كتبت ميجان جيوفيناتي مقالًا نشره موقع «ميدل إيست آي» يوضح أوضاع الأمراض النفسية والعقلية في فلسطين. وتبدأ الكاتبة مقالها بذكر أن رمزي أبو يابس، البالغ من العمر 32 عامًا، يقود سيارته إلى العمل في الخليل عبر المنطقة (ج) من الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

في حادث وصفته السلطات الإسرائيلية بأنه هجوم، بينما تقول عائلته إنه كان حادثًا، اصطدمت سيارته وأصابت ثلاثة جنود إسرائيليين. وقتل أبو يابس بالرصاص مباشرة حينها.

قالت التقارير إن الممرض والأب لطفلين حُرم من العلاج الطبي بعد إطلاق النار عليه، ولم تعط السلطات جثمانه إلى عائلته لدفنه بعد.

مترجم: سياسات الخوف.. كيف استحوذ الخوف علينا وأصبح أداة للتلاعب بنا؟

كان أبو يابس رئيس قسم التمريض في جمعية التأهيل العربية في بيت لحم، وهو صديق وزميل الدكتور إبراهيم خميس، مدير مستشفى بيت لحم للطب النفسي.

في اليوم التالي لوفاة أبو يابس، يبدو الدكتور خميس متوترًا، والناس يدخلون ويخرجون من مكتبه يطرحون الأسئلة وينتظرون رؤيته. من الواضح أنه مشغول، ولكن يبدو مشتتًا بعض الشيء كذلك. يعترف الدكتور خميس بأن مقتل زميله أثر في وضعه النفسي اليوم.

نحن نتحدث عن الصحة العقلية في فلسطين -خاصة في ما يتعلق بالاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)- ويبدو كما لو أن الدكتور خميس نفسه يمكن أن يتفهم هذه الأحوال.

يقول الدكتور خميس: «الظروف العامة، مثل قتل الأصدقاء والعائلة تؤثر في الجميع».

تقول الكاتبة إن مستشفى بيت لحم للأمراض النفسية هو الوحيد من نوعه في الضفة الغربية، ويستطيع أن يخدم حوالي 20- 30 مريضًا في الوقت ذاته. يكرس المستشفى عمله للحالات الشديدة مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب، ويترك الحالات الأقل شدة، مثل القلق الشديد، والاكتئاب الخفيف إلى المعتدل، واضطراب ما بعد الصدمة، في أيدي مراكز خاصة.

لا يوجد سوى 22 طبيبًا نفسيًّا في جميع أنحاء الضفة الغربية، يخدمون السكان البالغ عددهم حوالي 2.5 مليون نسمة. ومع ذلك، تفيد التقارير بأن فلسطين تتمتع بأحد أعلى معدلات السلوك الاكتئابي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي المنطقة التي تفيد التقارير بأنها منطقة ذات أعلى معدلات اكتئاب في العالم.

الدكتورة سماح جبر تجلس على مكتبها في مكتب وحدة الصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة

تشير الكاتبة إلى أن الحروب والنزاعات الجيوسياسية في العديد من البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هي أحد أهم العوامل المساهمة في هذه المعدلات المرتفعة والمتطرفة في السلوك الاكتئابي.

لكن الصراع في فلسطين مختلف للغاية عن تلك الصراعات التي تحدث في بلدان أخرى في المنطقة، بحسب الكاتبة. تقول الدكتورة سماح جبر، رئيسة وحدة الصحة العقلية في وزارة الصحة: «لا يوجد أحداث كبيرة هنا. لكن هناك شيئًا خبيثًا يضر الناس داخليًّا طوال الوقت، دون إيلاء اهتمام كبير له. لذلك يمكن أن تضعف مقاومتهم العقلية له في بعض الأحيان».

في مقالة غير منشورة كتبتها الدكتورة سماح من أجل وحدة الصحة العقلية التابعة لوزارة الصحة، أشارت إلى استبيان أعدته جمعية الشبان المسيحيين عام 2014، والذي وجد 148 منظمة «تقدم خدمات الصحة العقلية والدعم النفسي الاجتماعي» في الضفة الغربية. هذه الخدمات موزعة على 109 منظمات غير حكومية، ووزارات، والأونروا، وجمعية الهلال الأحمر، ومراكز خاصة، ومنظمات دولية.

تأسست أول عيادة صحة عقلية مجتمعية منذ 14 عامًا بدعم من الاتحاد الأوروبي من خلال وزارة الصحة. يوجد الآن عيادة واحدة في كل مدينة، وثلاث في الخليل.

بالنسبة للدكتورة سماح والدكتور خميس، فإن ارتفاع معدلات السلوك الاكتئابي أو القلق بين الفلسطينيين هو رد فعل طبيعي تمامًا لصدمات الحياة اليومية في ظل الاحتلال. مما يثير التساؤل: لماذا تفتقر الضفة الغربية إلى مركز خدمات الصحة العقلية؟ وإذا كان الأمر «عاديًا» كذلك، فلماذا لا يتحدث عنه أحد؟

فيما يتعلق بالرعاية الصحية العقلية بشكل عام في فلسطين، يقر الدكتور خميس بأن أكبر تحد يواجه خبراء الصحة النفسية هو التغلب على العلاج المتأخر، أو الافتقار إليه أصلًا بسبب وصمة العار المجتمعية.

تحدي عقلية المجتمع

يقول فارس ذو الثلاثين عامََا: «في غياب المهنيين ، عليك إصلاح نفسك بنفسك، لكن عليك أن تفهم أن لديك مشكلة أولًا».

يتكئ فارس على كرسي في منزله ببيت لحم في بيت ساحور، واضعََا يده خلف رأسه، يراجع فارس رحلته التي استمرت عقودًا في التعامل مع الاكتئاب.

مترجم: الراحة عند إذلال الآخرين إحداها.. 10 جوانب مظلمة لطبيعتنا البشرية

جابه فارس نوبات الذعر والاكتئاب منذ كان عمره 14 عامًا. عند النظر إلى الماضي، يمكن أن نجد العديد من المحفزات: وفاة جده، والدمار الذي خلفته الانتفاضة الثانية، وقيود السفر بجواز سفر فلسطيني، وحتى جيناته. لكن الأمر استغرق عدة سنوات ومئات الكتب ومختلف المنتديات عبر الإنترنت قبل أن يتوصل إلى هذا الاستنتاج.

يقول فارس: «لقد كنت في الواقع مسيحيًّا». وعلى الرغم أنه من بيت ساحور (وهي قرية مسيحية) فهو الآن ملحد قوي. عندما بدأت نوبات الذعر لأول مرة، يتذكر فارس كيف ربطهم بفكرة «ربما دخل الشيطان إلى ذهني، لن يغفر لي الله أبدًا الآن، لدي الشيطان بداخلي».

بالنسبة لفارس، كان إبعاد نفسه عن العقلية الدينية المحافظة لمجتمعه، إلى جانب التعليم الذاتي هو المفتاح لفهم صحته العقلية. «لو بقيت في الصندوق الذي كان من المفترض أن أبقى فيه، لم أكن لأفهم هذا النوع من الأشياء»، على حد قوله.

المستشفى النفسي الوحيد في الضفة الغربية والموجود في بيت لحم

وصمة العار على جميع الجبهات

أوضح أحمد فيصل أبو يابس، وهو ممرض بمستشفى بيت لحم للطب النفسي، أنه عادة عندما يجري تسجيل مريض جديد، فإن عائلته تعمل بجد للتأكد من أن مرضه يبقى سرًّا. وخلص يابس إلى القول: «إنه خائف من الجيران. خائف من وصمة العار وحكم مجتمعه».

ورد على لسان فارس، والذي قضى والده الكثير من الوقت داخل مستشفى بيت لحم للأمراض النفسية، كلامًا مشابهََا. بناءً على خبرته، فإن فارس يشعر أن المستشفى لا يساعد المرضى بقدر ما يعمل بوصفه مكانًا يمكن للعائلات «إخفاء» أحبائهم فيه.

يعتقد فارس أن هذه الوصمة «متجذرة بعمق» في العالم العربي الأوسع نطاقًا، كونه مجتمعًا جماعيًّا يرتكز على الأسرة. ينظر إلى كل فرد بوصفه جزءًا من الأسرة، وينظر إلى كل شخص داخل المجتمع الجمعي. يقول فارس: «إذا كانت لديك مشكلة، فهذا عيب في حق العائلة».

مترجم: تعلم التفكير النقدي يجعلك أكثر ذكاءً.. كيف؟

وكمثال على ذلك، يحدّث فارس كيف أن ابن عمه كان يحب فتاة في بيت ساحور، وأجبرتهم عائلة الفتاة على الانفصال؛ لأنهم عرفوا أن والد فارس قد عانى من مشاكل متعلقة بصحته العقلية.

وقالت الأستاذة ريتا جياكامان، مديرة معهد بيرزيت للصحة المجتمعية والصحة العامة، لموقع «ميدل إيست آي»: «لا شك الآن في وجود نوع من العار المرتبط بالأمراض العقلية الشديدة». وفي واقع الأمر، قالت ريتا إنه قلق عملي للغاية لأن «الناس يخافون من هذه الحالات المرتبطة بالوراثة».

وتابعت ريتا: «ولكن هذا هو الحال بين الأقلية من السكان. لا يحتاج الجزء الأكبر من السكان إلى وصمهم بالعار»، لأنهم لا يعانون من مرض عقلي شديد. وتقول إن حالات الاكتئاب والقلق في فلسطين، في معظمها، ليست ولا ينبغي أن تعامل على أنها أمراض عقلية.

فهم الحالة الفلسطينية

توضح الدكتورة سماح: «يفترض المرض العقلي أن المشكلة تكمن في الداخل؛ بينما المرض النفسي أو المعاناة النفسية والاجتماعية لها علاقة بالسياق». وبعبارة أخرى، فإن المرض العقلي يكون مسألة داخلية بحتة، في حين أن المعاناة النفسية الاجتماعية لها علاقات بالخارج؛ مما يجعل هذا النوع من المعاناة يعتمد على علاقات الفرد مع الآخرين والبيئة.

وتختتم الدكتورة سماح بالقول: «إذا عالجنا الأشخاص الذين يعانون من معاناة نفسية واجتماعية على أنهم مرضى عقليون، فإننا نقتل إرادتهم وتحكمهم بذواتهم. الأمر بهذه البساطة».

بالنسبة إلى ريتا، لأن المجتمع يخلط ما بين الأمراض العقلية والمعاناة النفسية والاجتماعية، فإن النتيجة هي الوصم السلبي على جميع الجبهات. ونتيجة لهذه الوصمة، عادة ما يتجنب الفلسطينيون الذين يعانون من صدمة الحرب العلاج. وتقول ريتا: «عادة لا يكون هناك أي صلة ما بين الطب، والعلاج النفسي على الإطلاق».

مترجم: هكذا تساعدك الجدالات العائلية على اتخاذ قرارات أفضل

هناك ممارسة شائعة بين الأطباء النفسانيين في فلسطين، والذين لا يتمتعون بالخبرة في العلاج النفسي، إذ يقومون بوصف دواء وإحالة المريض إلى معالج، وهم قليلون ومتباعدون في الضفة الغربية.

كان والد فارس يذهب إلى طبيب نفسي، لكن فارس قال ببرود: «كان مجرد تاجر مخدرات». ويعزو فارس إدمان والده للمخدرات -والوفاة الناتجة من ذلك- إلى حد كبير إلى مشكلة الممارسات الحالية للأطباء النفسيين في فلسطين.

تعتقد ريتا أن ممارسة استخدام الدواء استخدامًا مفرطًا لها علاقة كبيرة بأثر المساعدات الدولية، وتأثير شركات الأدوية الغربية. وتجادل قائلة: «إنه في العديد من المجتمعات النامية، يعرّف الناس الاكتئاب بطريقة مختلفة عن الطريقة التي يعرفه بها العالم الغربي».

وتقول ريتا إن نظام الرعاية الصحية النفسية الفلسطيني يحتاج إلى تطوير خدمات خاصة بالفلسطينيين، بدلًا من استيعاب المفاهيم الغربية برمتها دون أخذ السياق بالاعتبار. وتعتقد أنها بحاجة إلى تطوير «أساليب يمكن أن تساعد الأشخاص في إعطاء معنى للتجارب الصادمة».

طبيبان يستريحان في حديقة المستشفى (MEE/Megan Giovannetti)

البحث عن حلول جماعية

تعتقد ريتا أن الفلسطينيين الذين يعانون من الظروف النفسية- الاجتماعية للحرب لا يحتاجون لرؤية طبيب نفسي أو أخصائي في الصحة العقلية؛ لأنهم ليسوا مرضى عقليًّا. «لا يرغب الناس في علاج واحد لواحد (لأنه) وصمة عار».

وتقول ريتا إن المناقشة الجماعية وتقاسم الخبرات مع الأشخاص الذين مروا بمواقف مماثلة هي أفضل طريقة للتخفيف من معاناة الناس. ومن تجربتها، يفضل الفلسطينيون الانفتاح والتحدث مع الأصدقاء والعائلات بدلًا من المهنيين.

تتحدث الأستاذة ريتا حديثًا إيجابيًّا عن مركز الاستشارة الفلسطينية -الذي يضم خمسة مواقع في جميع أنحاء الضفة الغربية- وتقول إنه يقوم بعمل رائع مع مجموعات مستهدفة، مثل أطفال السجناء السياسيين.

وتقول الدكتورة سماح أيضًا إنه في الأسابيع المقبلة، تخطط وزارة الصحة، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، والمدارس المحلية لقياس مستوى فهم الأمور النفسية الأساسية. إذ سيلتقي ممثلو الطلاب ومستشارو المدارس مع أخصائيي الصحة العقلية للحصول على التدريب الأساسي في مجال التدخل في الصحة العقلية (مثل ملاحظة السلوك والمسببات، وكيفية التصرف حيالها).

غير أن التحدي يكمن في أنه وبسبب وصمة العار والخوف من أحكام الناس، يقوم الكثير من الفلسطينيين بكتم معاناتهم.

يعتقد فارس أن جزءًا كبيرًا من الاكتئاب «هو شعور الانفصال والوحدة وعدم الفهم». لذا إذا كان هناك شخص ما ينفتح على شخص آخر، سيخفف قدرًا كبيرًا من المعاناة.

تقول الكاتبة: في حالة فارس، فقد كان محظوظًا، لأن عائلته النووية متعلمة ولديها خبرة في قضايا الصحة العقلية، فهي منفتحة جدًا لمناقشة الصحة العقلية. وأصبحت عائلته في الواقع نوعًا من الملجأ للعائلة والأصدقاء الممتدين للتخفيف من مشاكلهم العقلية.

يقول فارس: «أعتقد أن جزءًا من كيفية حل المشكلة هنا في فلسطين، هو أن يقوم الأشخاص الذين يعرفون عن هذه الأنواع من الأشياء أن يناقشوها بحرية وبانفتاح لتشجيع الآخرين على الانفتاح».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد