحين بعد تعرض منزل جارتها للتدمير جزئيًّا جرَّاء غارة جوية. وعادت العمة الآن قائلة إن: «الموت في غضون دقيقة تحت وقع غارة جوية روسية أفضل بكثير من الموت من فيروس كورونا مثل الكلاب».

خيام إدلب أشبه بسجن تدمر

ولفت الكاتب إلى أن هدى درَّست لمدة عامين في مخيمات مختلفة، يبلغ عددها، حسب اعتقادها، 1200 مخيم، يوجد بها قليل من الرعاية الصحية ولا مجال للتباعد الجسدي. وفي هذا الصدد، تقول: «رأيتُ خيامًا ينام فيها 15 شخصًا بوضعيِّة الرأس عند القدمين (رأس بعض الأشخاص ناحية أقدام البعض الآخر) مثل السجناء في سجن تدمر الحكومي سيئ السمعة». وكان الأمر الصادم للغاية بالنسبة لها هو عدد العائلات التي ليس لديها حتى خيمة للنوم فيها. وتقول هدى: «إنهم يستخدمون السجاد والحصير فقط لصنع ملجأ هش».

Embed from Getty Images

لقد أصبح الحرمان في إدلب سيئًا بالفعل بعد مضي تسع سنوات من الحرب الأهلية، اكتظ خلالها 1.3 مليون سوري، بالإضافة إلى السكان الحاليين، في منطقة تتقلص باستمرار. ويصعب على المرء تصور كيف يمكن أن تزداد الحياة سوءًا، لكن حدثين وقعا هذا الصيف أكَّدا أنهم وصلوا إلى هذا الحد تمامًا.

الحدث الأول كان العقوبات الأمريكية الجديدة – التي يُطلَق عليها قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا – والتي وقَّعها الرئيس دونالد ترامب العام الماضي ونُفِّذت في 17 يونيو (حزيران) من هذا العام. ويُفترض أن تردع هذه العقوبات الأسد عن قمع السوريين العاديين، من خلال فرض عقوبات شديدة على أي فرد أجنبي أو شركة تتعامل مع سوريا.

العقوبات الأمريكية تضرب السوريين بشدة

يشير الكاتب إلى أن هذه الإجراءات جعلت جميع السوريين، المؤيدين للأسد والمعارضين على حد سواء، منبوذين اقتصاديًّا وخاضعين لحصار اقتصادي خانق. وأدَّى الحصار إلى انهيار العملة السورية وارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية الأساسية، وتضاعف سعر القمح والأرز والبرغل ثلاث مرات. وحدث كل هذا في بلد قال عنه برنامج الغذاء العالمي في شهر يونيو (حزيران) إن «المجاعة يمكن أن تطرق أبوابه».

ومُنِح القانون الجديد غطاءً إنسانيًّا من خلال تسميته على اسم مستعار لمصور الحكومة السورية الذي التقط صورًا لجثث عشرات الآلاف من السوريين الذين قُتِلوا على يد النظام (وينفي المسؤولون السوريون الاتهام). أما الدافع الأكثر ترجيحًا والأقل إيثارًا فهو أن واشنطن تريد حرمان روسيا وإيران والأسد من تحقيق نصر كامل في الصراع السوري من خلال ضمان ألا تشهد البلاد تعافيًا من المستوى الحالي للدمار، حتى لو ظل الأسد مسيطرًا على الحكم.

وكما هو الحال مع عقوبات الأمم المتحدة التي فُرضِت ضد صدام حسين قبل 30 عامًا مضت، من غير المحتمل أن تتضرر القيادة السورية على نحو خطير جرَّاء العقوبات المشددة؛ لأن العبء سيقع على عاتق الفقراء والضعفاء وحدهم. وتقول مجموعة الأزمات الدولية ومقرها بروكسل: «عادةً ما تكون النخب السياسية في وضع جيد تتجنب من خلاله تأثير العقوبات أو حتى الاستفادة من حالة نقص المؤن الناجمة عنها، في حين أن الضرر الحقيقي يصيب الغالبية العظمى من السكان».

وهذا بالتأكيد ما يحدث في سوريا؛ حيث كانت إدلب التي مزَّقتها الحرب هي الأكثر تضررًا. ومع انهيار الليرة السورية، تحولت حكومة الإنقاذ المحلية (التي تهيمن عليها هيئة تحرير الشام الجهادية) إلى الليرة التركية، لكن مستوى المعيشة غير اللائق بالفعل لا يزال ينهار.

تقول هدى: «انخفض راتبي الشخصي من ما يعادل 160 دولارًا إلى 100 دولار شهريًّا، بينما شَهِد أخي، وهو عامل بِناء، انخفاض راتبه من 6 دولارات إلى 3 دولارات في اليوم». وفي الوقت نفسه، ارتفعت الأسعار ارتفاعًا كبيرًا، حتى أن ملء خزان المياه في المنزل بمياه الشرب أصبح يكلف كثيرًا. وتؤكد روايتها ما خلُصت إليه مجموعة الأزمات الدولية من أن العقوبات التي تهدف إلى حماية المدنيين السوريين من النظام «ربما تؤدي إلى إلحاق الضرر بهم بدلًا من ذلك».

المصائب لا تأتي فرادى

يقول كاتب المقال، المتخصص في تحليل العراق وسوريا والحروب في الشرق الأوسط، في غضون أسابيع قليلة من صدور قانون قيصر، ضربت كارثة ثانية الناس في إدلب. إذ وصلت جائحة فيروس كورونا المُستجد إلى هناك في وقت متأخر بسبب عزلة الجيب، وبعد أن جلبها، كما يعتقد السكان المحليون، الأطباء والممرضات الأتراك (وهذا أمر غير محتمل لأن الفيروس بدأ ينتشر في بقية سوريا في هذا الوقت).

Embed from Getty Images

وقبل شهر، أصيب شقيق هدى بالفيروس وبقي في المنزل لمدة ثلاثة أيام. تقول هدى: «لم يتلقَ أخي أي دواء، وتناول بعض أقراص الباراسيتامول فحسب لتسكين الألم وإمكانية الخلود إلى النوم». وأخبره طبيب اتصلنا به عبر الهاتف بأن يلتزم بالحجر الصحي لمدة 14 يومًا، لكنه قرر أنه يتعين عليه العودة إلى العمل، وأخبر أسرته أن «الحرب يشنها البشر ولكن فيروس كورونا جاء من عند الله ولا يمكن لأحد إيقافه». وتأمل هدى أن يتمتع أخوها، بصفته عامل بِناء، بالقوة البدنية اللازمة للبقاء على قيد الحياة.

ويذكر الكاتب أنه حتى لو طُلِب المزيد من المساعدة الطبية، فلن يكون هناك الكثير لتقديمه. وفي هذا الشأن، قال صديق في هيئة الصحة في إدلب لهدى إنه في الجيب بأكمله لا يوجد سوى حوالي 3 آلاف سرير مستشفى لحوالي 3 ملايين شخص. ودمِّر عديد من المستشفيات أو لحق بها الضرر بسبب تعرضها للقصف ونيران المدفعية من جانب الروس والحكومة السورية. تقول هدى: «في البداية، حاول الناس عزل أنفسهم، لكن الازدحام الشديد جعل هذا الأمر مستحيلًا حتى بعد أن علم الناس أنهم مصابون بالفيروس». 

صحة

منذ شهرين
طبيب من سوريا لـ«الجارديان»: أزمة فيروس كورونا هائلة ولا نستطيع الحديث علانية

واختتم الكاتب تقريره قائلًا: انتهت حرب إطلاق النار في معظم أنحاء سوريا بعد أن استعادت قوات الأسد السيطرة على مراكز المعارضة، لكن القتال ما زال مستمرًا في إدلب وكذلك في محافظة حلب الشمالية التي احتلتها القوات التركية. وتريد الحكومة السورية مواصلة القصف لضمان أن تظل مدن وبلدات إدلب غير مأهولة إلى حد كبير ولكي لا تصبح مركزًا للمعارضة.

وأدَّت هجماتها التي شنتها منذ عام 2017 إلى تقليص حجم الجيب إلى ثلث حجمه الأصلي أو 3.000 كيلومتر مربع. ومع ذلك، حتى هذه المساحة الصغيرة مأهولة بالسكان على نحو غير متساوٍ، حيث يقطن 2 مليون نسمة في المخيم، الموجود على طول الجانب السوري من الحدود التركية التي تقع خارج مرمى المدفعية ونادرًا ما تتعرض للقصف.

وربما عاد بعض أقارب هدى إلى منازلهم في أقصى الجنوب، لكن معظم الناس ليس لديهم ثقة تُذكر في وقف إطلاق النار الذي اتفقت عليه روسيا وتركيا في الخامس من شهر مارس (آذار). ويعتمد استئناف هجوم الحكومة السورية على نطاق واسع على القرارات التي جرى التوصل إليها في موسكو وأنقرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد