نشر مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الأمنية والإستراتيجية تحليلًا للوضع في أفغانستان في ظل تقدُّم طالبان السريع في السيطرة على الأراضي الأفغانية وانتزاع تلك الأراضي من قبضة القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها، غير أن طالبان في نهاية المطاف قد تمكنت من دخول العاصمة كابول، وهنا يأتي السؤال الذي يطرحه مركز «ستراتفور»؛ هل تُعد سيطرة طالبان على كابول مغامرة قد تؤدي إلى تعقيد الوضع بالنسبة لطالبان وجيرانها؟

طالبان داخل العاصمة كابول

وفي مطلع التقرير، أشار المركز الأمريكي إلى أنه من المرجَّح أن تؤدي حملة طالبان التي تتسع بسرعة إلى سقوط عواصم الأقاليم الأفغانية المتبقية في أيديها خلال الشهرين المقبلين؛ مما يعزز موقف الحركة في المحادثات السياسية مع الحكومة الأفغانية. وكانت حركة طالبان قد اجتاحت جنوب أفغانستان في الأيام الأخيرة، واستولت على قندهار، ثاني أكبر مدينة في البلاد، في 12 أغسطس (آب) قبل أن تستمر في الاستيلاء على عواصم الأقاليم المجاورة. وأفادت الأنباء بأن الجماعة المسلحة تسيطر الآن على 19 من أصل 34 عاصمة إقليمية في أفغانستان، من بينها الآن العاصمة الأفغانية كابول، بحسب آخر التطورات.

  • في بعض الأقاليم، واجهت حركة طالبان مقاومة قليلة أو لم تواجه أي مقاومة، حيث تخلت قوات الأمن والمسؤولون الحكوميون بسرعة عن مواقعهم. وسلَّم حاكم غزنة، على سبيل المثال، المدينة لطالبان مقابل السماح له بالفرار بأمان من المدينة.

وأكد التقرير أن الانتصارات الإستراتيجية العديدة لطالبان في مدن هرات وغزنة وقندهار وبولي علم الأفغانية ستعزِّز جهودها لعزل كابول في نهاية المطاف. وفي هجومها الأخير، ركزت طالبان، إلى حد كبير، على السيطرة أولًا على ريف الأقاليم قبل المضي في تطويق عواصمها، مع تأمين البلدات والمعابر الحدودية الإستراتيجية في الوقت نفسه. كما استولت طالبان على الأقاليم الشمالية المتاخمة لطاجيكستان، والتي لم تسيطر عليها مطلقًا من قبل بسبب مقاومة المليشيات الطاجيكية.

ومع تكثيف الجماعة المتشددة هجومها، فإن عواصم إقليم فارياب الشمالي وإقليم لغمان الشرقي – إلى جانب الأقاليم الشمالية بلخ وسمنجان وبغلان – من بين الأقاليم التي من المرجَّح أن تسقط بعد ذلك، وذلك نظرًا إلى أن طالبان تسيطر بالفعل على المناطق الريفية المحيطة بكل من تلك المناطق. وبعد إغلاق خطوط الاتصالات والنقل المهمة عبر الأقاليم، تتوسع حركة طالبان الآن بسرعة في المدن الرئيسة في أفغانستان.

طالبان وتطورات الأوضاع في أفغانستان

  • تقع مدينة غزنة في الجنوب الشرقي على طول الطريق السريع رقم 1، وهو الشريان المركزي الذي يربط بين المراكز السكانية الرئيسة الأربعة في أفغانستان (مزار الشريف وكابول وقندهار وهرات).

  •  قندهار هي ثاني أكبر مدينة في أفغانستان وأهم مدينة في جنوب البلاد، حيث تصل إلى الطريق السريع رقم 1 الذي يربط عاصمتي لاشكرجاه وغزنة المجاورتين باتجاه كابول. وفي التسعينيات من القرن الماضي، بدأ الملا عمر، مؤسس طالبان وأول أمير لها، استيلاءه على البلاد من قندهار، وحكم في النهاية أفغانستان بين عامي 1996 و2001 من الإقليم.
  • يمثل السقوط الأخير لمدينة هرات، ثالث أكبر مدينة في أفغانستان، أيضًا انتصارًا إستراتيجيًّا مهمًّا لطالبان. وبصفتها المحور الحضري للغرب، تمثل هرات بوابة رئيسة لتركمانستان وإيران. ويعد الاستيلاء على المدينة بعد معركة دامية استمرت أسبوعين بين قوات الأمن والمليشيات المحلية ضد مقاتلي طالبان ضربة كبيرة للحكومة الأفغانية، بالنظر إلى أن هرات كانت محمية حماية جيدة نسبيًّا موازنةً بالمدن الأخرى في البلاد.
  • بولي علم – عاصمة إقليم لوجار المجاور لغزنة والتي تقع على بعد 40 ميلًا فقط جنوب كابول – سقطت أيضًا في 13 أغسطس؛ مما يقيد بشدة حركة قوات الأمن الأفغانية إلى الأقاليم الجنوبية الغربية من البلاد.
  • أعلنت وزارة الداخلية الأفغانية الأحد 15 أغسطس دخول مقاتلي طالبان العاصمة كابول من عدة جهات، وجاءت تصريحات حركة طالبان بأنه ستكون هناك محادثات مع الحكومة الأفغانية من أجل تسليم كابول سلميًّا.

دخول كابول وعمليات إجلاء طارئة للرعايا الأجانب

ولفت التقرير إلى أن طالبان ستواصل مزيدًا من التوغل في العاصمة الأفغانية كابول؛ مما قد يؤدي إلى إجلاء الرعايا الأجانب. ومع اقتراب طالبان من السيطرة التامة على كابول، بدأت الدول التي لها وجود دبلوماسي في العاصمة الأفغانية في إصدار عمليات إجلاء طارئة لموظفيها.

  • في 12 أغسطس، أعلنت الولايات المتحدة نشرًا فوريًّا لأكثر من 3 آلاف جندي في مطار كرزاي الدولي في كابول، للمساعدة في إجلاء الدبلوماسيين وطالبي التأشيرات الخاصة بأمان في ضوء الوضع الأمني ​​المتدهور في أفغانستان.
  • أعلنت المملكة المتحدة مؤخرًا خططًا لنشر حوالي 600 جندي في أفغانستان لمساعدة المواطنين البريطانيين الذين يحاولون الفرار من البلاد، كما تستعد كندا لإجلاء رعاياها من أفغانستان.

ويختتم مركز «ستراتفور» تحليله بالإشارة إلى أن نجاح طالبان المستمر في ساحة المعركة سوف يُترجم أيضًا إلى نفوذ أكبر على طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية. ويهدد الهجوم المستمر على عواصم الأقاليم الأفغانية بعزل كابول. وقد يمكِّن ذلك حركة طالبان فيما بعد من الضغط على الحكومة الأفغانية لقبول مطالبها، بدءًا من استقالة الرئيس أشرف غني، الذي تعتقد طالبان أنه فاز في انتخابات 2019 عن طريق الاحتيال.

ومن غير المرجَّح أن يجري التوصل إلى حل سياسي بتقاسم متساوٍ للسلطة الآن فيما تتمتع طالبان بمثل هذه الميزة العسكرية. لكن طالبان ستظل تسعى إلى عدم الاستيلاء على كابول بالقوة كي تتجنب الإدانة من جيرانها المباشرين، ويظل من المرجَّح أن تطالب طالبان بنصيب كبير في حكم أفغانستان بدلًا من ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد