نُشرت ترجمة هذا المقال للمرة الأولى في موقع السوري الجديد، ويُعيد «ساسة بوست» نشر الترجمة بإذنٍ من الموقع.

في الوقت الذي يضيَّق فيه الخناق على حلب، ومع استمرار نظام الأسد وحلفائه بقصف المدينة، تصبح الطبيعة الخطيرة لحرب الوكالة أكثر وضوحًا من ذي قبل.

هكذا استهلَّت مجلة «دير شبيجل» الألمانية تقريرها عن الحرب بالوكالة في سوريا، وتساءلت: هل من تصعيد بين موسكو وواشنطن يلوح في الأفق؟

قابلت «دير شبيجل» أبو يزن، وهو كشاف في جبهة بلاد الشام، وهي مجموعة من الثوار تتمركز على بعد بضعة كيلومترات خارج حلقة الحصار، وقال إن اللهجة العربية السورية لم تعد تخدمهم كثيرًا في الخطوط الأمامية المحيطة بحلب.

تحاول كل مجموعة مشاركة في هذا القتال الدموي حول المدينة التجسس على الاتصالات اللاسلكية لخصومها، يقول أبو يزن عبر سكايب في آخر لحظات الهدوء عندما توقفت قنابل النظام والقنابل الروسية عن التساقط على المدينة: «لكن إن أردتُ أن أفهم ما تتحدث به القوات الموالية للأسد، يجب أن أكون متعدد اللغات».

يقول أبو يزن إن اللغة الدارية هي السائدة في «القطاع الأفغاني» قرب خان طومان جنوب غرب المدينة، والدارية لهجة من اللغة الفارسية شائعة في أفغانستان. أما في «قطاع حزب الله» في الجنوب، تُسمع العربية بلكنة لبنانية، وفي الوقت نفسه يتحدث الضباط الإيرانيون باللغة الفارسية. ويتابع الكشاف حديثه بقوله أن لا أحد يفهم الباكستانيين عندما يتحدثون اللغة الأردية، بينما تميل الميليشيات العراقية المحيطة بحلب إلى التحدث باللهجة القوية السائدة في جنوب العراق ويتابع: «لكننا اعتدنا عليها». ويقول أبو يزن إن السبب الوحيد في عدم سماعهم للروسية كثيرًا هو أن الطيارين «يستخدمون ترددات يصعب علينا اعتراضها».

وقد أصبحت مدينة حلب المدمرة والمقسمة رمزًا لأهوال الحرب الجوية التي يشنها النظام السوري وحلفاؤه ضد الثوار السنة، كما أصبحت رمزًا للعجز الغربي. إذ نادرًا ما كان الساسة الغربيون لا حول لهم ولا قوة كما هم الآن ونادرًا ما كانت الحرب الجوية في سوريا وحشية إلى الدرجة التي بلغتها الأسبوع الماضي.

الآن وبعد أن انهارت المساعي الدبلوماسية، تتجه أنظار العالم مباشرة نحو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قدّم لنظام بشار الأسد دعمه غير المشروط. كما توجه العالم بأنظاره إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما، زعيم العالم الغربي الذي لم يُرد أن يزيد من تدخله في الصراع السوري.

أرض قاحلة مرعبة

لقد كان الاعتداء الذي دام ساعات في 19 سبتمبر (أيلول) على قافلة المساعدات التابعة للأمم المتحدة -والذي يزعَم أن التحالف الروسي السوري هو الذي نفذه – هو الذي وضع حدًا للهدنة، التي تم التفاوض بشأنها بصعوبة، بعد أسبوع واحد فقط من العمل بها. ويبدو أن مروحيةً سوريةً هي التي ابتدأت بالهجوم. وتشير تقارير في صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن طائرة بدون طيار بالإضافة إلى طائرات حربية كانت تحلق في سماء المدينة، أما الثوار فليس لديهم سلاح جوي.

ويبدو أن النظام السوري، منذ أن انهارت اتفاقية وقف إطلاق النار، يعتقد من جديد أنه يستطيع أن يظهر بمظهر المنتصر في هذه الحرب. فقد قصفت الطائرات الروسية والمروحيات السورية المناطق المحاصرة شرقي حلب وحولتها إلى أرض قفر مخيفة. وحسب الأمم المتحدة، فقد لقي أكثر من 300 مدني مصرعهم في المدينة خلال الأسبوعين الفائتين كما دُمرت 5 مستشفيات إما جزئيًا أو كليًا. ويعتقَد بأن ما يقرب من 25.000 شخص لا يزالون يعيشون في حلب الشرقية، والتي تطوقها بالكامل قوات موالية لنظام الأسد.

وقد ألقيت القنابل الروسية الحارقة والخارقة للتحصينات على شرقي حلب دون أي اعتبار للمدنيين الذين يعيشون فيها. ويقول ستيفان دي مستورا، المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، إن ذلك يعد جريمة حرب. والإبادة التامة هي إستراتيجية انتهجتها روسيا بنجاح من قبل، في الاعتداء الذي نفذته في التسعينيات على العاصمة الشيشانية غروزني.

لكن على الرغم من اتهام الغرب لسوريا وروسيا بارتكاب جرائم حرب، نفت كل من دمشق وموسكو ذلك ببساطة.

وعلى الرغم من أن السوريين هم من فرضت عليهم المعاناة، إلا أن الصراع لم يعد – بالنسبة لأولئك المتورطين في القتال – لم يعد يتعلق بحلب أو حتى سوريا. ولهذا، فالخليط من اللغات المتداولة على الخطوط الأمامية وفي الجو إنما هو واحد من بين العديد من المؤشرات. يقول شريف محمد وهو مدني عَلِق في شرقي حلب: «لدي شعور بأننا أصبحنا فئران تجارب للأسلحة الروسية والإيرانية والسورية، وفئران تجارب أيضًا لتجارب الغرب السياسية».

وأصبحت هذه الحرب، في عامها السادس، حربًا عالمية نوعًا ما وذلك من ثلاثة جوانب؛ أولًا، على مدى الأعوام الأربعة الماضية تدفقت أعداد كبيرة من الأجانب إلى البلاد للانضمام إلى القتال. وقد التحق ما يزيد على 200 ألف سني متطرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ويعتقد أن ثلاثة أضعاف هذا العدد من الشيعة الذين قدموا من نحو ست دول، يعتقد أنهم يقاتلون لمصلحة نظام الأسد.

حرب الوكالة الأمريكية الروسية

ثانيًا، أدى الصراع إلى زعزعة أمن المنطقة بأكملها وهي خطوة ساعدت تنظيم الدولة الإسلامية في توسيع نفوذها بالإضافة إلى اشتعال الحرب الأهلية بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية.

أما ثالثًا، فقد أصبحت سوريا منطقة حرب بالوكالة بين أمريكا وروسيا. وإن الدور الذي ترغب أمريكا أن تؤديه في العالم والدور الذي تستطيع روسيا أن تقوم به في العالم هما على المحك الآن.

هذا وقد مضى عام على بدء تدخل بوتين في سوريا، بحجة أنه يعتزم محاربة داعش. كما حاول الأمريكيون والروس، لمدة سنة متواصلة، إقناع أنفسهم بأن لهم مصالح مشتركة في سوريا وأن بإمكانهم الاتفاق على مكافحة الإرهاب معًا، لكن حقيقة الأمر هي أن روسيا تؤدي دورًا شبيهًا بالذي اعتمدته في أوكرانيا: فهي تعمل على تزويد أحد الأطراف بكميات كبيرة من الدعم العسكري، لتصبح روسيا بذلك بحكم الواقع طرفًا في الحرب في حين تقدم نفسها على الصعيد الدولي على أنها وسيط وجزء من الحل الدبلوماسي المحتمل.

وقد تأمّل العديد من السياسيين الغربيين في أن تؤدي روسيا دورًا بنّاءً وأكثر إيجابية هذه المرة، لكن ثبت أن هذا كله مجرد وهم.

وهذا يساعدنا في تفسير السبب في الفشل المتكرر للمساعي الدبلوماسية التي تبناها عدد من الساسة الغربيين وكانوا على أمل في أن تؤدي بهم إلى حل ما. فروسيا تشارك في الغارات الجوية التي يشنها نظام الأسد على المدنيين كما انسحبت الولايات المتحدة من جميع محادثات السلام الأسبوع الفائت. وردًا على ذلك، انسحبت روسيا من صفقة للتخلص من فائض البلوتونيوم المستخدم في صنع الأسلحة، وهو ما يمكن عده تهديدًا غير مباشر لاستخدام الأسلحة الذرية.

ولأول مرة منذ زمن طويل، يدرس مسؤولون في الحكومة الأمريكية، من جديد، التدخل العسكري في سوريا وتوجيه ضربات للجيش السوري. وقد قال الجنرال السابق «ديفيد بيتروس»، الأربعاء الماضي، إن الأمر سيكون «واضحًا ومباشرًا للغاية» في تدمير القوة الجوية لنظام الأسد باستخدام صواريخ كروز وغيرها من الأسلحة التي تطلق من مسافات بعيدة.

هل حان الوقت أخيرًا لتتخذ الولايات المتحدة بعض الإجراءات؟ وما مدى خطورة التدخل الأمريكي بالقرب من روسيا؟ هل يمكن للوضع في سوريا أن يؤدي إلى حرب عالمية؟

على ما يبدو أن روسيا في محاولة منها لتقويض معقولية هذه المخاوف، ترسل اليوم سفينتين حربيتين إضافيتين وفرقاطة صواريخ مزودة بأسلحة مضادة للطيران متجهة إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط.

وقد هددت وزارة الدفاع الروسية علنًا أنها ستسقط الطائرات الحربية الأمريكية التي تحلق في السماء السورية كما صرّحت أن الجيش السوري يمتلك أنظمة صواريخ أرض جو، وهو نظام الأسلحة ذاته المستخدم في إسقاط الطائرة MH17 شرق أوكرانيا. كما يأمل بوتين ألا ينوي أوباما إطلاق حملة عسكرية للتدخل في سوريا في الأشهر الأخيرة من فترته الرئاسية.

لكن ما الذي يفعله الأوروبيون؟

في الحقيقة، ليس الكثير؛ فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لا تعتقد أننا نستطيع الحصول على الدعم الكافي لفرض عقوبات جديدة على روسيا، لا سيما وأن الحزب الديمقراطي الاجتماعي، شريكها في حلف يسار الوسط، يسعى إلى المصالحة مع موسكو.

وفي نهاية الأسبوع الماضي، كان وزير الخارجية الروسي ونظيرته الأمريكية، يتواصلان مع بعضهما البعض عن طريق الهاتف من جديد، على أقل تقدير. وقد أعلن بوتين أنه مهتم للقائه مع الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند. ومع ذلك، لا توجد احتمالات قائمة لعقد اتفاق وقف إطلاق نار جديد حاليًا. وعلى الرغم من استمرار السياسات العالمية في التركيز على الوضع السوري، لا يزال الرجال والنساء والأطفال يُقتَلون في حلب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد