في محاولة لإحياء الذكرى السابعة للتظاهرات السلمية المطالبة بالديمقراطية ضد حكم بشار الأسد، التي تحل الشهر القادم، تظاهر عشرات المدنيين السوريين في مدينة إدلب شمال البلاد. سيرمز هذا التاريخ أيضًاإلى الذكرى السابقة لاعتماد نظام الأسد خيار قتل المتظاهرين، بدلًا عن الاستماع لمطالبهم البسيطة في إصلاحات اقتصادية وسياسية.

هكذا افتتح الصحافي والكاتب «سي جي ويرلمان» مقاله في موقع «هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية التركية (تي آر تي وورلد)»، وفيما يلي الترجمة الكاملة لنص المقال:

اليوم، وفيما يستمر السوريون في النزول إلى الشوارع بكل شجاعة وتحدٍّ احتجاجًا على الهمجية العنيدة لنظام الأسد، تدكّ الطائرات الروسية منازلهم ومستشفياتهم ومتاجرهم من مطلع الشمس حتى غروبها. يخبرني علاء الأحمد، وهو صحافي سوري في الغوطة الشرقية المحاصرة: «تبدأ الطائرات والقذائف كل يوم منذ التاسعة صباحًا، ولا تتوقف إلا عند حلول التاسعة مساء».

جحيم على الأرض

تقول بهية مارديني، وهي صحافية سورية وناشطة في مجال حقوق الإنسان: «هذه المجزرة، والمعاناة والطائفية التي نراها اليوم هي مدمرة تمامًا، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن هذا الصراع ينحدر من ثورة سلمية نادت بالديمقراطية».

Embed from Getty Images

طفل سوري مصاب جراء قصف الأسد

اليوم، تقارب حصيلة القتلى 500 ألف، فيما هناك أكثر من 10 ملايين هجروا من منازلهم وقراهم ومدنهم أو من البلد كلِّها، فيما يستمر القتل الجماعي بغير هوادة. مئات المدنيين قتلوا في غارات لنظام الأسد والجيش الروسي في الأسابيع القليلة الماضية فقط – نتحدث عن نحو 200 قتيل في يومين فقط في الغوطة الشرقية-، في الوقت الذي هُجّر في 300 ألف مدني منذ ديسمبر (كانون الأول) عندما بدأ النظام في تكثيف غاراته على إدلب، في الوقت الذي يوفر فيه الأطباء وعمال الإغاثة في مناطق سيطرة المعارضة المزيد والمزيد من الأدلة على استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية.

وتردف «مارديني»: «منظر الأطفال وهم يختنقون ويصرخون من بين اللهب المتصاعد عصي على النسيان، النظام لا يأبه كثيرًا بأعمار ضحاياه، ولا فيما إذا كانوا غير قادرين على الاختباء، بل إنه يتمد استهداف المدنيين ليبث الخوف في صدور أولئك الذين يسعى إلى حكمهم».

«نظرية المؤامرة» تطال كل شيء

في خلفية تلك المعاناة الإنسانية القاسية، تصدح أصوات حادة من حسابات «السوشيال ميديا» لبعض الغربيين من المؤيدين للأسد والمدافعين عن نظامه، هذا المزيج الغريب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من المدونين والمهووسين معتنقي نظريات المؤامرة قد تجمعوا في بداية الصراع لبث «البروباجاندا» المؤيدة لروسيا، والتي تسهم فقط في التغطية على جرائم الحرب التي يرتكبها الروس والأسد، ليس ثمة شك في أننا سمعنا جميعًا واحدة على الأقل من نظريات المؤامرة تلك، والتي تكشّف زيفها على نطاق واسع، بعضها على سبيل المثال: المظاهرات السلمية ضد حكم الأسد كانت نتاجًا لعملية أجنبية لـ«تغيير النظام»، «الخوذات البيضاء»، وهم مجموعات إنقاذ تطوعية تمكنت من حفظ أرواح نحو 100 ألف شخص في مناطق سيطرة المعارضة، هم مجرد أداة دعائية، أو هم واجهة لتبييض وجه القاعدة، المعارضون – وليس الأسد – هم من استخدموا السلاح الكيماوي ضد عائلاتهم لكسب التعاطف الدولي، الأسد يقاتل «الإرهابيين»، كل معارضيه من «الجهاديين»، المعارضة سممت المياه الواصلة إلى دمشق، وغير ذلك من الأكاذيب التي لا تُحصى.

ليس الغرض من تلك المقالة هو كشف زيف كل تلك الادعاءات أو المؤامرات الغريبة، وهي الادعاءات التي تم تفنيدها بالفعل هنا وهنا وهنا وهنا وهنا وهنا وهنا وهنا، وكما تقول «ليلى الشامي» وهي ناشطة سورية ومؤلفة، ردًا على اتهام «الخوذات البيضاء» بالانتماء إلى القاعدة: «المحزن أن الكثير من النشطاء والصحافيين السوريين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى استهلاك الكثير من الوقت في رفض تلك الأحاديث، نظرًا للتأثير المدمر الذي يمكن أن تفعله في حياة الناس».

Embed from Getty Images

الخوذات البيضاء في سوريا

ويبدو أن مؤامرات مؤيدي الأسد قد خرجت عن السيطرة، إلى الحد الذي جعل المدونة الإنجليزية «فانيسا بيلي» – التي أصبحت أبرز مروجي هذا الهراء – نادت روسيا بشن غارات على «الخوذات البيضاء»، حتى أنها قد نادت بسجني بتهمة «العمل على تدمير سوريا وشعبها». وتم اتهام «الخوذات البيضاء» من قبل الكندرية «إيفا بارتليت» بأنها محض خيال هوليودي، وقد ضحك «باتريك هيلسمان» – وهو صحافي مستقل سبق له زيارة مناطق سيطرة المعارضة ثلاث مرات – ساخرًا عندما ذكرت هذه الادعاءات عن «الخوذات البيضاء».

واجهتهم للمرة الأولى حين سألت سائقي – وبكل بساطة – عن المبنى على اليمين، أخبرني أن هذا هو «الدفاع المدنى»، قمنا بالسير بعد ذلك بين أناس غير معلومين وغير مسلحين.. لم أكن أعمل لصالح أي من مراكز الأبحاث الكبرى، لم يخبرني أحد ما يجب على قوله، ولم يطلب أحد من هؤلاء المنقذين أن يتظاهروا بشيء في مواجهة صحافيين مستقلين يحملون كاميرات سيئة الجودة.

كيف يستفيد الأسد من «الدعاية الكاذبة»؟

لكن ولسوء الحظ، فإن الدعاية المؤيدة للأسد كانت فعالة للغاية في تعكير صفو الأشياء، وتشويه صورة المعارضين، فضلًا عن حرف الانتباه بعيدًا عن الديكتاتور الأكثر وحشية إطلاقًا في هذا القرن، الأمر الذي أدى إلى تقويض أي جهود دولية لحماية الشعب السوري من الإبادة الجماعية.

لذلك سألت عددًا من السوريين حول الضرر الذي تحدثه نظريات المؤامرة الزائفة تلك على الشعب السوري وثورته المنادية بالديمقراطية، يخبرني الكاتب السوري – البريطاني «روبن ياسين قصاب» وهو مؤلف مساهم في كتاب «البلد المحترق: السوريون في الثورة والحرب»: «هذه الدعاية هي ما سهلت الهجمات الكيماوية، وقصف المستشفيات والتطهير الطائفي، كما أنها تساهم بشكل عام في شيطنة العرب والمسلمين في ثقافتنا».

ويضيف قصاب: «وبعيدًا عن الأذى الذي تسببه للسوريين، وللعرب والمسلمين، فإنها تدمر حياتنا المدنية والسياسية هنا في العرب، لكن غرضها الرئيس – وهو أمر مزروع ومُوجّه بعناية – هو حرف الانتباه عن الجرائم التي يرتكبها الأسد، والاحتلال الإيراني والروسي ضد المدنيين في سوريا، وأن يمنع جهود التضامن مع الضحايا».

وعندما حاورت الصحافي السوري «علاء الأحمد»، أخبرني أنه يجد من المحزن للغاية أن يقرأ وصف صحافيين غربيين من مناصري الأسد له ولـ300 ألف سوري محاصر في الغوطة الشرقية بـ«الإرهابيين»، متسائلًا:«هل أنا إرهابي لأني طالبت بدولة مدنية، وأنا أقاتل الفصائل التي تسعى إلى خلافة إسلامية في الوقت نفسه؟».

Embed from Getty Images

أما قصي نور، وهو صحافي سوري آخر يوثق جرائم الأسد ضد الإنسانية في الغوطة الشرقية، فهو يؤمن تمامًا بأن نظريات المؤامرة تلك ليست معنية إلا بوصف معارضي الأسد بـ«الإرهابيين»، وهو ما يدعم سلطنة الشمولية، ويضرب عرض الحائط بالأهداف السامية للثورة، وفي النهاية ستؤدي تلك الدعاية إلى تبخّر أي ضغط دولي على الأسد، في وقت يبدو فيه السوريون في أمس الحاجة لهذا الضغط.

تقول بهية مارديني، الناشطة السورية في مجال حقوق الإنسان: «من الضروري أن يظل المجتمع الدولي متحدًا مع أولئك الذين يسعون إلى حل ديمقراطي في سوريا، بعيدًا عن الأسد وعن الإرهاب، نحتاج من المجتمع الدولي أن يضغط على روسيا لتوقف قصفها للسوريين ودعمها للأسد، ساعتها يمكن العمل في سبيل الوصول إلى تسوية سياسية سلمية».

في النهاية: لقد كانت «التسوية السياسية السلمية» هي الشيء الوحيد الذي طًلب من الأسد ابتداء، قبل سبع سنوات عجاف مليئة بالدم والألم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد