نشر موقع «ميدل إيست آي» الإخباري تقريرًا أعدَّه مراسل الموقع البريطاني في اليمن عن مصادرة منازل اليمنيين في محافظة تعز. وخلُص الكاتب إلى أن سكان المحافظة يخاطرون بفقدان أراضيهم التي تستولي عليها العصابات أو السُلُطات التي تدَّعي الملكية العامة التاريخية للمنازل.

الاستيلاء على الأراضي

يستهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى وصول قوات الأمن اليمنية، حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف صباح يوم الأحد 2 يناير (كانون الثاني)، في مركباتها العسكرية مع بعض العاملين، وبدأت في تدمير السياج المحيط بالعقار الذي يملكه أمين في مديرية الشمايتين بمحافظة تعز. وكان أمين، الذي يقيم في العاصمة اليمنية صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون، قد اشترى هذه الأرض عام 1987، وقيل له إن السلطات في تعز قرَّرت مصادرتها بسبب عدم وجوده في المحافظة.

وتجدر الإشارة إلى أن محافظة تعز شهدت اندلاع معركة طويلة الأمد بين الحوثيين والحكومة المُعترَف بها من جانب الأمم المتحدة وحلفائها خلال المدة التي امتدَّت بين عامي 2015 – 2018، حتى طردت القوات الموالية للحكومة المتمردين من المحافظة، ومنذ ذلك الحين، ظلت الأوضاع في حالة جمود.

ونقل التقرير تصريح أمين لموقع «ميدل إيست آي»: «عندما هاتفني أقاربي في تعز ليخبرونني بما حدث، لم أُصدِّق ذلك؛ فهذه أرضي وهي بعيدة عن مناطق الصراع، ولذلك لم أستطع أن أعي ما حدث». مضيفًا: «أرسلتُ أحد أقاربي ليسأل قوات الأمن عن سبب اتخاذ هذا الإجراء، ولكنَّهم وبَّخوه وأبلغوه بأن هذه أرض عامة، وأنهم أجَّروها بالفعل إلى شخص آخر».

وطلب أمين عدم نشر اسمه الحقيقي خوفًا من أن تستولي السلطات على بقية أراضيه. وبعد الاستيلاء على أرضه في 2 يناير، أرسل أمين محاميًا ليتحدث مع قوات الأمن في مدينة تعز. وانتهى المحامي إلى أن المكتب المحلي التابع لوزارة الأوقاف والإرشاد الحكومية اليمنية، وهو المسؤول عن الممتلكات الحكومية، أبلغه بمصادرة أرض موكله؛ لأنه لم يعُد يعيش في تعز.

وتابع أمين قائلًا: «لا أستطيع مواجهة السلطات. وقد سمعتُ أن العصابات المسلحة تنهب الأراضي، ولكن هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها أن السلطات تصادر أراضٍ يملكها مدنيون بسبب عدم إقامتهم في تعز». ويمتلك أمين وثائق قانونية تثبت ملكيته للعقار، ولكنه ذكر أن «الوثائق لا يمكنها أن تساعدني في استعادة أرضي».

Embed from Getty Images

وأضاف: «العصابات المسلحة تعمل فقط لدى المسؤولين والقادة العسكريين في تعز، ولا تستطيع أن تفعل أي شيء من دون الحصول على إذن من السُلُطات». موضحًا: «السلطات هي التي تصادر أراضي المواطنين وتُقسِّمَها بين القادة العسكريين والسياسيين».

ويرى الكاتب أن أمين يُعد واحدًا من بين آلاف اليمنيين الذين صادرت السلطات ممتلكاتهم في محافظة تعز، وأن هذه الممارسة بدأت هناك عام 2016 وتوسَّعت لتشمل مناطق أخرى من المحافظة عام 2021، خاصة في مديرية الشمايتين. ولكن بينما لم يزل أمين يمتلك منزلًا وأراضيَ أخرى في تعز، لم يعُد لدى كثير من المواطنين منازل في المحافظة التي تقع في جنوب غرب البلاد.

مصادرة المنازل

ويلفت التقرير إلى أن منزل الكاتب اليمني المشهور جمال الشِّعري يُعد من بين الممتلكات التي صادرتها السلطات في تعز. ويخضع منزل الشعري الآن، إلى جانب منازل أخرى في المنطقة الموجود فيها، لسيطرة قائد عسكري موالٍ للحكومة.

وفي عام 2020 أوضح الشعري أن القيادة العسكرية في تعز رفضت إعادة ممتلكاته بحجة أنها تقع بالقرب من منطقة تندلع فيها صراعات، وهو ما اعترض عليه الكاتب اليمني، مؤكدًا عدم وجود خطوط مواجهة قريبة من المنطقة. ولفت الشعري إلى أنه تلقَّى تهديداتٍ من قادة عسكريين بسبب مطالبته باستعادة منزله.

وفي العام ذاته عاد محمد مهدي إلى تعز من السعودية، حيث كان يعيش هناك في ذلك الوقت، من أجل المطالبة باستعادة منزله الذي استولى عليه الجيش اليمني. وقضى المهدي ستة أشهر أثناء نضاله من أجل حقوقه في ملكية منزله قبل مقتَله بالقرب من منزله في أواخر أغسطس (آب). وأثار مقتله غضبًا عارمًا في محافظة تعز، حيث اتهم سكانها عناصر من «اللواء 17 مشاة» بأنهم مسؤولون عن جريمة القتل، ولكن الجيش اليمني نفى تورُّطَهم في هذا الحادث.

Embed from Getty Images

ويبرز التقرير تصريحات مروان، أحد سكان مدينة تعز، الذي رفض استخدام اسمه الحقيقي لأسباب أمنية، لموقع «ميدل إيست آي»، إذ قال: «أُفضِّل أن أترك منزلي لقادة الجيش والسُلُطات بدلًا عن التضحية بنفسي بينما أطالب بحقي في ملكيته».

وبعد استيلاء الحكومة اليمنية على المنطقة التي يقع فيها منزل مروان من الحوثيين في عام 2016، استولت السلطات اليمنية على منزله بعد أن غادر محافظة تعز إلى محافظة إب. واكتشف مروان لدى عودته إلى تعز أن القادة العسكريين الذين يديرون المحافظة يسيطرون الآن على عقاره.

وتابع مروان قائلًا: «السلطات اليمنية هي عدوُّي، فمن سيساعدني؟». وأضاف: «لا يجرؤ أحد بالتأكيد على تقديم شكوى ضد السلطات، وقد تعرَّض بعض اليمنيين الذين فعلوا ذلك إما إلى القتل، أو أنهم على الأقل فقدوا أموالهم بعد أن أعطوها لوسطاء من دون الحصول على أي نتائج».

وشدَّد مروان على أنه لا يريد أن يلقى المصير ذاته الذي لقاه بعض جيرانه الذين طالبوا باستعادة منازلهم وزُجَّ بهم في السجون. وتجدر الإشارة إلى أن مروان عاطل عن العمل ويستطيع بالكاد أن يدفع إيجار المنزل الصغير الذي يسكن فيه. وقال مروان: «أدعو الله كل يوم أن يساعدني، وأن يساعد جميع المضطهدين الآخرين في تعز حتى نستعيد منازلنا من أيدي السلطات».

بيع المنازل للعصابات

وينتقل التقرير إلى محمد أحمد الذي يبلغ من العمر 58 عامًا، وهو مغترب يمني يعيش في السعودية، ويمتلك عقارات في مديرية الشمايتين بمحافظة تعز، وقد رفض منذ مدة قصيرة تصديق أن شخصًا ما سيأخذ الأرض التي اشتراها قبل نحو 30 عامًا. وذكر أحمد لموقع «ميدل إيست آي»: «كل شيء ممكن في تعز، حيث تدير العصابات والمجرمون المحافظة، ويعيش الحاكم خارج اليمن ولا يعي ما يحدث في المحافظة». مضيفًا: «صادر المكتب التابع لوزارة الأوقاف بعض الأراضي التي يملكها أقاربي منذ ستة أشهر، وعندما كانت السلطات على وشك الاستيلاء على أرضي، اضطُرِرت إلى بيعها للعصابات بثمنٍ بخْسٍ؛ لأن السلطات لا تستطيع مواجهتهم».

ووفقًا للتقرير لم يكن أمام أحمد خيار آخر سوى بيع أرضه إلى العصابات؛ لأنها على حد تعبيره ليست جزءًا من الحكومة فحسب، بل لأنها تسيطر فعليًّا على المحافظة.

وأكَّد فايز سعيد، وهو محام مقيم في محافظة تعز، أن المكتب التابع لوزارة الأوقاف في مديرية الشمايتين صادر كثيرًا من الأراضي، مشيرًا إلى أن المديرية استقبلت عددًا كبيرًا من العائلات المُشرَّدة التي لاذت بالفرار من مناطق النزاع في البلاد؛ ما أدَّى إلى ارتفاع أسعار الأراضي ارتفاعًا حادًّا.

وقال سعيد في تصريح لموقع «ميدل إيست آي»: «من الأفضل أن يبيع أولئك الذين لا يقيمون في محافظة تعز، وليس لديهم من يحمي ممتلكاتهم في مديرية الشمايتين، الأراضي التي يمتلكونها؛ وذلك لأنه إذا لم تنهبها العصابات المُسلَّحة، فسيصادرها المكتب التابع لوزارة الأوقاف».

المنازل الخاصة أصبحت ممتلكات عامة!

وينوِّه التقرير إلى أن منير المسَني، مدير مكتب وزارة الأوقاف في مديرية الشمايتين، قال إن المكتب لا ينهب أراضي اليمنيين، ولكنه يستعيد الأراضي المسروقة، موضحًا: «كانت تلك الأراضي مملوكة لمكتب وزارة الأوقاف منذ مئات السنين، ولكن المواطنين باعوها منذ مئات أو عشرات السنين». وأضاف: «يعتقد سكان تعز أنهم يملكون تلك الأراضي، ولكنَّها أراضٍ عامة».

Embed from Getty Images

وتابع قائلًا: «نحن الآن بصدد استعادة الأراضي التابعة لوزارة الأوقاف التي باعها اليمنيون. وحتى إذا كان لديهم وثائق، وكانوا يستخدمون تلك الأراضي على مدى عشرات أو مئات السنين، فإنها لم تزل أراضٍ تابعة للوزارة». وأوضح المسني أن مكتب وزارة الأوقاف في تعز يؤجِّر الأراضي الآن لمستأجرين جُدُد في مقابل الحصول على رسوم سنوية، فضلًا عن أنَّه يهدِّد بمواجهة كل من يقف في طريق الوزارة والسلطات.

وبحسب التقرير لم يذكر المسني أي عدد للممتلكات التي صادرتها السلطات في المحافظة، ولكنه أكَّد أنها صادرت عِدَّة ممتلكات، وأنها ستستمر في مصادرة مزيد منها في الأشهر المقبلة. فيما أشار أمين، الذي صادر مكتب وزارة الأوقاف أرضه، إلى أنه يحوز جميع المستندات التي تثبت ملكيته للأرض، وأنه بنى حولها سورًا منذ 25 عامًا.

واختتم الكاتب تقريره مستشهدًا بما قاله أمين: «إذا كان مكتب الأوقاف يحوز وثائق (ملكية) لأرضي، فينبغي أن يلجأ إلى المحكمة ويقدم شكوى، ويمكنني أن أرسل محاميًا إلى المحكمة نيابةً عني» مضيفًا: «ينبغي ألا يتوجه مسؤولو المكتب مباشرة إلى تدمير السياج المحيط بأرضي وتأجيرها لشخص آخر».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد