هل يؤدي استيلاء حركة طالبان على أفغانستان إلى إلحاق الضرر بباكستان، وكيف يكون ذلك؟ هذا ما يحاول الكاتب فهد همايون، طالب الدكتوراة في قسم العلوم السياسية بجامعة ييل، والذي يهتم بدراسة المؤسسات الديمقراطية والسياسة الخارجية وشؤون جنوب آسيا، الإجابة عنه في مقاله الذي نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، موضحًا أن هناك خمسة أسباب لتأثُّر باكستان سلبًا بعد وقوع أفغانستان في قبضة طالبان.

وفي مطلع مقاله، أشار الكاتب إلى تصريح رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، يوم الإثنين، الذي قال فيه إن أفغانستان حطَّمت «قيود العبودية» بعد عودة طالبان إلى السلطة في أعقاب الانهيار الدراماتيكي للحكومة الأفغانية نهاية الأسبوع الماضي. لكن ماذا يعني نظام طالبان الجديد لباكستان المجاورة في واقع الأمر؟

هل انتصار طالبان يصب في مصلحة باكستان؟

يقول الكاتب لطالما شعرت الحكومة الأمريكية – إلى جانب عديد من الأفغانيين – بالإحباط من جرَّاء الدعم اللوجستي المُتصوَّر الذي تقدمه باكستان لطالبان. وأدَّت هذه القضية إلى توترٍ في العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة. ويعتقد المراقبون في كابول وواشنطن أن المؤسسة الأمنية الباكستانية ترى أن انتصار طالبان في أفغانستان يصب في مصلحة باكستان الإستراتيجية.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«فقراء على بحر الذهب».. ما مصير اقتصاد أفغانستان بعد سيطرة طالبان؟

وظل المسؤولون في باكستان يَنْفون هذه المزاعم، مُعبِّرين عن معارضتهم لأي استيلاء بالقوة على السلطة في أفغانستان. وتؤكد البيانات الرسمية التي صدرت عقب استيلاء طالبان على السلطة في البلاد أن التسوية الشاملة بين الأفغان تظل السبيل الوحيد للمضي قدمًا بالبلاد.

وبالإضافة إلى استضافة المحادثات السياسية بين الأحزاب الأفغانية هذا الصيف، أفادت أنباء واردة بأن قائد الجيش الباكستاني، قمر جاويد باجوا، انسحب مرتين من هذه الاجتماعات، وذلك بسبب الإحباط الذي شعر به بسبب تعنُّت طالبان بشأن المفاوضات بين الأطراف الأفغانية الفاعلة.

وربما يبدو هذا التصرف وكأنه حيلة مألوفة تلجأ إليها الجارة التي لطالما اتُّهمت قيادتها العسكرية بأنها تؤدي دور المفسد الذي يُفجِّر الأوضاع، وليس عامل الاستقرار في الشؤون الأفغانية. ومن المحتمل أن تغمر السعادة كثيرين داخل المؤسسة الأمنية الباكستانية لرؤية إدارة الرئيس الأفغاني أشرف غني، وهم يولُّون الأدبار، بعد أن ناصبَ قادة هذه الإدارة العداء لإسلام آباد على نحو متزايد.

Embed from Getty Images

لكن هناك خمسة أسباب على الأقل تشير إلى أن عودة طالبان إلى سدة الحكم في أفغانستان قد لا تكون بشرى سارة لباكستان، كما يُفترَض عادةً.

وبدأ الكاتب في توضيح هذه الأسباب الخمسة كما يلي:

  • سيطرة طالبان لا تقلل من مستوى التهديد في باكستان

يرجِّح الكاتب أنه من المحتمل أن ترى الجماعات الإرهابية، التي كانت تستهدف المدنيين الباكستانيين وقوات الأمن بحماسة متجددة، أن انقلاب طالبان دليل على أن العنف السياسي يُجدِي نفعًا. وتشمل هذه الجماعات الإرهابية الانفصاليين البلوش، وحركة طالبان باكستان (TTP)، التي تمتعت بصحوة كبيرة من قاعدتها في شرق أفغانستان بعد أن أعادت توحيد صفوفها الداخلية وتصالحت مع الجماعات المنشقة في عام 2019. ويعتقد عديد من المحللين أيضًا أن حركة طالبان باكستان تستلهم على نحو متزايد من الأجندة القومية التي تتبنَّاها طالبان الأفغانية.

ويشير تقرير حديث لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى أن ما يصل إلى 6 آلاف مقاتل من حركة طالبان الباكستانية يعملون على الجانب الأفغاني من الحدود، حيث يبدو أنهم يتمتعون على الأقل بتوازن عملي مع طالبان الأفغانية.

وأعلنت حركة طالبان باكستان مسؤوليتها عن عدد متزايد من الهجمات العابرة للحدود في باكستان، ومن ذلك هجوم بالقنابل على فندق فخم في مدينة كويتا في أبريل (نيسان) الماضي. وعلى الأرجح، ستستمر حكومة طالبان في كابول في غض الطرف عن وجود حركة طالبان باكستان في أفغانستان، وربما تفعل ذلك انطلاقًا من التحوط ضد مزاعم الاعتماد الإستراتيجي على رُعاتها السابقين في المؤسسة الأمنية الباكستانية أو التبعية لهم.

2- علاقة باكستان بالجماعات الدينية لديها

ولفت الكاتب إلى أن استيلاء طالبان على السلطة قد يؤدي إلى تشجيع الأحزاب والجماعات الإسلامية التي تعيش تحت راية الديمقراطية الباكستانية كي تحذو حذوها. ويتصارع القادة المدنيون والعسكريون في باكستان مع القوة المتنامية في الشارع للجماعات اليمينية مثل حركة لبيك باكستان (TLP)، وتزايد حدة التنافس بين الطائفتين السنيتين بريلفي وديوباندي، الذي أدَّى إلى تسيِيس القاعدة المحافظة الباكستانية واستقطابها.

واستيلاء طالبان على السلطة من شأنه أيضًا أن يقف بالمرصاد على نحو خطير لسياسات مكافحة التطرف، التي حاول القادة المدنيون والعسكريون الباكستانيون من خلالها معالجة التطرف الداخلي بهدوء.

3- العلاقات مع واشنطن أصبحت أكثر تعقيدًا أيضًا

وأوضح الكاتب أنه من المحتمل أن يؤدي استيلاء طالبان على أفغانستان إلى زيادة تعقيد العلاقة بين باكستان والولايات المتحدة، وهي علاقة مشحونة بالفعل منذ مدة طويلة.

Embed from Getty Images

ومع مرور أكثر من عقد من الزمان منذ أن عدَّت الولايات المتحدة رسميًّا باكستان حليفًا على خط المواجهة في الحرب على الإرهاب، بينما التعاون الاقتصادي والعسكري مستمر بين إسلام آباد وواشنطن.

لكن قد لا ترغب الولايات المتحدة في زيادة الاستثمار دبلوماسيًّا زيادة كبيرة في بلد ترى أنه يتحمَّل، على الأقل، بعضًا من المسؤولية عن إخفاقات الولايات المتحدة في أفغانستان. كما تحاول الحكومة الباكستانية رفع اسم بلادها من «القائمة الرمادية» الخاصة بفرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب، التي تتخذ من باريس مقرًّا لها. وارتباط باكستان المفترض بحكومة طالبان في أفغانستان، وخاصة النظام الذي يرفض طرد الإرهابيين من أراضيها، قد يضر بهذه الجهود.

4- لن تستطيع باكستان جذب الاستثمار الاقتصادي بسهولة

ينوِّه الكاتب إلى أنه من المرجح أيضًا أن يؤدي استيلاء طالبان على كابول إلى إلحاق الضرر بباكستان اقتصاديًّا. ويريد المسؤولون الباكستانيون التواصل اقتصاديًّا مع الدول المجاورة وجذب مزيد من التجارة والاستثمار الأجنبي داخل المنطقة. ومن غير الواضح هل ستكون طالبان شريكًا عمليًّا في مشروعات البنية التحتية والاتصالات الإقليمية المخطط لها؟ أم سيواصل النظام الأفغاني الجديد التنمية الاجتماعية والاقتصادية عبر اقتصاد السوق المفتوح والمتكامل؟

وهناك ملاحظة ذات صلة، والتي تتمثل في أن حالة القتال والاشتباك على الحدود الباكستانية الأفغانية – إذا استهدفت حركة طالبان باكستان، التي سَرَت دماء الشجاعة في عروقها بعد انتصار طالبان، المدن الباكستانية – من شأنه أن يضر بمحاولات إسلام آباد لإقناع المسؤولين في بكين بقدرة باكستان على حماية استثمارات الحزام والطريق التي تقودها الصين في البلاد.

5- قد تصبح باكستان موطنًا لعدد أكبر من اللاجئين الأفغان

وأردف الكاتب قائلًا: ومع تصاعد أعمال العنف والخوف والنزوح في أفغانستان، أصبح احتمال نزوح مزيد من اللاجئين بالفعل إلى باكستان مصدر قلق واضح في إسلام آباد. وتستضيف باكستان ما يُقدَّر بثلاثة ملايين لاجئ أفغاني، وتموِّل هذه الجهود إلى حد كبير من أموالها الخاصة.

Embed from Getty Images

ومن المرجح أن يرتفع هذا العدد ارتفاعًا حادًا إذا اشتد الصراع، أو إذا فرضت طالبان إمارة إسلامية غير مقبولة من جانب قطاعات من المواطنين الأفغان.

وعلى وجه الخصوص، يمكن أن يؤدي تدفق مزيد من اللاجئين البشتون إلى باكستان بحثًا عن الأمن والفرص إلى نزاع عِرقي أكبر في مدن مثل كويتا وتأجيج مزيد من الانفصالية البشتونية، السائدة بالفعل في المناطق القبلية الباكستانية المندمجة حديثًا والمتاخمة لأفغانستان. ومن غير المرجح أيضًا أن تعترف طالبان رسميًّا بالحدود الدولية بين البلدين، وهي نقطة خلاف بين باكستان وأفغانستان أدَّت إلى تعقيد جهود مراقبة حركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: في الوقت الذي يعتقد فيه كثير في الغرب أن عودة طالبان إلى السلطة هي النتيجة المفضلة لدى باكستان، فإن الوضع السياسي السريع التطور في أفغانستان يتسبب في مزيد من المخاوف لباكستان. إذن، هل تستطيع باكستان تحمُّل تكاليف عودة طالبان إلى السلطة دون عواقب وخيمة؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا بلا إجابة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد