نشرت مجلة «ذا ديبلومات» المتخصصة في شئون منطقة آسيا-المحيط الهادئ مقالًا للكاتب ويليام براتون، مؤلف كتاب «صعود الصين وأفول نجم آسيا»، تناول فيه مستقبل تايوان في المنطقة والسيناريوهات المطروحة للتعامل معها، واحتمالية أن تلجأ الصين إلى اتباع النهج الذي اتبعته الولايات المتحدة تجاه كوبا، والذي يتمثل في محاولة التضييق على تايوان لخنقها اقتصاديًّا.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل صراع الصين وتايوان

يستهل الكاتب مقاله موضحًا أن مستقبل تايوان يُقدَّم على نحو متكرر باعتباره واحدًا من سيناريوهات ثلاث. ويتمثل السيناريو الأول في إعلانها الناجح عن تمتعها بالسيادة المستقلة مع نيلها اعترافًا دوليًّا بذلك وقبول الصين لوضعها الجديد. ويتمثل السيناريو الثاني في استمرار الوضع الراهن المضطرب على المدى الطويل. أما السيناريو الثالث فيتمثل في لجوء الصين إلى استخدام القوة لتحقيق إعادة توحيد الجزيرة مع الدولة الأم (الصين).

دولي

منذ 9 شهور
«فورين بوليسي»: هل تدعم الصين انقلاب ميانمار؟

ويرى الكاتب أن السيناريو الثالث غالبًا ما يُنظر إليه على أنه الأكثر احتمالًا. ويرجع ذلك إلى حد ما إلى تنامي الضغوط القومية في كلٍ من الصين وتايوان بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، وسيستمر هذا الأمر في التنامي. وتسير الدولتان (الصين وتايوان) على مسارات سياسية متباينة، مما سيجعل الحفاظ على الوضع الراهن صعبًا على نحو متزايد.

وبينما كانت الصين تفتقر تاريخيًّا إلى القدرات اللازمة لنقل جيشها عبر مضيق تايوان، وبخاصة لمواجهة أي تدخل أمريكي، فإن تحديث جيش التحرير الشعبي الصيني يجعل الآن تهديداته بإعادة التوحيد القسري للجزيرة أكثر قوة وفعالية.

ويرى البعض أن التكاليف الاقتصادية والسياسية لإعادة توحيد الجزيرة قسريًّا ستردع الصين عن الإقدام على مثل هذه الخطوة. ومع ذلك، فإن هذا الرأي المتفائل يقلل من شأن المشاعر القومية وتأثيرها في العقلانية الاقتصادية. ويزخر التاريخ بأمثلة عن إجراءات سياسية نجَمَ عنها تكاليف اقتصادية كبيرة.

ولكن إذا قررت الصين أن استخدام القوة سيكون أمرًا مدمرًا للغاية لأهدافها الجيوسياسية والاقتصادية الإقليمية، فهناك سيناريو رابع محتمل: ونعني به خيار كوبا. إذ يمكن للصين أن تتبنى استراتيجية تجاه تايوان مماثلة لتلك التي تبنتها الولايات المتحدة تجاه كوبا.

أوجه التشابه بين تايوان وكوبا

ويلفت الكاتب إلى أن هذا السيناريو يعكس أوجه التشابه الظرفية بين كوبا وتايوان. فكلاهما يقع على مقربة شديدة من قوة إقليمية عظمى، وهناك خلافات أيديولوجية وسياسية كبيرة مع الجارة الأكبر لكل منهما. وفي الوقت الذي تعتمد فيه تايوان سياسيًّا على الولايات المتحدة، الشريك البعيد جغرافيًّا، كانت كوبا ذات يوم تعتمد على الاتحاد السوفيتي، وهو حليف آخر بعيد جغرافيًّا.

Embed from Getty Images

وعلاوةً على ذلك، هناك تفاوتات اقتصادية كبيرة بينها وبين القوى العظمى المجاورة لها، والتي تتمثل، في حالة كوبا، في أن الولايات المتحدة مُسلَّحة على نحو يُمكِّنها من إلحاق الضرر بجارتها الأصغر.

جدير بالذكر، أن كوبا كانت تعتمد بشدة على الولايات المتحدة قبل أن تفرض الأخيرة عقوبات عليها في عام 1960. وكان أكثر من ثلثي التجارة الكوبية مع الولايات المتحدة، وكانت الجارة الأكبر المصدر الرئيس لرأس المال في الجمهورية الكوبية. ولكن على مدى العقود الستة الماضية، عززت واشنطن على نحو مطرد من إجراءاتها لضمان فرض عزلة اقتصادية شبه كاملة على كوبا.

وحافظت واشنطن على هذه القبضة الخانقة على الرغم من عدم توافر أدلة كافية على أن العقوبات حقَّقت النتائج المرجوة منها، في ظل انتقاداتٍ دولية مستمرة لفرض هذه العقوبات. لكن نتيجة لذلك، ظلت كوبا تخرج من أزمة اقتصادية لتقع في أخرى.

هل تتبنى بكين سياسة واشنطن سابقًا مع كوبا؟

يرى الكاتب أنه ليس من الصعب أن نتخيل أن تتبع الصين نهجًا مشابهًا تجاه تايوان، خاصة وأن الصين، القوة العظمى الإقليمية، أظهرت بالفعل استعدادًا متزايدًا لاستخدام القوة الاقتصادية لتعزيز سياساتها الخارجية. واستفادت الصين من سهولة الوصول إلى أسواقها الضخمة لتشجيع الآخرين على الاعتراف بسيادتها المزعومة على تايوان. كما استخدمت الروابط الاقتصادية القوية لتايوان مع الدولة الأم لمكافأة الجزيرة ومعاقبتها على حد سواء، بحسب ما تقتضي الظروف.

لكن عواقب هذه الإجراءات كانت طفيفة مقارنة بالآثار المحتملة لسياسة عقوبات أكثر شمولًا. وعلى الرغم من أن الصين لم تحدد بعد نهجها تجاه العقوبات، خاصة فيما يتعلق بأهدافها الدولية، إلا أنه يجب افتراض أن الصين ستعمل في النهاية على تعزيز قوتها الاقتصادية لتحقيق نفوذ أكبر – خاصة وأن الولايات المتحدة أرْسَت بالفعل سابقة كبيرة بشأن استخدامها للعقوبات، كما يتضح من تجاربها مع كوبا والصين نفسها.

وكما فعلت الولايات المتحدة مع كوبا، يمكن للصين استخدام العقوبات لعزل تايوان اقتصاديًّا. وقد يكون من المستحيل فرض حظر تجاري كامل عند الأخذ في الاعتبار نظرة الصين إلى وضع تايوان ومكانتها. لكن الشركات الأجنبية التي تمارس نشاطًا تجاريًّا في تايوان أو مع كيانات تايوانية قد تجد نفسها ممنوعة صراحةً من الدخول إلى أسواق الصين الأم أو مُستبْعَدة من تزويد أي كيان صيني بمنتجاتها.

Embed from Getty Images

وليس من الصعب التنبؤ بالاختيار الذي ستتخذه الشركات إذا ما أجبرت على الاختيار بين تايوان والصين. وفي الواقع، يمكن للصين، اعتمادًا على السياسات المحددة المعتمدة، استخدام العقوبات لزيادة اعتماد تايوان الاقتصادي عليها أو لفرض تكاليف عقابية على الجزيرة.

محاذير استخدام العقوبات الاقتصادية ضد تايوان

وبالإشارة إلى الخيار الأخير، يؤكد الكاتب أن هناك عديدًا من المحاذير المحتملة لهذا السيناريو. وأول هذه المحاذير هو أن حالة كوبا تُظهِر محدودية نتائج العقوبات باعتبارها أداة سياسية. فقد كانت الولايات المتحدة تأمل في أن تُشجِّع الإجراءاتُ المطبقة الشعبَ الكوبي على أن يثور مطالبًا بالتغيير أو أن تغير الدولة أيديولوجيتها، ولكن لم يتحقق أيُّ من الهدفين.

ويكمن الخطر في أن اتِّباع سياسة مماثلة تجاه تايوان من شأنه ألا ينجح بالقدر نفسه. وربما يؤدي عزل تايوان دوليًّا في الواقع إلى تسريع إعلان استقلال الجزيرة، على الرغم من أن هذا ربما يؤدي إلى رد عسكري من جانب الصين.

أما ثاني هذه المحاذير فيتمثل في أن قدرة الصين على فرض عقوبات أحادية الجانب لا تزال محدودة بسبب نقاط الضعف الاقتصادية الخاصة بها. فهي لا تعتمد على واردات أشباه الموصلات الإلكترونية من تايوان فحسب، لكنها تظل عُرْضة لعقوبات أمريكية مضادة، خاصة إذا استبعد الأمريكان الصين من الأسواق المالية الغنية بالدولار الأمريكي.

ومع ذلك، ستنخفض نقاط الضعف الخاصة بالصين على نحو كبير خلال العقد المقبل، وإذا تحقق هذا الأمر، ستزداد في المقابل قدرة الصين على تنفيذ سياسة العقوبات الخاصة بها.

ويختم الكاتب مقاله بالقول: إن تايوان ستكون بؤرة للاشتعال بين الولايات المتحدة والصين بالقدر نفسه الذي كانت عليه كوبا بالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. لكن الطريقة التي حلَّت بها الولايات المتحدة مشكلة كوبا يمكن أن تتبناها الصين أيضًا تجاه تايوان، على الأقل بعد إجراء تعديلات عليها.

وعليه، فالتحدي يتمثل في ما إذا كانت هذه الطريقة ستكون كافية لتحقيق رغبة الصين في إعادة التوحيد، خاصة قبل الذكرى المئوية لإعلان جمهورية الصين الشعبية، والتي ستحل في عام 2049. لكن في كلتا الحالتين، من الصعب تصوُّر سيناريو ينتهي بالخير لتايوان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد