بعد القضاء على وجود طالبان في أفغانستان، وهروب بن لادن والملا عمر وكبار مسؤولي الحركة من بعد ذلك، تحاول الحركة العودة مرةً أخرى إلى بلادها، عبر محادثاتٍ مع أمريكا. لكن أُجلت المحادثات مؤخرًا لأجلٍ غير مسمى، ولأسبابٍ تبدو غير واضحة. في هذا الصدد يكتب الصحافي عزت الله مهرداد في مجلة «ذي ديبلومات» عن المحادثات الحالية، والتغيرات التي طرأت على العاصمة قندهار في العقدين الأخيرين منذ رحيل الحركة.

من شظف العيش إلى الفنادق الفخمة.. ماذا يعني أن تكون دبلوماسيًا في طالبان؟

عاد مهرداد إلى بداية الحملة التي قادتها الولايات المتحدة ضد التنظيم، موضحًا أنَّه في أكتوبر (تشرين الأول) 2001، حلقت طائرةٌ أمريكية من طراز «بي-52» فوق قندهار، عاصمة «الإمارة الإسلامية» أفغانستان، لإلقاء القنابل على مقر حركة طالبان، ما دفع كبار المسؤولين في طالبان، بمن فيهم أمير «الإمارة» الملا عمر، إلى استقلال شاحناتهم ومغادرة قندهار.

بعدها، حُوِّل مقر طالبان في قندهار إلى مقرٍ لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (ولاحقًا وكالة الاستخبارات الأفغانية)، وحوَّلت الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة مقر الملا عمر إلى سكنٍ لطالبات جامعة قندهار.

طالبان تزعم بأنَّها لم تعد الحركة نفسها التي حكمت قندهار ذات يوم، فتقول إنَّها لم تعُد تسعى إلى احتكار السلطة في البلاد، وتحترم حقوق المرأة وفقًا للشريعة الإسلامية.

منذ ذلك الوقت، شنت حركة طالبان تمردًا لأكثر من 17 عامًا للعودة إلى عاصمتها. لكن في أواخر 2018، صرفت الحركة تركيزها إلى العودة من خلال المحادثات مع الولايات المتحدة، ولمدة 16 يومًا في مارس (آذار)، تحدث المبعوث الأمريكي للمصالحة الأفغانية، زلماي خليل زاد، مع ممثل طالبان، شير محمد عباس ستانكزي، في الدوحة، محرزين تقدمًا في اتفاق إنهاء التمرد. ويرى الصحافي أنَّ ستانكزي قدم إلى طاولة المفاوضات لفتح طريقٍ إلى مكتبه القديم في قندهار.

يشير مهرداد إلى أنَّ طالبان تزعم بأنَّها لم تعد الحركة نفسها التي حكمت قندهار ذات يوم، فتقول إنَّها لم تعُد تسعى إلى احتكار السلطة في البلاد، وتحترم حقوق المرأة وفقًا للشريعة الإسلامية. لكن حسبما أوضح الصحافي، فإنَّ قندهار أيضًا ليست المدينة نفسها التي كانت ذات يوم عاصمة طالبان، إذ تزدهر الديمقراطية في المقاطعة الجنوبية، وتخرج النساء للعمل، وتذهب الفتيات إلى المدارس والجامعات.

وينقل الكاتب تصريح الناشط السياسي المستقل جاويد فيصل، الذي ولد ونشأ في قندهار: «تختلف القيم التي تمثلها طالبان عن تلك التي تمثلها قندهار، وإذا عادت طالبان، فعليها التكيف مع تطور قندهار وأفغانستان».

ازدهار الديمقراطية في قندهار

يعتقد الكاتب بأنَّ الديمقراطية تزدهر في الجانب السياسي في المقاطعة. ففي أكتوبر 2018، عقدت قندهار انتخاباتٍ برلمانية، تنافس فيها شيوخ القبائل والدين مع الشباب والمتعلمين للفوز بمقعدٍ في البرلمان الأفغاني.

وبحسب تقريره، كان من بين المرشحين قائد سابق في طالبان هو الملا منصور حسيني، الذي تمرد وقاتل الحكومة لأكثر من عقد، ثم ألقى سلاحه وانضم إلى عملية السلام. ففي الانتخابات البرلمانية، ترشح حسيني لمقعد البرلمان الممثل لقندهار، وفقًا لفيصل الذي ترشح أيضًا لشغل المقعد ذاته.

Embed from Getty Images

أوضح مهرداد أنَّ قندهار -إحدى أقدم المدن المأهولة بالسكان- كانت على مر السنوات مقاطعة رجعية تحت سيطرة البشتون، وهم العرق الغالب على الدولة، ويعتمد الهيكل الاجتماعي لهم اعتمادًا كبيرًا على أهمية كبار السن لاتخاذ قرارات القضايا الأسرية، أو الاجتماعية، أو السياسية.

لكن يقول فيصل عن الوضع الآن: «لم يتغير الهيكل التقليدي، لكن اليوم، ليس شيوخ القبائل هم صنَّاع القرار وحدهم، بل النساء والمتعلمون أيضًا».

وتحدث مهرداد أيضًا مع حكمت الله صالحي، الناشط في المجتمع المدني، في مكتبه بعينو مينه، وهي مدينة ثرية في قندهار. ذكر صالحي حرية التعبير وحقوق المرأة بوصفها إنجازات للجهود المبذولة على مدى عقدين ماضيين. وأضاف: «قدمنا تضحيات»، في إشارة إلى عددٍ كبير من الضحايا المدنيين والعسكريين.

المتعلمات لم يعد يمكن إيقافهن

يعتقد الكاتب أنَّ أكثر ما تغيَّر في قندهار هو دور المرأة. وتحدث في هذا الصدد مع مريم دوراني، مديرة إذاعة «وومينز راديو»، التي تُبَث 15 ساعة يوميًّا في قندهار. قالت مريم: «لدينا طالبات في الجامعات والمدارس الخاصة والحكومية، تتعلم الفتيات كيف يحلمن بمستقبلهن ويرسمن خططهن».

ويشير مهرداد إلى أنَّه في قندهار، تتمتع النساء بحريةٍ نسبية في الحركة والعمل خارج المنزل. وتزعم مريم أنَّ النساء يشكلن 9% من موظفي المؤسسات الحكومية وغير الحكومية. وتتسوق النساء دون رفيقٍ من الذكور، رغم ارتدائهن عادةً البرقع الأزرق الذي يغطي وجوههن وأجسادهن بالكامل، وخصصت المدينة يوم الأربعاء للنساء للتنزه في أماكن خاصة، من بينها حديقة المدينة.

Embed from Getty Images

لكن خارج قندهار، بحسب الكاتب، تقل مكانة النساء؛ ففي مدرسة «رسام خان نيكا» الابتدائية في الجزء القندهاري من مقاطعة سبين بولداك، تدرس 60 فتاة للتخرج من الصف الثالث، لكن في الوقت نفسه، لم تسجل مدرسة «حاجي باز محمد ناواي كالاي» في الجزء الآخر من ذات المقاطعة ولو فتاة واحدة.

وتقول مريم، التي تدير أيضًا مكتبةً للنساء في قندهار: «هناك جيل نسائي متعلم، لا يستطيع أحد إيقافهن، إذ يعرفن حقوقهن، وبغض النظر عن المواقف السياسية، تواصل الحركات النسائية العمل لأجل حقوق المرأة».

نجت مريم من هجومين منسوبين لطالبان، وتتلقى تهديداتٍ باستمرار، وأضافت في حديثها مع مهرداد: «نحتاج السلام، ولا نستطيع مواصلة العمل من دونه».

موقف باكستان من محادثات طالبان

يعتقد مهرداد أنَّ التمرد الذي دام 18 عامًا أثقل كاهل كل من الولايات المتحدة والحكومات الأفغانية؛ ما أدى بواشنطن للدفع بمحادثات السلام أواخر 2018، دون شروطٍ مسبقة، وجلست مع طالبان وجهًا لوجه. لكن في المحادثات، لم يحضر سوى ممثلين عن طالبان الأفغانية، وما تحتاجه مسألة قندهار في رأي الصحافي هو أن تتضمن محادثات السلام جهةً أخرى، وهي باكستان.

وهنا يعود الكاتب إلى حواره مع فيصل، الناشط السياسي: «طالبان منظمة إرهابية تعمل لتحقيق مصالح باكستان وليس أفغانستان، زوجات أعضاء طالبان وأمهاتهم وآباؤهم موجودون في باكستان، وتسيطر عليهم المخابرات الباكستانية». ويشير مهرداد إلى أنَّ هذه المزاعم تنتشر داخل أفغانستان وقندهار على وجه الخصوص.

وتتبادل شرطة قندهار الحدودية إطلاق النار مع الجيش الباكستاني من وقت لآخر، إذ تقع المقاطعة في خط المواجهة مع باكستان لتشاركهما في الحدود. وكان قائد شرطة المقاطعة، الجنرال عبد الرازق أشكزاي، خصمًا صعبًا لباكستان، ويتهم باستمرار وكالة الاستخبارات الباكستانية بتسليح طالبان وتدريبها، وفي أكتوبر 2018، اغتيل على يد أحد مقاتلي طالبان، وتعهدت الحكومة المحلية بالانتقام له من باكستان.

Embed from Getty Images

ويقول فيصل: «تتلقى طالبان التدريبات على الأراضي الباكستانية، قبل دخولها إلى قندهار لتنفيذ العمليات، والطريق الوحيد لإنهاء الحرب هو الحديث مع باكستان». ويعلق صالحي، الناشط في المجتمع المدني: «يجب على الحكومة الأفغانية العمل مع دول المنطقة (باكستان) للوصول إلى إجماعٍ إقليمي حول السلام في البلاد».

وبينما كان من المفترض أن تستضيف الدوحة ممثلي الولايات المتحدة وطالبان والسياسيين الأفغان يوم الجمعة الماضي، لعقد محادثات سلام ربما تمهد الطريق لعودة طالبان للعبة السياسية في أفغانستان، ومن ثم العودة إلى عاصمتها السابقة.

لكن يشير مهرداد إلى أنَّه يوم الخميس، أُجلت المحادثات فجأة، بسبب اعتراض طالبان على قائمة حضور الحكومة الأفغانية، حسبما ذكرت التقارير. وحتى وقت كتابة تقرير مهرداد، لم يكن من الواضح متى ستُقام المحادثات، أو ما إذا كان لا يزال من الممكن عقدها في شكلٍ مصغر هذا الأسبوع.

وعن موقف سكان قندهار من تلك المحادثات، تحدث مهرداد مع عبد المجيد، البالغ من العمر 75 عامًا، والذي عاش في مقاطعة قندهار طوال حياته.

يتذكر عبد المجيد أنَّ طالبان نشأت وسيطرت على المقاطعة عام 1994، مطالبةً قريته بإمدادها بالخبز واللبن. وأعقب ظهور طالبان المفاجئ انهيارٌ مفاجئ أيضًا عندما أُطيحت حكومتها عام 2001، ثم اندلعت الحرب بين طالبان من جهة، والولايات المتحدة والحكومة الأفغانية المدعومة منها من جهة أخرى، وكلفتنا دماء العديد من المواطنين الأفغان.

وقال عبد المجيد عن ذلك: «أنا سعيد حقًّا برؤية محادثات السلام، فأعضاء الحكومة إخوتي، وكذلك أعضاء حركة طالبان».

التحالف مع «طالبان».. مصيدة إيرانية لـ«قصم ظهر» واشنطن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات