ربما نظرت معظم البلدان الغربية إلى اللاجئين، على الأخص السوريين، الذين فروا على مدار ثماني سنوات من حرب طاحنة، بمثابة العبء الثقيل، أكثر من أي شيء آخر.

لكن جيسيكا موراي تسلط في تقرير إنساني بصحيفة «الجارديان» البريطانية الضوء على جانب جديد من أزمة الهجرة تلك قلما كان هناك حديث عنه. إذ تبرز كيف يسهم هؤلاء اللاجئون السوريون في تغيير البلدان التي يصلون إليها على الأخص في مجال صناعة الطعام التي يشتهرون بها. وتتناول الصحفية ذلك الجانب عبر سرد قصة لاجئ سوري في المملكة المتحدة.

وجبة بيضٍ على عُجالة

تروي مواري كيف أنه حين وصل محمد رحيمه إلى مُخيم كاليه للاجئين، الذي يُوصف بـ«الغابة»، كان الطهي آخر ما خطر بباله؛ إذ كان عالمًا سياسيًا من سوريا خاض رحلةً من الأهوال من أجل الوصول إلى البر الآخر. وكان الطعام آنذاك مجرَّد وسيلة لبلوغ الغاية بالنسبة له.

لكن حين مَرِضَ أحد أصدقائه المقربين، اضطر لإعداد وجبة بيضٍ على عُجالة. وحينها اكتشف موهبته المدفونة. وتنقل عن رحيمه قوله: «وقع صديقي في غرام الطعام الذي أعددته، وحين تحسَّنت صحته قررت إعداد وليمة كبيرة للجميع باستخدام مقلاةٍ واحدة، وتناول الجميع (بيض الغابة) الخاص بي، فأعجبهم كذلك».

ورحيمه، بحسب موراي، هو واحد من أصل قرابة 14 ألف لاجيء سوري وصلوا إلى المملكة المتحدة منذ عام 2015، وهو واحد أيضًا من الطُهاة الذين تتزايد أعدادهم وينقلون المطبخ السوري إلى مشهد الطعام في البلاد.

وما تزال وصفته، التي يُعدِّها باستخدام مكونات بسيطة، مثل الطماطم المعلبة التي تتبرع بها الجمعيات الخيرية للمُخيَّم، تُلاقي إقبالًا كبيرًا بعد مرور ثلاث سنوات. ويُقدِّم وصفته الآن للزبائن الذين يزورون متجره المُنبثِق في منطقة أرتشواي بشمال لندن، بحسب تقرير موراي.

وصفة جديدة وانتشار كبير

ويشير التقرير إلى أن رحيمه استطاع تحويل مواهبه في الطهي إلى تجارة ناجحة، حين أسس مطعم Mo’s Eggs الناشئ بمساعدة بعض الأصدقاء السوريين والمتطوعين البريطانيين. ويجلس الزبائن على طاولات مشتركة، ليتناوبوا على الانغماس في الأطباق المختارة والملونة من الحمص المنزلي، بينما يتجول رحيمه في المطعم للحديث عن وصفاته ووطنه الأم.

Embed from Getty Images

وقال رحيمه: «هذا هو الأساس الذي تقوم عليه فكرة Mo’s Eggs: مُشاركة الطعام من مقلاةٍ واحدة، وإعطاء الناس الحب الذي كنا نتمتَّع به في (الغابة)».

وأُضيف طبق «بيض اللجوء» إلى قائمة الطعام أيضًا، وهو، بحسب التقرير، عبارة عن وصفة جديدة ابتكرها أثناء إقامته داخل أحد مراكز الاحتجاز، إبان تقدمه بطلب للحصول على اللجوء داخل المملكة المُتحدة. وقال رحيمه: «أحاول دائمًا أن تكون لدي قصة وراء أيّ طبق جديد أعدّه».

يشتري رحيمه غالبية مُكوِّنات أطباقه من السوق، لأنَّه نشأ في مدينة عين الفيجة التي تُحيطها الفواكه والخضروات الطازجة من كل ناحية. وبحسب تقرير «الجارديان» فقد كشفت الأبحاث أن غالبية اللاجئين السوريين داخل المملكة المتحدة الآن يعملون أو يدرسون، لكن مُعدَّلات البطالة ما تزال مُرتفعة.

وأفاد تقرير صادر عن جامعة جلاسكو بأنَّ 34% من اللاجئين السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و32 عامًا ما زالوا يدرسون، في حين يعمل أكثر من رُبعهم مُقابل أجر. لكن 19% يبحثون عن وظيفة، وهو رقم يساوي خمسة أضعاف معدّل البطالة الوطني الذي يُقدَّر بـ3.9%.

ووجد التقرير أيضًا أن الكثير من اللاجئين السوريين الشباب الذين استقروا داخل المملكة المتحدة حاصلون على مؤهل عال؛ إذ يمتلك ربعهم شهادة جامعية، لكن الكثير منهم يعمل في وظائف أقل من إمكانياته. ولم يعثر سوى 57% فقط من العاملين في الوظائف المهنية وعالية التقنية داخل بلدهم على وظيفة مُشابهة داخل المملكة المتحدة.

أول تفاعلٍ مع الثقافة السورية

وتتزايد شعبية الطعام السوري بالتزامن مع وصول المزيد والمزيد من السوريين، إذ لا يقتصر الأمر على لندن وحدها، بل يمتد إلى المناطق الأخرى التي تضم تجمعات كبيرة من المهاجرين واللاجئين. فقد ظهر عددٌ من المطاعم والمخابز في إسكتلندا مثلًا، حيث استقر خُمس اللاجئين السوريين تقريبًا منذ وصولهم إلى المملكة المتحدة، وفقًا لتقرير «الجارديان».

ونقل التقرير عن جولييت ليونز، التي التقت رحيمه في مخيم كاليه للاجئين أثناء عملها لدى إحدى المنظمات غير الحكومية وتُساعد الآن في إدارة Mo’s Eggs، قولها: «هذه التجربة بمثابة أول تفاعلٍ مع الثقافة السورية بالنسبة للعديد من الزبائن الذين يزورون المكان، وتفتح الزيارة أعين أولئك الزبائن على جزءٍ صغير من سوريا هنا، وهو جزءٌ لم يشهدوه من قبل. إذ يسلط المطعم ضوءًا إيجابيًا على سوريا، بعيدًا عن سياق الحرب».

ومع استمرار مطعمه الناشئ، يأمل رحيمه في إنشاء مطعم دائم مع كشك لبيع طعام الشارع، ليضيف إلى القائمة مثلجاته السورية التي يصنعها حسب الطلب.

لكنه، وفقًا للتقرير، لم يكتف بجلب المطبخ السوري إلى المملكة المتحدة، بل تعرَّف أيضًا إلى الأطباق الإنجليزية الكلاسيكية. إذ قال: «كانت البطاطا المشوية هي أول الأطباق الإنجليزية التي تناولتها وأعجبتني. كان ذلك في موسم عيد الميلاد [حين وصلت إلى المملكة المتحدة لأول مرة]، وكان الجميع يعدون البطاطا المشوية والدجاج المشوي. إنَّه طبقي المفضل».

80% من سكان العالم مستعدون للترحيب باللاجئين.. كيف يمكنك مساعدتهم الآن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات