نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالًا لمايكل غرين وإيفان ميديروس، أستاذَي الدراسات الآسيوية في كلية الشؤون الخارجية بجامعة جورجتاون، حول مستقبل تايوان.

وفي مستهل مقالهما، قال الكاتبان إن الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية هزَّت أرجاء هونج كونج لأكثر من عام. والآن، فرضت الصين قانون الأمن القومي شديد القسوة، والذي من شأنه أن يقوِّض استقلالية الإقليم وهويته بالتبعية. إن القانون الجديد مأساة عميقة لشعب هونج كونج، ولكن للأسف لا يمكن للمجتمع الدولي وقف تنفيذه. وألمحت إدارة ترامب إلى أن هذا القانون سيزيد الضغوط على حكومة هونج كونج. وقد يضر تنفيذ القانون باقتصاد هونج كونج ويُسرِّع من وتيرة ضم الإقليم إلى جنوب الصين.

ولذلك، نصح بعض المحللين الجانب الأمريكي بضبط النفس، في حين يجب على صنَّاع القرار السياسي في الولايات المتحدة التفكير فيما هو أبعد من هونج كونج عند صياغة رد الفعل على ما يجري. إذ يمكن أن يعطي رد الفعل الأمريكي الفاتر بكين انطباعًا بأنها يمكن أن تمضي قدمًا في تحقيق رغباتها، مع إفلات نسبي من العقاب فيما يخص القضايا الخلافية الأخرى في قارة آسيا. ويلوح ظل تايوان في أفق هذا السياق، وما لم تُظهِر الولايات المتحدة العزيمة والقدرة على مقاومة العدوان الصيني، فقد يستنتج قادة الصين أن مخاطر العمل العسكري المستقبلي ضد تايوان بسيطة أو يمكن تحمُّلها.

وأوضح الكاتبان أن الهجوم الصيني على الجزيرة ليس وشيكًا ولا حتميًّا، لكن تصرفات بكين الأخيرة في هونج كونج – وفي أماكن أخرى من آسيا – تثير القلق حول أهدافها واستخدامها لتكتيكات قسرية لتحقيق هذه الأهداف. وباختصار، يجب على الولايات المتحدة أن تتوخَّى الحذر وألا تلعب دورًا لا يليق بها في هونج كونج.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«فورين بوليسي»: هل تجهض الأزمة المالية حلم «القوة العظمى» الصينية؟ 

توسيع النفوذ في آسيا

يتابع الكاتبان أنه في عهد الرئيس شي جين بينغ، أصبحت الصين أقل تدخًّلا في الشؤون الدولية وأكثر جرأة على استخدام الإكراه لتعزيز مصالحها، وغالبًا على حساب الولايات المتحدة وغيرها من القوى مثل اليابان والهند. وفي الأشهر الأخيرة، ضاعفت الصين من ضغوطها العسكرية وشبه العسكرية على بلدان مجاورة تجمعها نزاعات إقليمية معها. وأيًّا ما كان الغرض من هذه المناورات العدوانية، فإنها تذكِّر العالم تذكيرًا صارخًا بشهية «شي» للمخاطرة والدخول في صراعات، والرغبة في تأكيد المطالب الإقليمية.

Embed from Getty Images

ويكشف التاريخ الحديث عن أن النظام الدولي عرضة لهذا النوع من الوحدوية الزاحفة. فعندما قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، كان يعتمد على الدروس المستفادة من غزوه لجورجيا عام 2008، ولم يلقَ هذا الغزو سوى إدانة دولية ضعيفة. صحيح أن لتايوان وأوكرانيا سياقات جيوسياسية مختلفة تمامًا، ولكن قادة الصين سيتعاملون مع رد فعل الولايات المتحدة مثلما تعامل بوتين.

هناك أمور مشتركة بين هونج كونج وتايوان أكثر مما يُقدِّره كثير من المحللين. وقد كان للاحتجاجات التي اندلعت في هونج كونج خلال العام الماضي صدى عميق لدى شعب تايوان وقيادته. وأرسل مواطنون من تايوان معدات وقاية إلى المتظاهرين في هونج كونج، وأُعيد انتخاب الرئيسة التايوانية تساي إنغ ون في يناير (كانون الثاني) جزئيًّا، لأنها أعربت عن دعمها لحركة هونج كونج المؤيدة للديمقراطية. وهناك أيضًا حلفاء للحركة الديمقراطية التي وحَّدَت مواطني هونج كونج وتايوان في أجزاء أخرى من آسيا. وجمعت الحركة المعروفة باسم «تحالف شاي الحليب» في وسائل التواصل الاجتماعي بين الناشطين في هونج كونج وتايوان وتايلاند والفلبين.

ولكن ما يعُدُّه كثيرون في هونج كونج وتايوان ودول آسيوية أخرى تعبئة عبر الإنترنت لدعم المعايير الديمقراطية العالمية، تعُدُّه بكين حركة خطيرة من «منشقين» يسعون إلى تقويض سيادة الصين ونشر القيم الغربية واحتواء الصين في آسيا. وفي الواقع، توجِّه السلطات الصينية اللوم بانتظام إلى «قوى خارجية معادية» بسبب الاحتجاجات في هونج كونج – ولظهور حركات في تايوان وأماكن أخرى.

تايوان وقلق الصين

ولفت الكاتبان إلى أن زعماء الصين أكدوا كثيرًا أنهم على استعداد لاستخدام القوة ضد تايوان -إما لمنع استقلال الجزيرة بحكم القانون أو لإجبارها على الاتحاد مع البر الرئيسي. لكن «شي» اتبع نهجًا أكثر صرامة تجاه تايوان. وفي مؤتمر الحزب التاسع عشر في عام 2017، أعلن أن إعادة الاتحاد مرتبط بـ«حلم الصين» الخاص بالتجديد الوطني. وفي يناير 2019، قال: «يجب أن تتحد بلادنا مرة أخرى، وسوف تتحد بكل تأكيد».

والأنكى من ذلك، أن رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ حذف كلمة «السلمي» التي تصف «الاتحاد»، في خطابه الافتتاحي السنوي أمام المؤتمر الشعبي الوطني في مايو (أيار). وفعل الشيءَ نفسَه عضو مجلس الدولة ووزير الخارجية، وانغ يي، في خطابه أمام المؤتمر بعد ذلك بأيام قليلة. وعادت الكلمتان «الاتحاد السلمي» بعضهما بجانب بعض في النسخة النهائية لتقرير عمل يي الذي وافق عليه المؤتمر.

Embed from Getty Images

وسَعَت الصين أيضًا إلى عزل الجزيرة دبلوماسيًّا. ففي السنوات الخمسة الماضية، أوقعت بكين وسبعة من الحلفاء الرسميين العاصمة التايوانية تايبيه في شَرَكها، تاركةً 15 دولة فقط تعترف بتايوان بصفتها دولة مستقلة. كما استبعدت الصين تايوان من الاجتماع السنوي لجمعية الصحة العالمية الذي عُقِد في جنيف، على الرغم من احتوائها لمرض كوفيد-19 ونجاحها في الحد من انتشاره. كما كثفت الصين من الضغط العسكري على تايوان؛ إذ أجرت القوات الجوية والبحرية الصينية أكثر من عشر عمليات عبور وتدريبات عسكرية بالقرب من الجزيرة منذ منتصف يناير، بما في ذلك عدد من عمليات التوغل المتعمد في المجال الجوي التايواني، وذلك وفقًا لبحث أجرته بوني إس غلاسر، وماثيو بي فونايول من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية. والهدف من هذه المناورات تخويف تايوان من خلال إظهار بكين استعدادها لاستخدام القوة في أي لحظة.

وأشار الكاتبان إلى أنه ليس هناك أمور كثيرة في جُعْبة تساي لإقناع الصين بتخفيف حدة ضغطها الدبلوماسي والعسكري قبل أن تقبل تعريف الصين الأحادي «للصين الواحدة» ونموذجها «دولة واحدة، نظامان مختلفان»، وكلاهما الآن فَقَدَ مصداقيته بالكامل بسبب ما حدث في هونج كونج. ومن وجهة نظر زعماء الصين، يضفي التزام تساي باستقلال تايوان، وجهودها الملحوظة في «القضاء على الثقافة الصينية» على الجزيرة، والصلات المتزايدة بين تايوان وهونج كونج والعالم الديمقراطي، الشرعية على تهديد الصين بالحرب واستخدام القوة.

ويبدو أن شي قد اتخذ قراره بشأن تساي، ولكن ما يزال هو وزعماء صينيون آخرون يتدبرون في إيجابيات وسلبيات تنفيذ الخيار الأصعب بشأن تايوان، حيث يقيسون قوة الإرادة الأمريكية والدولية، وهذا هو السبب في أن رد فعل الولايات المتحدة بشأن قانون هونج كونج أمر مهم للغاية.

كيف تعيد بكين حساباتها؟

يتابع المقال: ولردع بكين عن المزيد من العدوان، يجب على الولايات المتحدة أن توضح عواقب تطبيق قانون الأمن القومي، وبخاصة إذا استخدمته بكين لتبرير اعتقال أو تسليم الصحافيين أو النشطاء السلميين أو المرشحين السياسيين في هونج كونج. ومرر الكونجرس الأمريكي تشريعًا وافق عليه الحزبان يخوِّل إدارة ترامب رفض منح التأشيرات وفرض عقوبات أخرى ضد المتورطين مباشرةً في حملة القمع على هونج كونج، وأبدت إدارة ترامب استعدادها لتنفيذ هذه الإجراءات. ويمكن للولايات المتحدة الحد من الأضرار الجانبية لهذه الإجراءات من خلال تنفيذها بالتنسيق مع قوى أخرى.

Embed from Getty Images

وستحتاج إدارة ترامب إلى البدء بتحسين التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين. ويثير العدد القليل من الحكومات الآسيوية التي انتقدت قانون الصين الجديد القلق البالغ، كما هو الحال بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي تعهد بأنه «سيتابع التطورات عن كثب». ولكن قبل أن تنجح واشنطن في حشد حلفائها الأوروبيين والآسيويين خلف رسالة موحدة في هونج كونج، يتعين عليها التوقف عن معاملتهم معاملة فظة؛ مثل انسحاب ترامب من جانب واحد من قوات حلف الناتو وغيرها.

واستدرك الكاتبان قائلين: لكن الصين تخلق ظروفًا مواتية أكثر (بسبب أخطائها) للدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة في هونج كونج. فما يسمى بـ«دبلوماسية محارب الذئب» في بكين، والتي تهدف إلى تخويف الدول التي تنتقد تعامل الصين مع الجائحة، إلى جانب عدوانها الأخير على القضايا الإقليمية، قد نفَّر دولًا كثيرة منها. ويجب على الولايات المتحدة أن تغتنم هذه الفرصة لتجعل هونج كونج أولوية دبلوماسية.

وفي الفترة التي تسبق انتخابات المجلس التشريعي في هونج كونج في سبتمبر (أيلول)، يجب أن تقود واشنطن جميع الحلفاء لتحذر بكين من اعتقال أي مرشحين سياسيين. كما يجب على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين والآسيويين التفكير في منح مواطني هونج كونج الإقامة وتوفير وسيلة للحصول على الجنسية، وعلى الولايات المتحدة التفكير في معاقبة المسؤولين الصينيين المتورطين إذا اعتقل أي مرشح. ربما لن تعيد مثل هذه الإجراءات استقلالية هونج كونج في المدى القريب، لكنها قد تقف في وجه أي أعمال قمع علنية، وتساعد في إعادة تشكيل تفكير بكين بشأن تايوان.

مبادرة الردع

وأردف الكاتبان قائلَين: لكن صد العدوان الصيني، سواء في تايوان أو في أي مكان آخر في آسيا، سيتطلب أيضًا من الولايات المتحدة أن تكون جادة بشأن الردع العسكري في غرب المحيط الهادئ. فعلى مدى العقدين الماضيين، حقق جيش التحرير الشعبي الصيني (PLA) تقدمًا أدَّى إلى تآكل خطير للقوة العسكرية الأمريكية في غرب المحيط الهادئ، وبخاصة حول تايوان. وكما كتب نائب وزير الدفاع السابق روبرت وورك، يواجه الجيش الأمريكي الآن احتمال خسارة المعركة مع الصين دفاعًا عن تايوان. واقترحت لجنتا القوات المسلحة بمجلسي النواب والشيوخ مبادرة الردع في منطقة المحيط الهادئ التي من شأنها أن تقطع شوطًا طويلًا نحو استعادة الميزة التنافسية للولايات المتحدة في هذه المجالات. ويجب على الكونجرس الأمريكي تمويل المبادرة ومساءلة البنتاجون عن تنفيذها في الوقت المناسب.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى أن المساعدة والتعاون مع تايوان مهمان للغاية في الجهود الأمريكية الرامية إلى ردع العدوان الصيني. فعلى واشنطن مساعدة تايوان لتجعل نظامها السياسي أكثر مرونة في مواجهة الضغوط الصينية، وجيشها أكثر قدرة على صد القوات الصينية. ويجب على الولايات المتحدة أيضًا أن تعمل مع تايوان على تطوير قدرات عسكرية من شأنها أن تردع أي غزو صيني أو أي هجمات على البنية التحتية الحيوية. وكذلك على البنتاجون مساعدة الجيش التايواني في إصلاح أنظمة الاحتياطي والتعبئة. كما ينبغي للولايات المتحدة تكثيف استعداداتها بهدوء مع اليابان وغيرها من الحلفاء القادرين على مواجهة الطوارئ التي قد تحدث في تايوان.

ولكن حتى الاستعدادات الدبلوماسية والعسكرية الذكية لن تضمن أمن تايوان ما لم تُفصِح الولايات المتحدة بوضوح لبكين عن نواياها وسياساتها ومخاوفها بشأن العلاقات عبر المضيق. وسيتطلب هذا الأمر من كبار مسؤولي الأمن القومي في الصين والولايات المتحدة استئناف هذا النوع من الحوار الاستراتيجي الصريح الذي جرى خلال حكم إدارتي جورج دبليو بوش وأوباما، لكن مثل هذا الحوار انتهى تمامًا بعد تولي ترامب منصبه.

وبصفتنا مديرين سابقين لآسيا في مجلس الأمن القومي، يمكننا أن نشهد على قيمة مثل هذا الحوار وحدوده مع الصين. ويمكن للولايات المتحدة في مثل هذه المحادثات أن تضع علامات واضحة لتؤكد ما ستفعله وما لن تفعله.

وأكد الكاتبان قائلَين إنه: من خلال تجربتنا، أي حوار من هذا النوع مفيد للجانبين على نحو استثنائي. ولكن العديد من حلفاء الولايات المتحدة الآن قلقون من الانضمام إلى التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة لمواجهة الصين، لأنهم يخافون من الانزلاق في دوامة تنافسية بين واشنطن وبكين ليس لها نهاية. وبالتالي فإن استئناف الحوار الاستراتيجي مع الصين سيدلل على أن الولايات المتحدة مهتمة بإنهاء هذه الدوامة.

واختتم الكاتبان مقالهما قائلَين: تتغير الأساسات التي تقوم عليها العلاقة بين الولايات المتحدة والصين عندما تصبح بكين أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر على الصعيد الدولي. ويُعد قانون الأمن القومي الجديد أحد الأمثلة على سلوك الصين الصارم، ونحن قلقون من أن مزيدًا من هذه الأمثلة قد يلوح في الأفق. ومع ذلك، ظلت المصالح الوطنية الأمريكية ثابتة لعقود، إن لم يكن لقرون، ويجب أن يكون ذلك منارة لصناع السياسة الأمريكيين الآن.

ومنذ بداية الجمهورية، سَعَت الولايات المتحدة إلى منع أي هيمنة منافسة من السيطرة على المحيط الهادئ، والوضع في هونج كونج يذكِّرنا بأن تحقيق هذا الهدف يزداد صعوبة. لذا يجب تخفيف الضغط الأمريكي بالدبلوماسية الماهرة للتأكد من أن بكين ترى تحالفًا دوليًّا يتحرك ضدها، وفي الوقت نفسه لا تشعر بتهديد شديد يدفعها إلى مهاجمة الولايات المتحدة وحلفائها  أو السعي لإذهاب ريح هذا التحالف.

دولي

منذ شهر
مترجم: قانون الأمن الوطني الصيني الجديد.. ماذا يعني بالنسبة لاحتجاجات هونج كونج؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد