أصبحت مدينة غازي عنتاب في جنوب تركيا موطنًا لنحو نصف مليون لاجئ سوري، كان كثير منهم يُمَّنون أنفسهم بالسفر إلى أوروبا. وفي هذا الصدد نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية تقريرًا، لمراسلَيْها في تركيا بيتان مكيرنان وحسين عكوش، استعرضا فيه ما آلَتْ إليه أوضاع اللاجئين السوريين في تركيا بالتزامن مع الذكرى العاشرة للثورة السورية.

ويستهل الصحافيان تقريرهما بإطلالة على مشهد يومي يتكرر في مدينة غازي عنتاب التركية، فيوضحان أن أول مَنْ يصل إلى البازار الإيراني في غازي عنتاب هم الخبَّازون، الذين يشعلون شوايات الصاج قبل أن تُطِل الشمس على الدنيا لصنع الخبز السوري الذي يُجهَّز على الصاج المسطح لزبائنهم الذين يبدأون في التوافد مع بزوغ أشعة النهار. وبحلول الوقت الذي يصل فيه تجار آخرون إلى الشارع لفتح متاجرهم، تكون رائحة السمسم والخبز الطازج غير المُخمَّر قد ملأت أرجاء المكان.

وعندما تُفتح أبواب المخبز في تمام الساعة السابعة صباحًا، يقف صاحب مطعم قريب لالتقاط أَرغِفَة الخبز الرقيقة المستديرة والضخمة اللازمة لوجبة الإفطار السورية التقليدية، والتي تُغمس في الزعتر، وزيت الزيتون، أو تُقدَّم إلى جانب الفول، والفلافل، والفتة، والحمص. ويتناول أصحاب المتاجر على طول الشارع إفطارهم ويتخلَّله رشفات من الشاي التركي أو النسكافيه أو القهوة العربية بطبقتها السميكة التي تكسو سطح الفنجان، وهم يستعدون لمباشرة أشغالهم.

أجواء سورية

ويلفت التقرير إلى أن الحديث باللغة العربية يَعُم الأرجاء في مدينة غازي عنتاب، ولا ينافسه سوى ضجيج حركة المرور في المدينة. وخلافًا لما يشير إليه الاسم، فإن البازار الإيراني ليس إيرانيًّا، ولكنه قلب الجالية السورية النابض في المدينة.

Embed from Getty Images

يقول علاء الدين شاشو، البالغ من العمر 52 عامًا، الذي تخلى مؤخرًا عن متجر بقالة خاص به في الشارع ليبدأ نشاطًا تجاريًّا آخر في مجال التكييف مثل الذي كان يمتلكه في موطنه بمدينة حلب السورية: «لقد تغيَّر الشارع من نواحٍٍ عدة. وكنَّا قد اخترنا البازار الإيراني والأحياء المحيطة به في الأساس؛ لأن أسعار الإيجار فيه رخيصة الثمن. وأصبح معظم أصحاب المحلات سوريين الآن، وهو المركز الرئيس لنا».

بدورها تلفت لبنى حلي، التي تملك مطعم لازورد، الواقع على مسافة بضعة شوارع، إلى أن ما يقدِّمه مطعمها من دجاج، وبقوليات، وخضروات، وتوابل، تأتي جميعها من البازار الإيراني، وتقول: «يذكِّرنا السوق بسوريا، ولكنه يذكِّرنا بأسواق حلب على وجه التحديد.. وعندما تذهب إلى هناك، يتحدث الجميع العربية، ومعظم أصحاب المتاجر من حلب وهو مليء بالسوريين، إنه يشبه الوطن».

كوكب آخر

ونوَّه التقرير إلى أن غازي عنتاب أقرب إلى حلب من أي مدينة تركية، إذ تبعد عنها حوالي 100 كيلومترًا فقط، ويشترك المركزان التجاريان القديمان في عديد من الروابط الثقافية والتاريخية. لكن من وجهة نظر معظم الجالية السورية التي تعيش فيها، قد تكون حلب الآن كوكبًا آخر.

عندما فر السوريون من بلادهم هربًا من ويلات الحرب المُستعرة منذ 10 سنوات، شهدت أوروبا أكبر أزمة لاجئين منذ الهولوكوست. واستقر حوالي مليون سوري في القارة الأوروبية منذ ذلك الحين، ومعظمهم في ألمانيا، والسويد، والنمسا، وهولندا.

وأوضح التقرير أن الاتحاد الأوروبي أبرم اتفاقية مع تركيا في عام 2016، وافقت أنقرة بموجبها على منع اللاجئين والمهاجرين من العبور المميت للبحر المتوسط ​​والسير الطويل عبر أوروبا الشرقية في مقابل مساعدات لتركيا بقيمة 6 مليارات يورو (5.1 مليار جنيه إسترليني). ولم يزل السوريون وغيرهم ممن وصلوا عبر البحر إلى اليونان منذ الاتفاقية محتجزين في الغالب في معسكرات. ونتيجةً لذلك، تُعد تركيا أكبر دولة مضيفة للاجئين في العالم، حيث يوجد بها 3.7 ملايين سوري مسجَّل بالفعل، وتستمر أعدادهم في الزيادة، إذ وُلِد حوالي نصف مليون طفل سوري في تركيا منذ بداية الأزمة.

مركز الواقع الجديد

وأضاف التقرير أن غازي عنتاب أضحت مركز هذا الواقع الجديد لكل من السوريين والأتراك؛ ذلك أن المدينة تستضيف حوالي نصف مليون سوري، ورغم أن إسطنبول تضم عددًا مماثلًا من السوريين، إلا أن المدينة، التي تضم بالفعل 17 مليون شخص، استوعبت الوافدين الجدد فيها، مقارنة بغازي عنتاب التي بلغ عدد سكانها قبل الحرب 1.5 مليون نسمة.

Embed from Getty Images

ووفقًا لتقرير الصحيفة البريطانية، الحياة في تركيا ليست باليَسِيرة على السوريين، لكنها أفضل حالًا من العيش في الأردن أو لبنان، حيث يُحرَم اللاجئون في الغالب من حق العمل أو الاندماج في المجتمع، ولم يزل مئات الآلاف يعيشون في المخيمات. وبالنسبة لحكومة الرئيس رجب طيب أردوغان في العاصمة التركية أنقرة، يمثل تدفق السوريين كتلة جديدة واعدة من الناخبين المحتملين، إذ حصل بالفعل 110 آلاف على الأقل منهم على الجنسية التركية.

وقد نالت سلطات غازي عنتاب على وجه الخصوص الإشادة لجهودها في مساعدة المجتمعَيْن السوري والتركي على الاندماج، فقد عملت على تهدئة المخاوف بشأن ارتفاع الإيجارات، وركود الأجور، والضغط الإضافي على البنية التحتية للمدينة من خلال خلق «نموذج للتسامح والبراجماتية».

وجْه أوروبا القبيح

وتابع التقرير: لم يكن جميع السوريين يتصورون أنه سينتهي بهم المطاف في تركيا؛ فقد فرَّ أحمد الطويل، مصمم رسوم من دمشق، إلى تركيا في عام 2013. وأراد الطويل أن يبدأ حياةً جديدةً في بلجيكا، محاولًا عبور البحر المتوسط من إزمير على ساحل بحر إيجة خمس مرات قبل أن يستسلم للواقع ويستقر في غازي عنتاب.

وقال الشاب البالغ من العمر 32 عامًا: «كنت أسعى سعيًا حثيثًا للذهاب إلى أوروبا. وبعد عام من المحاولة في تركيا، ظننتُ أنني لن أتمكن من العثور على عمل أو إنهاء دراستي فيها. لكن القارب غرق ثلاث مرات، وفي إحداها أغرقَ خفرُ السواحل القاربَ عن قصد. وبعد الفشل مراتٍ عديدة اضطررت إلى الاستسلام»، لافتًا إلى أنه اعتقد أنه سيموت إذا واصل المحاولة.

وأضاف: «أنا سعيد بوجودي في تركيا الآن. لقد تعلَّمتُ اللغة التركية، ولدي دخل لائق، وتزوجت مؤخرًا من امرأة تركية. لقد بَنيتُ لنفسي حياةً جيدةً»، مشيرًا إلى اللاجئين الذين علقوا في مخيمات في اليونان وأماكن أخرى في ظروف إنسانية مزرية، وآلاف الأشخاص الذين ماتوا غرقًا، وأكَّد على أن «أزمة اللاجئين غيرت رأيي في الحكومات الأوروبية؛ فقد شعرتُ بخيبة أمل لرؤية وجههم الحقيقي القبيح».

حقوق إنسان

منذ 3 أسابيع
«الإندبندنت»: ملاحقة مرتزقة «فاجنر» في موسكو.. هل تتحقق العدالة للضحايا السوريين؟

ولكن وبحسب ما يستدرك كاتبا التقرير، لم تأتِ الرياح بما تشتهي سفن كثيرين مثل ما حدث مع الطويل؛ إذ يعمل مليون سوري في تركيا دون تصاريح مناسبة، الأمر الذي يُعرِّضهم للابتزاز من أرباب العمل. ووفقًا لمؤسَّسة بروكينجز، لم يزل حوالي 40٪ من الأطفال خارج المدرسة، و64٪ من الأسر السورية في المناطق الحضرية تعيش بالقرب من خط الفقر أو تحته؛ مما يهدِّد بخلق «طبقة دنيا تشعر بالعزلة والاغتراب».

وأدَّى الانكماش الاقتصادي في تركيا في عام 2018 إلى ردود فعل عكسية ضد السوريين بلغت ذروتها في حملة الترحيل غير القانونية في الصيف الذي أعقب ذلك. وفي أوائل عام 2020، حاول عشرات الآلاف من اللاجئين السفر إلى أوروبا مرةً أخرى بعد أن قال أردوغان: إن تركيا لم تعد تمنع مرورهم في محاولة من أنقرة للضغط على الاتحاد الأوروبي.

آفاق العودة

وأردف التقرير أن خطط أنقرة لإعادة توطين اللاجئين في «المناطق الآمنة» التي انتزعتها من المناطق الحدودية في سوريا التي كانت تخضع قبل ذلك للسيطرة الكردية تُعد على نطاق واسع محاولة للهندسة الديموجرافية، لافتًا إلى أن عودة الغالبية العظمى من 5.6 ملايين شخص فروا من سوريا غير واردة طالما لم يزل بشار الأسد يمسك بزمام السلطة في دمشق.

وتقول لبنى، صاحبة المطعم التي تبلغ من العمر 43 عامًا: «أرغب في العودة إلى سوريا، لكن تستحيل تلك الخطوة الآن؛ فقد بدأت عملي هنا وأطفالي في مدرسة تركية. وقد أتمكَّن من توسيع نشاطي بمطعم في إسطنبول»، مضيفة: «حياتي أصبحت هنا الآن».

Embed from Getty Images

وفي حالة عزام الأحمد، لم يزل حلم السفر إلى أوروبا يُداعب خياله. لقد أُجبر الشاب البالغ من العمر 29 عامًا على ترك دراسته الجامعية في كلية الحقوق عندما بدأت الثورة. ومنذ ذلك الحين يعمل لساعات طوال في مصانع النسيج في غازي عنتاب، ويكسب أقل من زملائه الأتراك، وليس لديه تأمين طبي، ويجاهد لإعالة أسرته.

ويختم التقرير بقول الأحمد: «كانت الخطة دائمًا السفر إلى أوروبا، لألتحق بأشقائِي في ألمانيا. واضُطررت إلى الادخار، وباعت زوجي حُليَّها كي أتمكن من الدفع للمهربين مقابل الرحلة. وإذا ألقت السلطات القبض عليَّ، فقد أفقد حالة الحماية التي أتمتع بها في تركيا أو تقوم السلطات بترحيلي.. لكن الأمر لم يزل يستحق العناء».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد