في هذا التقرير يكتب بيثان مكيرنان، وحسين عكوش في صحيفة «الجارديان»، عن التسامح التي تلقاه المظاهرات في جنوب سوريا، بينما تتلاعب روسيا وتستفيد من المصالح المتضاربة، وعن أحمد العودة القائد المتقلب الذي ليس له مثيل في سوريا.

لا يوجد مثيل لأحمد العودة القائد الثوري السابق، والذي يعمل حاليًا لصالح حليف بشار الأسد، روسيا. بالنسبة للبعض يُعد العودة خائنًا، إذ عقد اتفاقًا عندما سقطت محافظة درعا مسقط رأسه بأيدي النظام قبل عامين، وأما للبعض الآخر، ما يزال العودة ذو الـ38 عامًا ثوريًّا واعدًا، والذي تعهد بإعادة بناء المعارضة السورية المتفرقة.

كما ذكر التقرير أن الشاب مفتول العضلات ألقى في الشهر الماضي كلمة مهمة على مسامع المشيعين في الجنازة، قائلًا بثقة شخص اعتاد أن يكون في موضع المسؤولية: «جسد واحد، بجيش واحد يكون هو الأداة الأقوى للدفاع عن جميع سوريا». وأضاف: «لن نتوقف أو نضع أسلحتنا حتى ننتصر… القتال قد بدأ للتو».

هذا هو الوضع الغريب الذي أثبت هشاشته، والذي يحكم العلاقات في جنوب سوريا، الذي شهد ميلاد الربيع العربي السوري قبل عقد من الزمن. أما في الفصل الحالي من الحرب، فإن روسيا، وهي سمسار السلطة في المنطقة بحسب التقرير، منشغلة بعملية موازنة صعبة تتمثل في محاولة إبقاء السكان المحليين جانبًا، بينما تتلاعب أيضًا بالمصالح المتضاربة لكل من دمشق وطهران وإسرائيل.

اندلاع مظاهرات مناهضة للنظام في مختلف أنحاء درعا والسويداء

اندلعت مظاهرات متفرقة في درعا وبلدة السويداء القريبة ذات الأغلبية الدرزية خلال الأسابيع الستة الماضية؛ إذ خاطر المدنيون بالاعتقال للاحتجاج على الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في سوريا.

وفي مشهد يذكرنا بعام 2011، تجرأ المتظاهرون على استخدام اسم الرئيس، ترديدًا وتصفيقًا ورقصًا في الشوارع هاتفين :«يلا ارحل يا بشار»، «سوريا حرة»، «يلي  بيجوع شعبه خاين». واعتقل عدد من الأشخاص، لكن الشرطة السرية لم تواجه تلك الاضطرابات حتى الآن بعمليات فرض نظام واسعة النطاق.

Embed from Getty Images

وبحسب التقرير، قال عباس منيف، وهو متظاهر في الثلاثين من عمره من السويداء: «المظاهرات الحالية هي امتداد للثورة السورية التي اندلعت عام 2011، لكن الأزمة الاقتصادية هي سبب إضافي للاحتجاج بالنسبة للناس»، وأضاف: «المجرم نفسه: النظام وفساد النظام. لقد سرقوا البلد وحرموا الناس من خيراتنا لخمسين سنة، ولم يتغير الهدف من 2011، إن إسقاط النظام هو الخطوة الأولى لمستقبل لائق».

في حين يعد العودة مكروهًا في السويداء، فإن المزيد والمزيد من الناس في درعا يضعونه موضع الثقة ليؤمِّن لهم ذلك المستقبل الأفضل.

استعيدت درعا من قوات المعارضة في يوليو (تموز) 2018، ومنذ ذلك الحين كانت درعا موضعًا لتجربة فريدة من نوعها في سوريا، على غرار تجربة موسكو في الحرب الشيشانية الثانية.

ما وظيفة الفيلق الخامس؟

على عكس مناطق المعارضة الأخرى التي استعادها النظام، لم ترحل أغلبية سكان محافظة درعا بالباصات إلى منطقة إدلب على الحدود التركية وفق اتفاقيات استسلام، وبدلًا من ذلك دفعت روسيا دمشق نحو اتفاقية مصالحة، والإشراف على توظيف متمردي درعا في قوة أمنية محلية جديدة عرفت باسم الفيلق الخامس، والذي جرى تشكيله لمساعدة جيش النظام السوري المرهق في معاركه ضد الدولة الإسلامية، التي يعتقد أن عدد عناصرها الآن حوالي 30 ألفًا، بحسب التقرير.

مع أن عناصر الفيلق الخامس تابعون للقوات المسلحة السورية، فإنهم ليسوا جزءًا من وزارة الدفاع السورية؛ إذ تعارض القوة السنية صراحة وجود القوات الإيرانية وقوات حزب الله المتحالفة مع النظام.

Embed from Getty Images

ما دور اللواء الثامن؟

وكما ذكر كاتبا التقرير أن موسكو هي من تدفع رواتب الفيلق الخامس، وأن من المفترض أن يتبع الفيلق الخامس الأوامر الروسية. ولكن بعد طرد داعش من جنوب سوريا، رفضت معظم العناصر الذهاب للقتال في إدلب، وبالأخص وحدة أحمد العودة المعروفة باسم اللواء الثامن.

إلى جانب مهام اللواء الثامن من حراسة نقاط التفتيش والاحتراز من هجمات خلية داعش النائمة، فإن الفيلق يتبادل هجمات صغيرة النطاق مع القوات الموالية للنظام، ويغطي على المتهربين المطلوبين من دمشق لتأدية الخدمة العسكرية، ويحمي المظاهرات الأخيرة.

وكما نقل التقرير عن أحمد محمد، الناشط المحلي في درعا، أنه قال: «يؤمن الناس في درعا بأن الفيلق الخامس يحميهم ضد النظام وأذرعه الإيرانية في المنطقة، والكثير من الناس سيُعتقلون إذا لم تكن هذه الشعبة هنا، وكنا لن نتمكن من التظاهر ضد النظام حتى بأعداد صغيرة إن لم يكونوا هناك». وأضاف: «ما يزال جنود الفيلق الخامس ثوريين، تصالحوا نعم، لكنهم حقًّا ما زالوا ضد النظام».

من غير المستغرب أن هذا الوضع لا يعجب دمشق، لكنها لا تملك الآن الكثير لتفعله حيال ذلك، بحسب التقرير. وإدراكًا منها لاحتمالية التصعيد العسكري إذا دُمجت القوات الإيرانية وقوات حزب الله بشكل كامل بالقرب من إسرائيل، فقد حمت روسيا الحكم الذاتي للجنوب، وأحبطت إلى حد كبير محاولات النظام لسحق التمرد الوليد.

ما الذي تسعى إليه روسيا في جنوب سوريا؟

قالت إليزابيث تسوركوف، الزميلة الباحثة في معهد أبحاث السياسة الخارجية، والخبيرة بديناميكيات جنوب سوريا: «أدركت روسيا حاجتها لتحالفات ضمن الأغلبية الإثنية في سوريا، وهم العرب السنة في المنطقة؛ فهي تحاول أن تكسب السمعة الحسنة عند السكان المحليين من خلال مساعدتهم أن يعلموا ماذا حدث لأحبائهم الذين اختفوا في سجون النظام».

وينقل عنها التقرير: «من الصعب تقييم هدف روسيا النهائي عندما يتعلق الأمر بالفيلق الخامس، ومن المثير جدًّا للاهتمام أن هؤلاء الرجال احتضِنوا محليًّا بكونهم قوة وطنية معادية لإيران، وليس بوصفهم خونة، ومن الواضح أن هناك حاجة  للناس لتسويغ اختيارهم البقاء في درعا».

Embed from Getty Images

عُرف العودة بموقفه السياسي الواقعي حتى قبل تأسيس الفيلق الخامس، عندما كان قائدًا لمجموعة الجيش السوري الحر، الشباب السنة، وعندما تحالف عام 2015 مع القاعدة في سوريا لطرد قوات النظام من مسقط رأسه قبل أن ينقلب على الجهاديين ويطردهم أيضًا.

العودة ليس مواليًا تمامًا لروسيا

بالنسبة لرجل فقد ثلاثة من إخوته في القتال ضد النظام، كان من غير المحتمل إقامة تحالف دائم مع الروس، حلفاء الأسد.

وأضاف التقرير أن: «كلمته الشهر الماضي في جنازة عناصر الفيلق الخامس الذين قتلوا عبر عبوة ناسفة، والتي من المحتمل أن عناصرَ موالية للنظام قد زرعتها، كانت أول إشارة واضحة أنه ليس مواليًا تمامًا لموسكو، وقد أثبت أنها لحظة فاصلة».

سرعان ما تحولت كلمات العودة الجريئة ضد دمشق و«الغزاة والميليشيات الأجنبية» في الجنازة إلى أكبر مظاهرة حتى الآن، والتي يقدر عدد المشاركين فيها بحوالي 5 آلاف شخص. وبحسب المحلل عبد الله الجباصيني الخبير في شأن درعا في معهد الشرق الأوسط، أن 7 آلاف مقاتل على الأقل انضموا للواء الثامن في يونيو (حزيران) وحده.

تشكل القوة والشعبية المتزايدة لصعود العودة تهديدًا ليس فقط للنظام ولإيران وحزب الله، بل أيضًا لمموليه الروس، بحسب التقرير. وقال أحمد صالح ذو الـ26 عامًا المنضم للفيلق الخامس عام 2018: «نحن أكثر تنظيمًا الآن»، وأضاف: «بالرغم من أنّا محاطون بجنود النظام طيلة الوقت، فإننا لم نعد نهابهم بعد الآن».

عربي

منذ 10 شهور
بعد سقوط ثاني أكبر مدن المعارضة.. هذه خريطة سوريا الأخيرة التي ترسمها روسيا الآن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد