نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا لـ ميريام برجر، مراسلة الصحيفة في العاصمة الأمريكية واشنطن، والتي تغطي الشؤون الخارجية وشؤون الشرق الأوسط، تناولت فيه مسألة الموارد المالية المتاحة لطالبان بعد سيطرتها على البلاد في أغسطس (آب) الماضي، لا سيما الموارد التي ستتوفر لها عبر المساعدات الخارجية.

تستهل الكاتبة تقريرها بالقول: عندما عادت حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان الشهر الماضي، ورثت اقتصادًا هشًّا معتمدًا على المساعدات في بلد يعيش حوالي 90% من سكانه تحت خط الفقر، وفقًا للتقديرات الرسمية. 

دولي

منذ أسبوعين
«فورين بوليسي»: هل يستطيع الغرب تحويل طالبان إلى مسار أكثر اعتدالًا؟

وفي خِضَم الفوضى التي عمَّت البلاد الأسبوعين الماضيين، انتظر الأفغان لساعاتٍ أو لأيام كي يتمكنوا من سحب الأموال من البنوك أو شراء الحاجيات الضرورية، فيما يبدو تناقضًا حادًّا مع الوعود التي أطلقتها الجماعة المتطرفة بأن أفغانستان منفتحة على الأعمال التجارية الدولية. وكان المتحدث باسم حركة طالبان، ذبيح الله مجاهد، قد قال يوم الثلاثاء الماضي في كلمة ألقاها من مطار كابول أمام حشد من الرجال فقط، إنني: «أدعوكم جميعًا للحضور والاستثمار في أفغانستان، وستكون استثماراتكم في أيدٍ أمينة، وستكون البلاد مستقرة وآمنة».

ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، ترى الكاتبة أنه بسبب سجل طالبان في قمع الحريات الدينية والسياسية، بما فيها نظام الحكم المعتمِد على العنف القائم على النوع الاجتماعي، قطع عديد من الدول والمؤسسات الدولية مساعداتها المالية التي كانت تخصصها لحكومة أفغانستان. وإليك ما الذي يعنيه هذا لطالبان وللشعب الأفغاني.

ما مصادر الأموال التي انقطعت منذ تولي طالبان زمام السلطة؟

يلفت التقرير إلى أن المساعدات الخارجية شكَّلت ما يقرب من 43% من الناتج المحلي الإجمالي لأفغانستان العام الماضي (مسجلة انخفاضًا من 100% في الأعوام بين 2002 و2009)، وفقًا للبنك الدولي. ولكن كثيرًا من هذا التدفق المالي جُمِّد منذ أن استولت طالبان على كابول في 15 أغسطس الماضي.

وبعد أن سيطرت الجماعة المسلحة على البلاد، سارعت إدارة بايدن إلى منع البنك المركزي الأفغاني من الوصول إلى حوالي 7 مليارات دولار كانت موجودة في احتياطات المؤسسات المالية الأمريكية (في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك).

إضافةً إلى ذلك، أوقف البنك الدولي الأموال المخصصة لأفغانستان على إثر مخاوف بشأن «آفاق التنمية في البلاد، خاصة فيما يخص المرأة» في ظل حكم طالبان. وتدير المؤسسة الصندوق الاستئماني لإعادة إعمار أفغانستان الذي يشكل حوالي 30% من الميزانية المدنية للبلاد.

Embed from Getty Images

وكذلك فعل صندوق النقد الدولي، وهو لاعب رئيس آخر في مجال التمويل العالمي، إذ منع أفغانستان من الوصول إلى احتياطيات الطوارئ في أفغانستان البالغة 460 مليون دولار. وعلَّقت دول أخرى من بينها ألمانيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) مساعداتها المخصصة لأفغانستان. وتوقفت ويسترن يونيون في البداية عن تسهيل تحويل الأموال إلى أفغانستان، التي تعتمد كثيرًا على التحويلات المالية المرسلة من الخارج، ولكنها استأنفت التحويلات في الثاني من سبتمبر (أيلول) الجاري. وقال الاتحاد الأوروبي، وهو ممول رئيس آخر، إن مساعداته مرهونة باحترام طالبان لحقوق الإنسان، إضافة إلى مطالب أخرى.

ما العقوبات المفروضة على طالبان الآن؟

يشير التقرير إلى أن الأمم المتحدة صنَّفت حركة طالبان الأفغانية على أنها منظمة إرهابية منذ أكثر من عقدين من الزمان. وشُدِّدت الإجراءات ضد حركة طالبان بعد هجمات 11 من سبتمبر لتشمل المزيد من تجميد الأصول وقيود السفر وحظر الأسلحة. وفي الولايات المتحدة، أدرجت وزارة الخارجية طالبان الباكستانية فقط على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، بينما صُنِّفت طالبان الأفغانية على أنها كيان «إرهابي عالمي خاص». ويُمنَع المواطنون والمؤسسات الأمريكية من التعامل مع طالبان أو أي من أعضائها.

والآن بعد أن سيطرت الجماعة على أفغانستان، من الناحية النظرية، فإن الأموال الأمريكية التي تتدفق من خلال الحكومة ستخاطر بانتهاك تلك العقوبات. إلا أن هناك مساحة واسعة للمناورة؛ إذ لم تعترف واشنطن بعد بطالبان بصفتها حكومة أفغانية رسمية. وفي السنوات الأخيرة على سبيل المثال، ألغت الأمم المتحدة حظر السفر على عديد من أعضاء طالبان الرئيسِين، بمن فيهم الزعيم عبد الغني برادر، كي يتمكن من حضور محادثات السلام والمصالحة.

كيف يمكن أن تؤثر العقوبات في جهود الإغاثة الإنسانية في أفغانستان؟

تقول المراسلة إنه بعد عقود من الحرب، أصبح أكثر من نصف سكان أفغانستان يعتمدون على المساعدات، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة. ومن المتوقع أن تؤدي الفوضى السياسية المستمرة التي تأتي في أعقاب الحرمان الاقتصادي الناجم عن الجفاف والنزوح الداخلي وجائحة كورونا إلى مستوى آخر من الكارثة. 

وبينما ترى واشنطن أن إدراج طالبان على القائمة السوداء أداة لكسب النفوذ، فإن العقوبات قد تجعل الوكالات والمنظمات الدولية حذرة من العمل في أفغانستان خوفًا من التعارض مع القيود الأمريكية. 

Embed from Getty Images

ووفقًا لما ذكرته وكالة رويترز هذا الأسبوع، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءً من أجل السماح للحكومة الأمريكية والمتعاقدين الذين يعملون لديها بتقديم المساعدة الإنسانية للأفغان. وسيسمح هذا الإذن الخاص بتدفق الأدوية الضرورية وغيرها من السلع على الرغم من حظر واشنطن التعاملات المالية مع طالبان.

وتقول منظمات الإغاثة إنه كانت هناك حاجة حقيقية لمثل هذه التصاريح لضمان استمرار العمل الإنساني. ولكن حتى مع هذه الإعفاءات، ربما يكون للعقوبات تأثير سلبي يتمثل في فرض عديد من التكاليف الإضافية والعقبات والمثبطات الأخرى للبنوك والمؤسسات التي تقوم بهذه المعاملات.

ما الخيارات التي لدى طالبان للمضي قدمًا؟

لفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة قدَّمت مساعدات بقيمة مليارات الدولارات لأفغانستان على مدى سنوات، خُصص معظمها للبرامج العسكرية. وغالبًا ما كان مصير الأموال التي ذهبت بالفعل لإعادة الإعمار هو الاختلاس من جانب الحكومة الأفغانية الفاسدة التي كانت مدعومة من الولايات المتحدة. 

واكتسبت طالبان بعض الدعم من الشعب الأفغاني باعتبارها بديلًا أقل فسادًا من الحكومة الأفغانية. ومنذ استعادت طالبان السلطة، تعهدت باستخدام أي مساعدة تُقدم لها بطريقة مسؤولة. وكانت طالبان قد استعادت بالفعل السيطرة على مساحات كبيرة من أفغانستان قبل الانسحاب العسكري الأمريكي. وإضافة إلى فرض الضرائب على الشعب من أجل تمويل نفسها، لجأت الجماعة إلى الأنشطة الإجرامية بما فيها زراعة الأفيون وتهريب المخدرات وابتزاز الشركات والاختطاف للحصول على الفدية. 

وتختم المراسلة تقريرها بالقول: دعت روسيا الولايات المتحدة إلى وقف تجميد الأصول الأفغانية كي تتمكن من توفير البديل لمثل هذه الأنشطة الإجرامية، مع أن موسكو نفسها صنَّفت طالبان على أنها منظمة إرهابية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد