في تقرير أعدته الصحافية ستيفانيا ديجنوتي، المتخصصة في تغطية شؤون الشرق الأوسط لموقع «ميدل إيست آي»، إذ يتناول قصة مشروع اجتماعي جاهز لتحقيق الاستقرار المالي لـ50 أمًا سورية شردتهم الحرب، من خلال إطلاق المنتجات المصنوعة يدويًا عبر الإنترنت، وفي ما يلي ترجمة كاملة للتقرير، تتضمن الترجمة صورًا تعود ملكيتها لمركز المشاريع الصغير في اسطنبول (SPI):

في الطابق السفلي من مركز مجتمعي يقع في حي الفاتح بإسطنبول، تنشغل حوالي 24 امرأة بالعمل بمقصات وخيوط وإبر بمتناول ايديهن، يتسابقون مع الوقت لإنتاج الأقراط والقمصان، والأوشحة، والحقائب، وغيرها من الأدوات المنزلية والملحقات، قبل إطلاق موقعهم الالكتروني الذي من خلاله سيعرض أحدث منتجاتهم.

تتحدث النساء باللغة العربية، ويساعدن بعضهن البعض بسهولة وثقة، ويشتركن في كثير من الأمور بينهم، فمعظمهم من اللاجئين السوريين الفارين من أوطانهم التي مزقتها الحرب، أحيانًا يمكن سماع ضحكهم أثناء فترات الراحة القصيرة أو بين لحظات مسروقة خلال التطريز.

عملية حياكة الخيوط لتتحول إلى منتجات «مهرة» من خلال العمل الشاق. 

تقول لودي، مصممة سورية تساعد والديها وأخوين أصغر منها ماديًا: «يبدو الأمر وكأننا نعمل جميعًا لعائلتين، واحدة داخل منازلنا والأخرى خارجها، نحن قادرون على مقابلة أشخاص من مجتمعات أخرى؛ إذ يمكننا التعلم من بعضنا البعض» وتضيف لودي: «أولًا يجب أن أشعر بالحب لكل امرأة وفهمها.»

منطقة الفاتح أكثر المدن التركية اكتظاظًا بالسكان، هي الآن موطن لمجموعة متنامية من اللاجئين السوريين، مليئة بالمحلات التجارية والمطاعم، والنصوص العربية وأصوات الباعة العرب، هذا الحي هو نقطة التقاء لكثير من اللاجئين الذين يرغبون في بدء حياتهم من جديد.

يقع مبنى مركز المشاريع الصغير في إسطنبول (SPI)، وهو مركز أهلي غير حكومي، المكون من 5 طوابق بالقرب من أسوار القسطنطينية التاريخية، ويعد هذا المركز واحدًا من عدة مراكز اجتماعية تمثل نقطة مرجعية في المنطقة، للاجئين الذين يحاولون إعادة بناء حياتهم من الصفر.

يدعم المركز حاليًا أكثر من 200 أسرة لاجئة من مناطق النزاع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال توفير التدريب الذي يسمح للمشاركين بتعلم المهارات اللازمة لكسب الدخل ودعم عائلاتهم، بالإضافة إلى فرص للقيام بأدوار قيادية.

«مهرة»

يركز أحدث مشروع ريادة الأعمال في المركز على الأمهات النازحات بسبب الحرب، مما يضع كل جهوده في رفاهية الأسر التي تعيش في المنفى، وأطلق المركز مؤخرًا ماركة أزياء جديدة مع منتجات مصنوعة يدويًا، مصنوعة بشكل أساسي من قبل أمهات لاجئات، ستتوافر عبر الإنترنت في وقت لاحق من هذا العام.

امرأة سورية تعمل في ورشة عمل لدى المركز، وتنتج أقراط «لوز» ومجوهرات أخرى من أجل «مهرة».

تشرح شانون كاي، مساعدة مدير المركز قائلة: «في إطار عملنا نطور من خلال المركز المهارات والمنتجات والتماسك الاجتماعي لأكثر من 50 امرأة من سوريا والعراق ومصر».

أطلق المركز خط إنتاج يحمل اسم «ألقوا الأقراط، لا القنابل» في عام 2016، يعمل في نفس المكان مع نفس النساء، وقرر المركز إضافة منصة جديدة «مهرة» في العام الحالي؛ وهذا لأجل توسيع نطاق المركز وتوفير المنتجات واستمرار الأنشطة النسائية.

بعد معرض المركز الأول في الخارج،  الذي اقيم في بازار برلين في ألمانيا بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2017، حفزتهم التعليقات الإيجابية بعد عرض مجموعة العام الماضي لإنشاء منصة «مهرة»، ومجموعةٍ جديدة بألوان الربيع والزخارف الملموسة؛ مما أتاح لتلك النساء اللواتي يعملن بجد فرصة ثانية لمشاركة أعمالهن، وتوسيع تصميماتهن وتنويعها بعيدًا عن الأقراط فقط.

مجموعة أقراط «لوز» مستوحاة من التقاليد السورية والتركية.

يتم إدارة وتوجيه فريق «مهرة» من قبل نساء من مختلف أنحاء العالم، أعضاء الإدارة من تركيا والولايات المتحدة وأستراليا، وكمغتربين أجانب في تركيا لديهم خلفية مشتركة في العمل الإنساني، كان من السهل عليهم إيجاد هدف مشترك والتجمع لإطلاق هذا المركز الاجتماعية المتعلق بالموضة.

وتكمل شانون كاي، المواطنة الأسترالية لموقع: «ميدل إيست آي»: «مهرة تعني (المهر) باللغة العربية وهو الحصان الصغير، وشعارنا (معًا، بلاحدود)، وتمثل هذه الكلمة الطاقة الجديدة لبداية جديدة، تبدأ بقوة وتتحرك بإيجابية، إنها تمثل جذورنا، حيث إن الكلمة تنتهي بتاء التأنيث».

المصممات هن في الغالب أمهات سوريات، تتراوح أعمارهن بين 26 و 65 سنة. تشرف عليهم شيماء – وهي أم سورية لثلاثة أطفال – وتتميز الورشة التي تستضيف 50 عاملة بدوام جزئي، وقيادتها اللطيفة، وسلوكها الإيجابي.

شيماء في ورشة العمل مع طفلتها، في حين تنتج نساء أخريات تصاميم لمشروع «مهرة»

تعتبر شيماء من ذوات الخبرة والابداع والاجتهاد في فريق «مهرة»، حيث تعلمت صنع المكرمية (وهو أسلوب نسجٍ بالحبال والجدائل يعود إلى سبعينات القرن الماضي) مثل الحقائب اليدوية، والسلال المعلَّقة والأساور وغيرها من الإبداعات. وتشمل أحدث أعمال شيماء ضمن مجموعة المنتجات الصيفية لفريق «مهرة» معلقات جدارية وحقائب شاطئ.

كان اختيار التركيز على الموضة كموضوع للمشروع مستوحى من أحد المشاهد الأولى التي شهدها الفريق الإداري في حيز ورشة العمل هذه، حيث تتذكر شانون وتقول: «جلست مجموعة صغيرة من النساء في دائرة، وصنعن أساور مكرامية مع بعضهم البعض» وتضيف: «نحن نركز على النساء بسبب وضع الأمهات في مجتمعنا هنا، بدأنا كمركز مجتمعي حيث تأتي الأمهات وتحضر أطفالهن، إن ضغوط النزوح تعني أن هؤلاء النساء بحاجة الآن إلى إنتاج دخل للمساهمة المادية للأسرة أو حتى لدعم المنزل بأكمله».

بأيدي النساء ومن أجل النساء

ما يقتدي به فريق «مهرة» هو «بأيدي النساء، ومن أجل النساء»، ويدعون السكان المحليين إلى ورش عملهم؛ مما يعزز التفاهم المتبادل ويسمح للاجئين والسكان المحليين بالالتقاء.

كان تسجيل المركز كمؤسسة اجتماعية تركية خطوة حاسمة لتمكين «مهرة» من الحصول على أعلى الفوائد للعاملات فيه. ففي بلد يعمل فيه العديد من اللاجئين السوريين بشكل غير قانوني، وحيث يتعين على الأطفال العمل ليتمكنوا من البقاء – على الرغم من أن تركيا تحظر الأطفال دون سن الخامسة عشرة من العمل – فإن تسجيل المركز كمؤسسة اجتماعية تركية كان له تحديات عصيبة. فر حوالي 3.5 مليون لاجئ سوري إلى تركيا هربًا من الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 2011، وما يقرب من نصفهم دون سن الثامنة عشرة.

الصورة الرئيسة لموقع «مهرة» الإلكتروني، هذا التصميم مثال على منتجات الملابس التي ستتوفر قريبًا للشراء عبر الإنترنت.

ويسعى المركز جاهدًا لتوفير أرقام تسجيل ضريبية لجميع النساء المشاركات، حيث لا تزال عملية هذ مستمرة، ليحق لهم الحصول على تصاريح العمل القانونية والأجور تحت ظل القانون التركي، قالت كاي: إنهم «يواجهون مواقف عنصرية فردية تصدر من بعض العاملين داخل النظام البيروقراطي التركي».

وتشدد كاي على أن «التحول إلى مؤسسة اجتماعية لا يضفي الشرعية على عملنا فحسب، بل يمنحنا أيضًا القدرة على ضمان حق المرأة في العمل».

وسيمكن الموقع الإلكتروني فريق «مهرة» قريبًا بالتواصل مع العملاء من جميع أنحاء العالم، والسماح لهؤلاء النساء من أصحاب المشاريع بالقدرة للوصول إلى هدفهم الجماعي المتمثل في الاستقرار المالي، ومنتجاتهم التي تتراوح أسعارها بين 15 و40 دولارًا.

جذور الوطن

تستلهم الملابس والملحقات من موضوعات الطبيعة والتقاليد والقصص الشعبية، إن معظم تصاميمهم هي في الواقع نسخ طبق الأصل من أنماط الطباعة وألوان المناظر الطبيعية في تركيا وسوريا، مثل خط إنتاج الأقراط «لوز»، والمصنوعة من إطارات نحاسية مطلية بالذهب، أو الفضة، ومغطاة بخيط من القطن التركي.

خط إنتاج أقراط «لوز» مستوحى من ازدهار أشجار اللوز في سوريا.

اسم خط إنتاج الأقراط «لوز» هو إشارة إلى استخدام هذا النوع من المكسرات في المطبخ السوري، استُوحِيَ من ازدهار أشجار اللوز الراسخ في ذاكراة النساء خلال حياتهن في سوريا،  كانت هذه الأشجار مزدهرة عندما كانت سوريا قادرة على الحفاظ على ألوانها الطبيعية التي أصبحت الآن بلون الدمار الرمادي.

لهذا السبب اختاروا اسم «بداية جديدة» لهذه المجموعة من المجوهرات، كما أن مجموعة «زهرة» من الإكسسوارات مستوحاة من التراث النسائي الجماعي، وتضم هذه المجموعة حقائب يدوية صغيرة مصنوعة من قماش تركي منسوج، وقطنٍ عضوي مصبوغ يدويًا، وهي مواد بسيطة تقليدية من المنطقة تصنع إكسسوارات متينة وأصلية.

تقول زينب، وهي سيدة سورية لاجئة تبلغ من العمر 35 عامًا شاركت في المشروع منذ البداية: «نحتاج إلى الكثير من الطاقة والوقت والتركيز لإنهاء كل زوج، يعتمد الأمر كله على أيادينا وعيوننا وتركيزنا».

تستخدم النساء مواد بسيطة وتقليدية، وكل شيء مصنوع يدويًا.

وقالت عضوة أخرى تدعى روز، وهي مصممة سورية، إن الشيء الأكثر إيجابية في المشروع، هو أنها تستطيع دعم أسرتها بإبداعها، «لم أكن أتخيل قبل ذلك أبدًا أن أتمكن من صنع شيء مبتكر بيدي».

وتختتم روز حديثها: «علينا أن نتواصل مع بعضنا البعض للقيام بالعمل، للتأكد من أننا نعرف بالضبط ما هو الطلب، وكيف يمكننا تحقيق الجودة الممتازة، يجب علينا أن نحب بعضنا البعض في هذا، لننتج أعمالًا ذات نوعية جيدة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد