الفساد يكمن في قلب سقوط كابول؛ إذ تفيد تقارير أن الرئيس الأفغاني أشرف غني فرَّ من أفغانستان مع ما استطاع حمله من نقود، وأن قصر أمير الحرب دوستم هو عبارة عن تحفة فنية لديكتاتور أنيق.

نشرت مجلة «ذا دبلومات» الأمريكية تقريرًا أعدَّته كاثرين بوتز، مديرة تحرير المجلة، سلطت فيه الضوء على السيطرة السريعة لطالبان على العاصمة الأفغانية كابول، وكيف لعب الفساد دورًا كبيرًا في تسهيل ذلك. 

تستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن حركة طالبان كانت تقف على أعتاب العاصمة الأفغانية يوم الأحد 15 أغسطس (آب)، بالتزامن مع إعلان الرئيس أشرف غني، الذي سافر قبل أيام إلى مزار شريف لحشد القوات الأفغانية، مغادرته أفغانستان على «فيسبوك». وكل هذا يحدث ونحن في عام 2021.

دولي

منذ شهر
«نيويورك تايمز»: بُنِي على مدار 20 عامًا.. كيف انهار الجيش الأفغاني بهذه السرعة؟

وقد وصف غني الأمر بأنه خيار صعب بين مواجهة طالبان أو الرحيل، لكنه قال: «لقد انتصرت طالبان بحكم السيف والبندقية، وعليهم الآن مسؤولية حماية مواطنيها، وممتلكاتهم، وحماية أرواحهم». وقال غني إنه غادر «لمنع إراقة الدماء» إذا هاجمت طالبان كابول. وتفيد تقارير أنه سافر إلى طاجيكستان، لكن التقارير اللاحقة تشير إلى أن العاصمة الطاجيكية، دوشانبي، رفضت السماح بدخوله، وهو الآن في سلطنة عُمان.

وذكرت وكالة رويترز نقلًا عن وكالة الإعلام الروسية، الاثنين، أن غني لم يغادر كابول خالي الوفاض؛ فقد قال متحدث باسم السفارة الروسية في كابول: إنه «كان برفقته أربع سيارات مليئة بالمال، ولقد حاولوا إدخال قسم آخر من المال في طائرة هليكوبتر، لكن الطائرة لم تتسع لكل الأموال. وما لم يتمكن من حمله معه بقي على المدرج».

الفساد هو المفتاح

وأوضحت الكاتبة أن بذخ وفساد قادة أفغانستان، بمساعدة وتحريض من القوى الدولية والمانحين، لطالما كانا شكوى طويلة الأمد خيمت على المجال السياسي الأفغاني.

Embed from Getty Images

في وقت سابق تداول مستخدمو الإنترنت مقاطع فيديو لمقاتلي طالبان وهم يجلسون في القصر الفخم لأمير الحرب الأوزبكي الشهير عبد الرشيد دوستم، حيث يوجد تلفزيون كبير بشاشة مسطحة بين مزهريات بيضاء وزرقاء في غرفة مليئة بالثريات، وعشرات الأرائك الفخمة المطلية بالذهب. ويضفي فن زخرفة الروكوكو الواضح بعدًا جماليًا للغرفة، والأجواء تشي بأنها أجواء دكتاتور أنيق وثري.

وتشير جينيفر بريك مرتزاشفيلي، من مركز الحوكمة والأسواق بجامعة بيتسبرج في ولاية بنسلفانيا، إلى أن مشاركة طالبان لهذه الصور ومقاطع الفيديو على أنها «إستراتيجية». وتوضح أن «رسائلهم تُظهر أنهم يفهمون أن الفساد كان المحرك الأساسي للكثير من المظالم بين الجمهور الأفغاني».

وخلال الأسبوع الماضي تحركت قوات طالبان في بعض الحالات دون قتال في عواصم الولايات بجميع أنحاء البلاد. وعلى الرغم من أن تقدم حركة طالبان لا يخلو من العنف، كما تشهد بذلك أهوال بلدة سبين بولداك، فقد تميز تقدمها أيضًا باستسلام القوات الحكومية.

فقدان الثقة في القيادة

ولفتت الكاتبة إلى أن صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية ذكرت أن أساس نجاح هجوم طالبان الخاطف قد مُهد له بمفاوضات استسلام، وتضمن التقرير تعليقًا من ضابط بوزارة الداخلية في كابول بعد سقوط ولاية قندوز:

«بعد فترة وجيزة أسفرت المفاوضات في مقاطعة هِرات الغربية عن استقالة الحاكم وكبار مسؤولي وزارة الداخلية، والمخابرات، ومئات الجنود. وقد أُبرمت الصفقة في ليلة واحدة». وقال ضابط بوزارة الداخلية في كابول: «شعرت بالخجل الشديد»، في إشارة إلى استسلام عبد الرحمن رحمان المسؤول الكبير بالوزارة في هِرات. وقال: «أنا مجرد موظف صغير، لست بهذا الحجم. إذا فعل المسؤول الكبير ذلك، فماذا أفعل أنا؟».

Embed from Getty Images

وتقول جنيفر: «لقد اختاروا عدم القتال لأسباب سياسية»، مشيرةً إلى تقارير عن عدم استلام القوات الأفغانية مرتباتهم، وافتقارهم إلى الإمدادات الأساسية في المواقع العسكرية، مثل الذخيرة. وتُتابع جينيفر: «لقد فقدوا الثقة في قادتهم السياسيين». وعند مواجهة السؤال حول ما إذا كانت حكومة غني الأفغانية تستحق القتال من أجلها، كان جواب العديد من الأفغان: «لا».

«لماذا؟ بسبب الفساد، وبسبب الفجوة العميقة، ولأن الناس على الخطوط الأمامية لم يتقاضوا أجورهم. فها هي القواعد الأمامية الريفية التي كانت معزولة ولم يكن لديها ذخيرة. لماذا يقاتلون من أجل هؤلاء الناس المُتْرفين في تلك القصور؟ من أجل أشرف غني، الذي يهرب من البلاد بحقائب بملايين الدولارات؟».

وفي غضون ذلك أفادت تقارير أن طالبان بدأت في القيام بدوريات في كابول، وإدارة حركة المرور، وحراسة المباني الرئيسة. وتشير بعض التقارير إلى أنهم شكلوا فريق عمل للتعامل مع الشكاوى المتعلقة باللصوص. وأعلنت حركة طالبان عفوًا عامًا قبل أيام من السيطرة على كابول. وعلى الرغم من وجود فوضى كبيرة في المطار حيث يحاول العديد من الأفغان الفرار، تفيد التقارير بأن طالبان اجتمعت مع مسؤولين أمريكيين ووافقت على عدم التدخل في عمليات الإجلاء. ولم تشهد كابول أعمال عنف واسعة النطاق حتى الآن.

وتختم الكاتبة تقريرها بالقول: إن كل هذا قد يتغير، ويتغير بسرعة، لكن الفساد نفسه متغلغل في المأساة الأفغانية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد