نشر موقع مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الإستراتيجية والأمنية تقريرًا يستعرض الأهداف التي تسعى «حركة طالبان» إلى تحقيقها بعد إحكام سيطرتها على أفغانستان. وأكَّد التقرير أن الحركة في طريقها إلى اكتساب شرعية دولية ستواجه عددًا من التحديات التي ستُظهِر الأيام القادمة مدى قُدرتها على تجاوزها حتى تحظى باعتراف دولي.

وخلُص التقرير إلى أن «طالبان» قد تستهدف الأفراد والمجموعات التي ربما تُعرقل عملية اكتساب الحركة شرعية دولية. ويبدو أن إبرام «طالبان» اتفاقًا يهدف إلى كبح جماح هذه المجموعات أو السيطرة عليها يتعارض مع أيديولوجية الحركة وعلاقاتها القائمة، على الأقل ظاهريًّا.

اكتساب شرعية دولية

يشير التقرير في مستهله إلى أنه بعد سيطرة «حركة طالبان» على كابول، سوف تتشكل رغبة الحركة في اكتساب شرعية دولية عن طريق استعدادها وقُدرتها على منع المُسلَّحين العابرين الحدود الوطنية من استغلال أفغانستان باعتبارها قاعدة لشَّنِ العمليات. ومع دخول «طالبان» في مفاوضات نهائية مع مُمثِّلي الحكومة الأفغانية، انخرطت الحركة بالفعل في التواصل مع بلدان المنطقة، لا سيما الصين وروسيا.

دولي

منذ شهر
ما السر وراء سياسة روسيا والصين الناعمة تجاه طالبان؟

وقد وضعت بكين وموسكو بالفعل شروطًا مُحدَّدة للغاية للاعتراف بالحركة، ويجب أن تُبدي «طالبان» استعدادها وقُدرتها على الحدِّ من الهجمات خارج الحدود التي تُنفَذ من على أراضيها. وفي حالة مسلمي الإيجور في الصين، ربما تكون هذه القضية بمثابة مُهمَّة بسيطة نسبيًّا، على الصعيدين السياسي والعسكري. ولكن تزداد هذه المهمة صعوبة عندما ننظر إلى مجموعات مثل «القاعدة» في شبه القارة الهندية، التي ستشعر بالقُدرة على إعادة أنظارها إلى أهداف إقليمية أخرى في خِضَّم انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.

وكان مسؤولو «طالبان» قد وعدوا بأنَّهم لن يسمحوا باستخدام الأراضي الأفغانية في شَنِّ عمليات ضد بلدان أخرى، طالما أن تلك البلدان لا تشارك في شَن عمليات عسكرية ضد الحركة. وأوضحت موسكو وبكين أنهما تستعدَّان للعمل مع طالبان، ولكنَّهما أشارا أيضًا إلى أنهما سيحجبان الاعتراف الدبلوماسي الرسمي بالحركة حتى تُبدي قُدرتها على كبح جماح التشدُّد الأجنبي في أفغانستان.

كيف تستعد «طالبان» لاحتواء التشدُّد؟

ووفقًا للتقرير سيعتمد استعداد «طالبان» لاحتواء المُسلَّحين على إحداث التوازن بين دافعين متعارضين، وهما: ضرورة اكتساب شرعية دولية وضرورة الحفاظ على ولاء المجموعات العابرة للحدود ذات الفكر المُماثل. وكانت «طالبان» قد وفَّرت في الماضي مأوىً للمُسلَّحين العابرين للحدود (لا سيما تنظيم «القاعدة»)، على الرغم من إدانة البلدان الغربية لهذا الإجراء وشن غارات جوية. وأسهم ذلك الدعم في إطاحة الولايات المتحدة بـ«حركة طالبان» بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001.

وفي الوقت الحالي يعمل كثير من المقاتلين والمجموعات الأجنبية إلى جانب «حركة طالبان»، بدايةً من تنظيم «القاعدة» و«قاعدة الجهاد» في شبه القارة الهنديَّة، وصولًا إلى «حركة طالبان» باكستان و«شبكة حقَّاني». ومع أن معظم هذه التنظيمات كانت تحارب ضد القوات الأمريكية والغربية الموجودة في أفغانستان، أو ضد الحكومة الأفغانية والجيش الأفغاني، وجَّه تنظيم «قاعدة الجهاد» في شبه القارة الهنديَّة و«حركة طالبان» باكستان أنشطتهما ضد باكستان. وعلى الرغم من تنافسها ضد تنظيم «داعش» في ولاية خراسان، حافظت «حركة طالبان» أيضًا على تعاون وثيق نسبيًّا مع مزيدٍ من المُسلَّحين الأجانب ذوي الفكر المماثل.

Embed from Getty Images

وينوِّه التقرير إلى أن تركيز «حركة طالبان» ربما ينصبُّ على أفغانستان، ولكنها تتعاطف تعاطفًا واضحًا مع عديد من هذه الحركات المُسلَّحة الأخرى. ويبدو أن إبرام اتفاق يهدف إلى كبح جماح هذه الحركات أو السيطرة عليها يتعارض مع أيديولوجية «طالبان» وعلاقاتها القائمة، على الأقل ظاهريًّا. وربما تكون «حركة طالبان» مُستعدة لكبح جماح مجموعات صغيرة مُحدَّدة، مثل مُسلَّحي الإيجور العِرقيين الذين يثيرون قلق الصين. غير أن إحكام السيطرة على هذه المجموعات الأخرى يستلزم إرادة سياسية أقوى وفوائد أكثر وضوحًا من احتواء المجموعات بدلًا عن حمايتها. وربما تُقدِّم موسكو وبكين الدافع لاتخاذ هذا الإجراء على الأقل بصورة محدودة.

وسوف تسعى «طالبان» إلى اكتساب شرعية دولية حتى تتمكَّن من الوصول إلى التجارة، فضلًا عن البنية التحتية الانتقائية والحصول على المساعدات الإنمائية. وسيؤدي اكتساب هذه الشرعية أيضًا، التي حُرمت منها الحركة في تسعينات القرن الماضي، إلى تقليل الدعم الخارجي المُحتمَل للحركات المناهضة لـ«طالبان» داخل أفغانستان. وتُشكِّل روسيا مصدر قلق بصفة خاصة، نظرًا إلى علاقاتها المستمرة في آسيا الوسطى وتاريخ الصراع العِرْقِي في أفغانستان.

وسوف يساعد اعتراف الصين أو روسيا أيضًا في حماية أفغانستان التي تحكمها «حركة طالبان» من الإجراءات التي يتخذها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وإذا كانت هذه الفوائد تفوق الفوائد المُتصوَّرة للسماح بالتخطيط لشن هجمات والتدريب داخل أفغانستان، فربما تُبدي «طالبان» استعدادها بصورة انتقائية إلى الحدِّ من شن العمليات التي ينفذها شركاؤها الحاليون، على الأقل خلال العام أو العامين المقبلين.

قدرة «طالبان» على احتواء التشدُّد

ومن الواضح – بحسب التقرير – أن «طالبان» تهتم باكتساب شرعية دولية أو إقليمية على الأقل لاستيلائها على أفغانستان. ولكن مع وجود قيود متأصلة، سيكون من الصعب على الحركة أن تسيطر على النشاطات المُسلَّحة داخل حدودها وخارجها، بغض النظر عن نواياها. وسيكون التماسك السياسي داخل «طالبان» أول وأهم اختبار تخضع له الحركة. وينحدر مقاتلو «طالبان» من العديد من الأفراد والمجموعات، التي يتبنى بعضها أفكارًا متنافسة بشأن الموقف الذي ينبغي أن تتخذه «طالبان»، والجهات التي ينبغي أن تُركِز عليها الحركة، ومدى إمكانية اضطلاعها بدور أممي أكبر.

وسواء كان قادة «طالبان» قادرين على الاحتفاظ بالولاء التام وضمان الالتزام بتحقيق الأهداف المحورية، بدلًا عن السعي وراء المصالح المحلية أو الشخصية، أثناء الانتقال من حالة التمرُّد إلى الوضع الراهن، سيقدِّم ذلك الأمر أول مؤشر على قُدرة «حركة طالبان» على السيطرة على المُسلَّحين العابرين للحدود الوطنية، نظرًا لأن القادة المحليين الذين تربطهم علاقات وثيقة بالمُسلَّحين العابرين للحدود الوطنية ربما يكونوا أكثر تعاطفًا مع شركائهم المقاتلين أكثر من تعاطفهم مع هيئة حاكمة في كابول. وبعد ذلك سيتمثَّل الاختبار الثاني في مدى قُدرة «طالبان» على ممارسة السيطرة على جميع أنحاء أفغانستان، وإلا ستُوجَد مساحة سلبية يُمكن أن تحتلَّها مجموعات أخرى لا تخضع لسيطرة «طالبان». وسيتمثَّل الاختبار الثالث والأخير في إمكانية أن تفرض «طالبان» سيطرتها على المجموعات التي خاضت حربًا على أراضيها، ولكن أصبح لديها الآن أولويات مُتغيِّرَة.

ويؤكد التقرير أن القتال ضد عدو أجنبي مُشترَك داخل أفغانستان أسفر عن تعزيز العلاقات بين «حركة طالبان» وشركائها من المُسلَّحين العابرين للحدود الوطنية، ولكن مع الإطاحة بذلك العدو، عادت المصالح الأساسية لتلك الجماعات الفردية إلى الصدارة. وتشترك «حركة طالبان» في بعض الأهداف والنوايا المُشتركَة مع هذه المجموعات، ولكنها لا تتوافق في جميع المجالات. ومن الواضح أن تنظيم «قاعدة الجهاد» في شبه القارة الهنديَّة و«حركة طالبان» باكستان لديهما تركيز خارجي، وسوف ينظران إلى انتصار «حركة طالبان» باعتباره حافزًا للإسراع بشَنِّ هجماتٍ في باكستان وبنجلاديش.

تقويض العلاقات

يخاطر ما سبق بتقويض العلاقات ليس فقط مع باكستان ولكن مع الصين أيضًا، التي تنظر إلى المَمَرِّ الاقتصادي بين الصين وباكستان بوصفه رابطًا اقتصاديًا مهمًا. وربما تتمكَّن «حركة طالبان» من إعادة تركيز بعض المجموعات على مرحلة التوطيد التي لم تزل ضرورية للسيطرة على أفغانستان، على غرار ما فعلته الحركة مع «جماعة أنصار الله»، التي يُطلَق عليها «طالبان» الطاجيكية. ولكن هذا الأمر قد لا يدوم طويلًا؛ لأنها تركز على أهدافها الأوسع نطاقًا في طاجيكستان.

Embed from Getty Images

ويشير التقرير في ختامه إلى أن «حركة طالبان» ربما تستعد إلى استخدام القوة أو طرد القادة أو المجموعات المثيرة للقلق من أفغانستان، ولكن تظل قُدرتها العسكرية على الاضطلاع بهذا الدور موضع تساؤل. وقد قلَّبت «طالبان» قواتها ضد تنظيم «داعش» في ولاية خراسان، في ظل وجود اختلافات أيديولوجية واضحة وتنافس على السلطة. ومن الممكن أن تظهر أنماط مماثلة مع «حركة طالبان» باكستان أو «جماعة أنصار الله»، التي لديها أهداف مُقيَّدَة على الصعيد الجغرافي والعِرقي في كثير من الأحيان.

وربما تكون المجموعات الأصغر حجمًا مثل فلول «حركة تركستان الشرقية الإسلامية» أهدافًا سهلة نسبيًّا، على افتراض أن «حركة طالبان» تستطيع تحديد مواقعها. ولكن من الصعب أن نلاحظ أن «حركة طالبان»، التي من المُرجَّح أن تواجه تمردًا ومقاومة مستمرة، لديها الإرادة السياسية أو العسكرية والقُدرة على تحويل أنظارها صوب تنظيم «القاعدة». كما سيؤدي الانشقاق عن «شبكة حقَّاني» إلى اندلاع حرب أهلية بين مقاتلي «طالبان».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد