إغلاقٌ للمساجد. تغريم للمحجّبات. تحريم التسمية بأسماءٍ عربية. وإجبار الرجال على حلق لحاهم. كل هذا وأكثر، يحدث على أرض طاجكستان، التي عانت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي من تحديات اقتصادية واجتماعية مستمرة حتى يومنا هذا. يرصد تقرير فورين أفّيرز علاقة طاجكستان المتوترة مع أصولها الإسلامية، ومحاولاتها لتقليص دور الدين ومظاهره في الحياة اليومية، والصراع الذي لا يهدأ بين حكومتها الدكتاتورية، والإسلام السياسي.

كيف انتبه العالم إلى طاجكستان ؟

يُشير التقرير إلى أن طاجكستان لطالما بقيت بعيدةً عن أضواء الساحة العالمية، رغم قوانينها التي تضيّق الخناق بشدة على الممارسات الدينية. لكن انشقاق جلمرود خليموف سلّط الأعين على طاجكستان.

خليموف هو القائد السابق للقوات الخاصة ذات التدريب الأمريكي بطاجكستان. في 2015، انشقّ خليموف وسافر لينضمّ إلى تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان، مبرّرًا انشقاقه، في مقطعٍ مصوّر، بإساءة حكومة إمام علي رحمن، الرئيس الطاجكستاني الذي يحكم البلاد منذ عام 1992، للمسلمين في طاجكستان. وفّر رحمن البيئة المثالية لانتشار الأيديولوجيات المتطرفة، بقمعه للحركات الإسلامية الأكثر اعتدالًا، مثل حزب النهضة الإسلامية في طاجكستان (IRPT).

«النهضة الإسلامية»

لقد كان حزب النهضة الإسلامية هو القوة المعارضة الديمقراطية الوحيدة، الفعّالة في طاجكستان. كان حزب النهضة الإسلامية هو الحزب الإسلامي الوحيد المسجّل رسميًّا في آسيا بأسرها، ومثّل صوتًا معتدلًا وإثباتًا حيًّا لإمكانية مشاركة الإسلام السياسي في العملية الديمقراطية، في جزء من العالم «تسعى فيه الحكومات إلى علمانية راسخة»، كما ذهب التقرير.

يستعرض تقرير فورين أفيرز تاريخ حزب النهضة الإسلامية الطاجيكي، منذ نشأة الحركة الإسلامية في الخفاء في عهد الاتحاد السوفيتي، العلماني رسميًّا، مرورًا بتأسيس الحزب السياسي بعد استقلال طاجكستان في 1991، ومشاركة الحزب في الحرب الأهلية الطاجيكية، أواخر القرن العشرين، كجزء من المعارضة الطاجيكية المتّحدة، في مواجهة الحكومة المركزية؛ تلك الحرب التي انتهت بمفاوضات سلامٍ وضعت أساسات النظام السياسي الطاجيكي الحالي.

استمرّت معارضة النهضة الإسلامية المعتدلة لعقدين كاملين، ضيّقت فيهما حكومة دوشنبه الخناق أكثر فأكثر على الممارسات السياسية والإسلامية، وصولًا إلى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، الذي اتّهمت فيه الحكومة حزب النهضة الإسلامية بالمساعدة في التخطيط لانقلاب إسلامي مزعوم، على إثر مواجهات دامية بين قوات الأمن، ومسلّحين بقيادة نائب وزير الدفاع السابق، عبد الحليم نزار زاده، والتي سقط على إثرها 26 قتيلًا، منهم 9 من قوات الأمن. حظرت الحكومة الطاجيكية الحزب، وأعلنته منظمة إرهابية، واعتقلت العشرات من قياداته وأعضائه ومحاميه.

قيودٌ على الحريات الدينية والسياسية

بحسب التقرير، فإن حكومة دوشنبه لم تتوقف عن تضييق الخناق على الممارسات الدينية والسياسية على مدار عقدين حكم فيهما رحمن البلاد حكمًا شموليًّا سلطويًّا. على صعيد الحريّات الدينية، أصدرت الحكومة عام 2009 قانونًا رسميًّا يحظر على الطالبات المسلمات ارتداء الحجاب. ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى بدأ غلق المساجد غير المسجّلة رسميًّا. ثمّ جاء التطوّر الأكبر حين حظرت الحكومة، في 2011، ذهاب من هم دون 18 عامًا إلى المساجد، أو الكنائس، أو المعابد.

أمّا المجال السياسي، فالقمع لم يتوقّف منذ نهاية الحرب الأهلية في 1997. يرسم إعلام الدولة الرئيس رحمن على أنه «حامي السلام والأمن»، بينما تقصي حكومته بانتظام أي أصوات مستقلّة، أو خصوم سياسيين، أو أي معارضة محتملة داخل أو خارج البلاد. تعرّض الصحفيون لاعتداءاتٍ متكرّرة، وحُجبت عدّة مواقع إلكترونية، وأُغلقت منابر إعلامية مستقلّة. وتؤكّد تقارير بعض المنظمات غير الحكومية المستقلّة شيوع التعذيب وسوء المعاملة في السجون.

أما خارج البلاد، فقد طاردت الحكومة المعارضين باتهامات الإرهاب، بل وأقدمت على اختطافهم أحيانًا. كما حدث مع الناشط السياسي مقصود إبراهيموف، الذي تعرّض لمحاولة اغتيال تلقّى فيها 6 طعنات في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014، ليُختَطف بعدها في يناير (كانون الثاني) ويُرحل بالقوة إلى دوشنبه، ليخضع للتعذيب وفقًا لمحاميه، ويُحكم عليه بالسجن 17 عامًا بتهمة التطرّف.

المحاكمات غير العادلة تطرح خيارَ العنف

ينتقل التقرير إلى رحمة الله رجب، الصحفي والعضو في حزب النهضة الإسلامية، والذي يخضع الآن للمحاكمة، ويعجز ابنه عن العودة إلى دوشنبه خوفًا من الاعتقال. مثل العديد من أعضاء الحزب، ليس رجب مهتمًا بإنشاء دولة إسلامية بقدر اهتمامه بأن يتسّع دور الدين في المجتمع. في تصريح لهيومان رايتس ووتش، في 2013، أرجع رجب انضمامه للحزب إلى عدم ثقته في الحكومة المركزية، التي يراها تسير على خطى حكومة الاتحاد السوفيتي سابقًا.

قد يواجه رجب وزملاؤه المعتقلون عقوبةً تصل إلى 20 عامًا خلف القضبان. غالبًا سيُدان المتهمون لأن الهيئة القضائية لا تتمتع بالاستقلال اللازم لمحاكمة عادلة. يتجاهل حلفاء طاجكستان في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ملف المعتقلين السياسيين الذي لا ينفك يكبُر حجمًا. وارتفاع أسعار النفط، والعقوبات الغربية على روسيا رفعت من معدّلات عودة العمالة الطاجيكية هناك إلى طاجكستان، مما زاد من حجم الأزمة الاقتصادية، ناهيك عن الفساد المتوغّل في هيكل الدولة الطاجيكية.

بوضع كل هذا في الحسبان، ومع تقلّص المساحة السياسية التي تتمتع بها الأصوات المعتدلة الإسلامية، يرى التقرير أن إيمان الطايجيكيين بالديمقراطية مهدّدٌ بشدة، ورؤيتهم للعنف كالخيار الوحيد لحل الأزمة السياسية والدينية تخلق بيئةً ممتازةً لترتع فيها الدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات الإرهابية؛ ما يهدّد بإرسال طاجكستان في طريقٍ دامٍ جديد، بعد عقدين من حربها الأهلية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد