كنت أنام تحت السلم المتحرك، محاطًا بحواجز بلاستيكية، وكانت أصوات إعلانات المطار توقظني.

نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية تقريرًا استعرض فيه المواطن السوري، حسن القنطار، تجربته الشخصية التي أمضى فيها نحو ثمانية أشهر عالقًا في أحد مطارات ماليزيا قبل أن يحصل على حق اللجوء إلى كندا.

استهل القنطار قصته بالإشارة إلى أنه كان يعمل مدير تسويق لشركة تأمين في أبوظبي عندما اندلعت الحرب الأهلية في بلده، سوريا، لافتًا إلى أنه كان قد غادرها قبل خمس سنوات، وهو في سن الـ25 من عمره، لكن في ضوء إلزامية الخدمة العسكرية في سوريا، كانت عودته إلى بلاده متوقعة مع اندلاع الحرب، غير أنه لم يكن يرغب في لعب أي دور في آلة القتل السورية.

وهو ما يذكر العالم بقصة الفيلم الهوليوودي الشهير «The Terminal» للنجم توم هانكس، والذي يحكي قصة مشابهة عن مواطن إحدى دول شرق أوروبا التي تغرق في انقلاب عسكري يتسبب في عدم اعتراف العالم بدولته، ويظل عالقًا في أحد مطارات أمريكا لشهور.

بداية المعاناة

وتابع القنطار قائلًا: عندما رفضتُ الالتحاق بالجيش، رفضَتْ السفارة السورية تجديد جواز سفري. ومن دونه، لا يمكنني تمديد تأشيرة عملي، ولذلك فقدتُ وظيفتي. وخلال السنوات القليلة التي أعقبت ذلك، أُجبرتُ على العيش بعيدًا عن الأنظار، وبقيتُ في الإمارات العربية المتحدة على نحو غير قانوني.

مجتمع

منذ شهرين
مترجم: مهجورة وتحوي قططًا شرسة ضخمة! ما قصة الجزيرة البرازيلية الغامضة؟

وبِعتُ متعلقاتي وعملتُ خارج الإطار القانوني متى استطعتُ إلى ذلك سبيلًا، وكنت أنام في حدائق عامة أو في بئر السلم. وفي نهاية عام 2016، ألقت الشرطة القبض عليَّ أخيرًا. وبعد شهرين في سجن احتجاز المهاجرين، رحَّلتني السلطات الإماراتية إلى ماليزيا.

وماليزيا واحدة من الدول القليلة التي تسمح للسوريين بتأشيرة وصول، لكنها ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951، لذلك لم أتمكن من طلب اللجوء هناك وكنت مضطرًا للمغادرة في غضون 90 يومًا. وكان عليَّ أن أجد بلدًا يسمح لي بالدخول. واشتريتُ تذكرة بقيمة ألفي دولار إلى الإكوادور، جَمعتْ والدتي وأختي قيمة هذه التذكرة من خلال بيع قلائدهما الذهبية. وفي يوم الرحلة، رفض مشرف الخطوط الجوية التركية السماح لي بالصعود إلى الطائرة؛ ولم يذكر سببًا.

عالق في المطار

وأوضح القنطار أنه وبسبب عدم قدرته على استرداد أموال تذكرته، اشترى تذكرة إلى كمبوديا في محاولة أخيرة لمغادرة البلاد، مشيرًا إلى أنه وصل إلى مطار بنوم بنه الدولي في كمبوديا، لكن السلطات رفضت دخوله وأعادته إلى ماليزيا على الطائرة نفسها، لافتًا إلى أنه لم يتمكن من دخول ماليزيا نظرًا إلى أنه مُرحَّل، لذلك وحتى يجد حلًّا آخر، كان لزامًا عليه البقاء في المنفى في صالة الوصول في مطار كوالالمبور.

ويمضي القنطار في سرد تجربته فيقول: أعطاني اثنان من المصريين، اللذان رُحِّلا من كوريا الجنوبية قبل خمسة أيام، بطانية رقيقة ودَلَّاني على المكان الذي يمكن أن أنام فيه. وكانت الأرضية باردة وقاسية، وكنتُ لا أزال مستيقظًا في تمام الساعة الثانية صباحًا عندما جاء ضابطا شرطة لاستجوابي. وسرعان ما اعتدتُ على الزيارات المستمرة من مسؤولي المطار.

وأضاف القنطار: ذهب المصريان وبقيتُ وحيدًا. وقضيتُ كثيرًا من وقتي في التعامل مع المشكلات اليومية، مثل كيفية الاستحمام وتنظيف ملابسي وشحن هاتفي المحمول. وتحملتْ شركة طيران آسيا مسؤولية إطعامي (كنت لا أزال راكبًا رسميًّا) وكانت تترك لي وجبة طيران ثلاث مرات في اليوم، لكنها كانت دائمًا هي نفسها: الدجاج والأرز.

وتطرَّق القنطار إلى تفاصيل حياته اليومية في تلك الأجواء فذكر أن احتساء كوب من القهوة العادية بات هاجسًا، مشيرًا إلى أنه كوَّنَ صداقات مع عامل نظافة والذي وافق، مقابل أجر، على الذهاب بصورة منتظمة إلى ستاربكس (مكان لبيع القهوة) نيابةً عنه، وكذلك دفعَ لأعضاء آخرين من موظفي النظافة مقابل غسل ملابسه في المنزل، وتعلم الاستحمام في المراحيض المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة في ساعات الصباح الأولى.

وأضاف القنطار قائلًا: بدأتُ النوم تحت السلم المتحرك الصاعد، وقد أحطتُ نفسي بحواجز صيانة بلاستيكية لأمنح نفسي شعورًا بالخصوصية، لكن كان هناك أشياء عدة، على الرغم من ذلك، لم أستطع التحكم بها، مثل الإضاءة الدائمة، وإعلانات المطار التي كانت دائمًا ما توقظني.

كيف السبيل؟

ولفت القنطار إلى أنه بدأ يشعر بالقلق بعد شهر أو نحو ذلك، خشية أن تستمر محنته على هذا النحو، موضحًا أنه كان يحاول تذكير نفسه بأنه ليس مجرمًا، وأنه ليس خطأه أن تكون بلاده في حالة حرب حاليًا.

وتابع: كان لدي هاتف وخبرة في التسويق، وحدثتُ نفسي عن مدى إمكانية الاستفادة من هذا لصالحي. وأَنْشَأت حسابًا لي على مواقع التواصل الاجتماعي: «تويتر» و«إنستجرام»، وبدأت في سرد قصتي. ولم يُعِرها أحد اهتمامًا كافيًا في البداية، ولكن بعد أن سلطت «بي بي سي نيوز آسيا» الضوء على قصتي، ازداد الاهتمام بها.

ونوَّه القنطار إلى أنه تلَّقى على مدى الأشهر التي تلَت ذلك تشجيعًا وإساءة كذلك من مستخدمي الإنترنت، فضلًا عن المطالب التي لا تنتهي من الركاب المسافرين بالتقاط صور ذاتية (سيلفي) معه. ولكن الأهم من ذلك، أن القنطار، وحسب ما يضيف، اتصل بمجموعة من الكنديين الذين ساعدوه على ضمان توفُّر كل ما يحتاجه، والعمل بلا كلل حتى يتمكن في نهاية المطاف من طلب اللجوء إلى كندا.

وأوضح القنطار أنه قضى في المطار سبعة أشهر إجمالًا وشهرين آخرين في مركز احتجاز، ولكنه كان على استعداد لتحمل سنوات في وضع يكون فيه عالقًا طالما أنه يدرك أنه سيستعيد جزءًا من حريته في نهاية المطاف، لافتًا إلى أن عديدًا من السوريين الآخرين لم يحالفهم الحظ مثله، وأنه لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه من دون إصرار والدته على تعليمه اللغة الإنجليزية أثناء طفولته وتعلمه الصبر من والده.

والآن، وحسب ما يختم القنطار تجربته، أعمل لدى الصليب الأحمر الكندي، وأساعد في منظمة تدعى «Operation Not Forgotten»، والتي تعيد توطين اللاجئين. وآمل من خلال سرد قصتي أن أساعد الناس على فهم معنى أن تكون سوريًّا في عالم لا يرحب بنا أو يمد لنا يد العون.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد