نشر موقع مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الإستراتيجية والأمنية تقريرًا سلَّط فيه الضوء على موقف الدول من حكومة تصريف الأعمال الأفغانية التي شكلتها طالبان في الآونة الأخيرة، مرجحًا أن قنوات التواصل مع الحكومة الجديدة ستظل مفتوحة مع الدول المجاورة تحديدًا، بينما ستترقب دول أخرى كيف تدير حكومة طالبان شؤون البلاد وتنظر في تصرفاتها.

الحكومة الجديدة: غياب للمرأة واستبعاد للمجموعات العِرقية!

وفي مستهل التقرير، يتوقع المركز الأمريكي أن حكومة تصريف الأعمال الأفغانية، التي شكلتها حركة طالبان وأعلنت عنها مؤخرًا في أفغانستان، لن تَحْظَ باعتراف دولي رسمي واسع النطاق على الأرجح؛ بسبب افتقارها إلى التنوع وعدم مشاركة المسؤولين الأفغان السابقين فيها. لكن خطوة إعادة تشكيل حكومة رسمية لا يزال من المحتمل أن تؤدي إلى استئناف فوري للعلاقات التجارية والدبلوماسية الضرورية مع الدول المجاورة لأفغانستان، بالإضافة إلى إقامة علاقات مشتركة محدودة، حتى وإن كانت غير رسمية، مع دول أخرى بعيدة.

دولي

منذ 6 أيام
أسماء صادمة لأمريكا.. ما وراء اختيارات حكومة «طالبان» الجديدة

ويُوضِّح التقرير أن حركة طالبان كانت قد أعلنت في 7 سبتمبر (أيلول) تشكيل حكومة مؤقتة تتألف من بعض القيادات القديمة من صفوفها، على الرغم من وعود الحركة الأولية بتشكيل حكومة ائتلافية تمثل جميع الأعراق. ويأتي هذا الإعلان بعد أسابيع من المشاورات التي جرت بين قادة طالبان ومسؤولين من الحكومة الأفغانية المخلوعة؛ مما أثار التكهنات بأن النظام الجديد سيتضمن بعض المسؤولين السياسيين السابقين على الأقل. لكن القائمة التي أعلنتها طالبان وتتكون من 33 وزيرًا لا تضم أي مسؤول من إدارة الرئيس الأفغاني المنفي، أشرف غني.

وعلاوةً على ذلك، تضم قائمة الوزراء الجدد اثنين فقط من أصل أوزباكستاني، ووزيرًا واحدًا من أصل طاجاكستاني، وينتمي الوزراء الثلاثون الباقون جميعهم إلى عِرقية البشتون ذات الأغلبية المهيمنة في أفغانستان. وفي حين أنها تعد صدمة أقل وطأة، أدَّى غياب المرأة عن الحكومة الجديدة إلى تنامي مخاوف الدول الغربية بشأن مستقبل حقوق المرأة في البلاد.

وصرَّحت حركة طالبان بأنه سيعلن في المستقبل عن نظام دائم للحكم، وهو الأمر الذي قد يمنح الحركة الوقت والمجال اللازمين للتعامل مع النزاعات السياسية الداخلية.

Embed from Getty Images

لكن في الوقت نفسه، سيؤدي استبعاد مختلف المجموعات العِرقية والمسؤولين السابقين من السلطة إلى زيادة مخاطر حدوث مزيد من الاضطرابات والتقلبات.

إستراتيجية للتعامل مع المستجدات الأفغانية!

وأفاد التقرير بأن محمد حسن أخوند، رئيس مجلس قيادة طالبان القوي لمدة طويلة، عُيِّن في منصب رئيس الوزراء بالإنابة. وكان أخوند قد شغل منصب وزير الخارجية ثم نائب رئيس الوزراء خلال حكم طالبان لأفغانستان في المدة من 1996 حتى 2001. وعُيِّن عبد الغني بردار، أحد الأعضاء المؤسسين لحركة طالبان، نائبًا لرئيس الوزراء. وكان بردار أحد المُسْهِمين في قيادة المفاوضات مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، والتي تُوِّجت بإبرام اتفاق أضفى الطابع الرسمي على انسحاب القوات الأمريكية.

ويُشير التقرير إلى أن حكومة تصريف الأعمال تضم أيضًا بعض أعضاء «شبكة حقاني» القوية. وكان عدد من الأعضاء البارزين في الحكومة الجديدة قد اعتُقلوا في خليج جوانتانامو قبل إطلاق سراحهم بوصفه جزءًا من صفقة تبادل أسرى في 2014. ويُتوقَّع أن تتعاون الدول المجاورة المهمة لأفغانستان مع الحكومة الجديدة للمساعدة في ضمان تدفق المساعدات والإمدادات الرئيسة إلى الدولة غير الساحلية التي مزقتها الحرب.

وتحاول الدول المجاورة، مثل باكستان وطاجيكستان، بناء إستراتيجية متماسكة للتعامل مع التطورات في أفغانستان وإيصال المساعدات إلى البلاد مباشرةً. وكانت طاجيكستان قد أعربت، في البداية، عن بعض التحفظات بسبب عدم تمثيل أقليات عِرقية في حكومة تصريف الأعمال الجديدة. ولكن يبدو أن هناك تفاهمًا عامًّا بين دول أفغانستان المجاورة بشأن ضرورة الاستمرار في العمل مع قادة طالبان الجدد لإمداد البلاد بالمساعدات الإنسانية والتجارة الثنائية التي تشتد الحاجة إليها.

الاتصالات الدولية لا تعني اعترافًا رسميًّا!

يُلفت التقرير إلى أن باكستان استضافت اجتماعًا افتراضيًّا، بعد يوم من الإعلان عن الحكومة المؤقتة لطالبان، في يوم 8 سبتمبر حضره كل من ممثلي إيران والصين وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان. وخلال الاجتماع، تعهدت الصين بتقديم 31 مليون دولار في شكل مساعدات إنسانية طارئة لأفغانستان. واقترحت باكستان أيضًا ضم ممثلين من حكومة طالبان لتصريف الأعمال في الاجتماعات المستقبلية بشأن الوضع الأفغاني.

Embed from Getty Images

وفي مقابلة مع صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية نُشرت في يوم 1 سبتمبر، وصف ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم طالبان، الصين بأنها «شريك أساسي» للحكومة الأفغانية الجديدة، كما أعرب عن رغبته في أن تكون الصين جزءًا من مشروعات البنية التحتية في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية الضخمة (BRI)، والممر الاقتصادي بين الصين وباكستان (CPEC). ونظرًا إلى عدم تمكنها من الوصول المباشر إلى ممرات الملاحة البحرية، تعتمد أفغانستان على التعاون مع جيرانها المباشرين من أجل التجارة.

وأوضح التقرير أنه من غير المرجح أن تعترف دول أخرى رسميًّا بالحكومة الأفغانية الجديدة على المدى القريب؛ بسبب تركيبتها المثيرة للجدل. لكن مجرد وجود نظام رسمي في مكانه سيُوفر لطالبان إمكانية إنشاء قنوات دبلوماسية على الأقل مع العالم الخارجي، حتى لو لم تكن غير رسمية، والتي قد تؤدي في النهاية إلى إتاحة الوصول إلى المساعدات والأموال المجمدة. ودعت حركة طالبان المجتمع الدولي إلى الاعتراف بالحكومة الجديدة والمساعدة في إعادة بناء اقتصاد أفغانستان بعد الحرب، على الرغم من أن بناء اقتصاد أفغانستان أكثر إلحاحًا من الاعتراف بالحكومة في هذا الوقت.

وأوضحت طالبان أيضًا أنها تريد إقامة علاقات جيدة مع جميع الدول (باستثناء إسرائيل) ويُزعم أن الحركة التقت بعدد من ممثلي دول أجنبية في الشهر الجاري في دولة قطر. وحافظ عديد من الدول والمؤسسات السياسية الدولية على الاتصال بحركة طالبان بعد استيلائها على العاصمة الأفغانية كابول في 15 أغسطس (آب)، على الرغم من أن معظم هذه الدول حرصت على توضيح أن مثل هذه الاتصالات لا تعني الاعتراف بالتشكيل الحكومي. وعلى سبيل المثال، كان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يُنسِّقان مع طالبان لتأمين مطار كابول في ظل عملية الإجلاء النهائي للأجانب والأفغان. كما تعهدت بروكسل وواشنطن ومعهما الأمم المتحدة بمواصلة إرسال المساعدات الإنسانية إلى أفغانستان.

العالم يترقب تصرفات الحكومة الجديدة!

يُنوِّه التقرير إلى أن الأمم المتحدة حذَّرت مؤخرًا من أن احتياطيات أفغانستان الغذائية قد تنفد بحلول نهاية هذا الشهر، في ظل استمرار أزمتي الجفاف والسيولة في البلاد، بالتزامن مع تجميد جميع موارد النقد الأجنبي لأفغانستان تقريبًا في الوقت الحالي.

Embed from Getty Images

وأعربت الولايات المتحدة عن قلقها بشأن تشكيل حكومة تصريف الأعمال الأفغانية، لكنها أوضحت أن تقديرها للأمور والحكم عليها سيركز على سلوكيات قادة طالبان الجدد، بما في ذلك السماح للأفغان بمغادرة البلاد من دون قيد.

وفي ختام التقرير، يُوضِّح المركز الأمريكي أن تعاون الولايات المتحدة مع أفغانستان في المستقبل سيكون معقدًا بسبب خطوة واشنطن لتصنيف قادة «شبكة حقاني» ضمن قائمة الإرهابيين، لا سيما بعد تعيين أحد هؤلاء القادة في الحكومة الجديدة وزيرًا بالإنابة لشؤون اللاجئين والعودة إلى الوطن. وذكر الاتحاد الأوروبي أيضًا أن الحكومة المؤقتة الجديدة لا تضم جميع المجموعات العِرقية وليست ممثلة لهم، وسيُحكم عليها بناءً على تصرفاتها.

وكانت الصين قد أعربت صراحةً عن اهتمامها بالتواصل مع الحكومة التي تقودها طالبان، وأبقت على سفارتها مفتوحة في كابول كما فعلت روسيا ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد