نشرت صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية مقالًا للصحافي والمفكر عبد الكرم برانين، حول الاتهامات المزعومة بالاغتصاب الموجّهة إلى أستاذ العلوم الإسلامية بجامعة أوكسفورد والداعية الإسلامي، طارق رمضان وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المحاكمة قد تتحوّل إلى «محاكمة للإسلام أو للإسلام السياسي» كما حدث في محاكمة النجم الرياضي الأمريكي الشهير «أو. جاي سيمبسون» ذي الأصول الإفريقية، إذ انقسمت الآراء حول المحاكمة على أساس العِرق كما يرى الكثيرون.

تُذكّر الصحيفة بالمحاكمة الشهيرة لنجم كرة القدم الأمريكية الشهير «أو. جاي سيمبسون» (O.J Simpson) التي جرت سنة 1995، حين تحوّلت محاكمته إلى استفتاء وطنيّ حول المسألة العرقيّة في الولايات المتحدة الأمريكية. وترى الجريدة أن المسائل القانونية الخاصة بالسيد طارق رمضان المتّهم بالاغتصاب، لا ينبغي أن تُؤدّي إلى حالة مشابهة لما حدث في أمريكا.

طارق رمضان، أستاذ العلوم الإسلامية بجامعة أوكسفورد، وداعية إسلامي.

وتُعتبر محاكمة «أو. جي سيمبسون» هي المحاكمة التي قسمت الولايات المتحدة الأمريكية. عندما وقف سيمبسون أمام محكمة جنائية في لوس أنجلوس متهَمًا بقتل كل من زوجته السابقة وصديقها. وقبل تلك المحاكمة بأشهر قليلة وقعت مدينة لوس أنجلوس تحت الصدمة من جرّاء المظاهرات العرقيّة التي انطلقت سنة 1992 بعد حكم البراءة «العجيب» الذي خرج به ضبّاط الشرطة المسؤولون عن شنق «رودني كينغ»، المواطن الأمريكي من أصل إفريقي، إذ أثّر حكم البراءة بشدّة في مجتمع السّود الأمريكيين، فبعد هذه المحاكمة لا شيء سيبقى كالسابق.

في هذا السياق الساخن استطاع المتّهم «سيمبسون» أن يلعب دورًا غير متوقّع؛ فقد أصبح رمزًا للأمريكي الأسود المضطهد. والغريب هو أنّ «سيبمسون» بعد سطوع نجمه في الرياضة التي يعشقها مجتمع السود الأمريكيين –كرة القدم الأمريكية-، فإن اللاعب الأكثر شهرة في أمريكا كلها كان قد أدار ظهره لبني جلدته وأبناء طبقته وأصوله العرقيّة، واندمج تمامًا في دور «البرجوازي الأبيض الأنجلوسكسوني»، فقد صار الرّجل الأسود المفضّل بالنسبة للأمريكيين البيض: الشخصية المضادّة تمامًا للملاكم الشهير «محمّد علي».

وأضافت الصحيفة الفرنسية أنّ الأخطاء التي حدثت في تحقيقات الشرطة، والعنصرية الفادحة لأحد المحقّقين، والتغطية الصحافية الشهيرة لمجلّة «التايم» مع صورة لسيمبسون بملامح مسودّة والرقم التسلسليّ الخاص بالسجناء أكّدت بشكل نهائي ورقة العِرق التي لعبت دورًا رئيسيًّا في المحاكمة، والتي استغلّها المحامون أحسن استغلال؛ فزبونهم مُتّهم فقط بسبب لون بشرته لا غير. هذه الاستراتيجية قلبت تمامًا مجرى النقاشات، رغم الأدلة الكثيرة التي تجمّعت ضدّه.

غلاف مجلّة «تايم» يظهر عليه صورة لاعب كرة اقدم الأمريكية أو. جاي سيمبسون.

وأكّدت صحيفة ليبراسيون إن أغلبية مجتمع السود الأمريكيين الساحقة قد تبنّوا قضيّة النجم الرياضي، وطرحوا بذلك مسألة شائكة أو مفارقة بمعنى آخر؛ فالملايين من الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية الذين يعيشون في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، استقبلوا بالفرح وحتى بالدموع حُكمَ البراءة على رجل يملك 11 مليون دولار في ذلك الوقت، الرجل الذي صرّح حين كان في أوجّ مجده الرياضي: «أنا لست أسود، أنا أو. جاي».

وتضيف الجريدة أن حكم البراءة قد سمح بحفظ السلم الاجتماعي، لكن الثمن كان انقسامًا عرقيًّا يتضخّم باستمرار. ففي سبر للآراء قبل 10 سنوات تقريبًا عبر قناة «NBC» تأكّدت الآثار السلبية التي خلّفتها المحاكمة: 87% من الأمريكيين البيض يعتقدون أن «سيمبسون» مُذنب، أمّا السود 82% منهم قالوا إنهم يعتقدون أنه بريء.

وتساءلت الصحيفة: هل من الممكن أن يصبح طارق رمضان هو «أو. جاي سيمبسون» الخاص بمسلمي فرنسا؟ التشابهات مثيرة للاهتمام على عدّة مستويات. في البداية من المهم التذكير أنه حتى يثبت العكس؛ فإن طارق رمضان يعتبر بريئًا. الفقيه الإسلامي «الأكثر إثارة للجدل» في فرنسا متّهم باغتصاب عدّة نساء. في هذه الفترة المفيدة لحرية التعبير من أجل إدانة مثل هذه التصرّفات، الأنظار مصوّبة نحو فرنسا، وهذا المثقّف المعروف عالميًّا يمتلك جزءًا مهمًّا من تأييد جمهوره.

هذه القاعدة الجماهيرية، وهي إحدى نقاط قوّته التي جاهد من أجل إقناعها منذ سنوات التسعينات الأولى، عبر تنقلاته في القطر الأوروبي مدينةً مدينةً وحيًّا حيًّا، ليصبح بعد ذلك المُحاضرَ الرئيسيَّ الأكثر ظهورًا إعلاميًّا للتجمّع السنوي لمسلمي فرنسا، وبلوغه مقام «النّجم الإسلامي». صعود استثنائي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الفرق الذي يفصله عن قاعدته الشعبية؛ فطارق رمضان لم يكبر في حيّ شعبيّ، ولم يكن أحد أبناء المهاجرين إلى أوروبا بعد نهاية الاستعمار، كما أنه ليس فرنسيًّا.

إن النخبة الفرنسية إذا كانت مستعدّة لتحديد القادة الجيّدين من السيّئين، فعليها طرح السؤال التالي: كيف استطاع رجل سويسري ابن البورجوازية المصريّة أن يأخذ مكانًا بهذه الأهميّة بالنسبة لملايين المواطنين ذوي الأصول الإفريقية والمغاربية؟

وبعد أسبوع من الاتهامات بالاغتصاب المُنكرة من طرفه، انطلقت الآلة الإعلامية بالحماسة، فبعد ساعات قليلة من الاتهامات، خرجت «الفزّاعة» المفضّلة بالنسبة لجزء من الطبقة السياسيّة؛ فربطت بين هذه الاتهامات وبين جميع مسلمي فرنسا. مرّة أخرى المسلمون الفرنسيون مطالبون بتوضيح موقفهم من الاتهامات الموجّهة لطارق رمضان ومن التهديدات المخزية الموجّهة نحو متّهمته الأساسية «هندا آياري» (Henda Ayari).

وترى الصحيفة أن الحوارات التلفزيونية التي ناقشت الاغتصاب المزعوم قد انحرفت بسرعة إلى نقاش آخر: مكانة المرأة في الإسلام.

وفي الختام ترى الصحيفة أن القضيّة الوحيدة الذي ينبغي أن تثير اهتمامنا هي إجابة السؤال البسيط: هل اغتصب هذا الرّجل أولئك النساء أم لا؟ لا أكثر ولا أقلّ. فمحاكمة طارق رمضان، إذا جرت أصلًا، لا ينبغي أن تصبح محاكمة للإسلام السياسي نفسه، ولا للإسلام كلّه. ففي حالة تمّت محاكمة الإسلام السياسي أو الإسلام بدل طارق رمضان في هذه القضيّة، فإن جزءًا من المسلمين سيشعر أن هنالك تفرقة وتمييزًا يجري ضدّهم بطريقة خفيّة. بهذه الطريقة هنالك احتمال لتعرّض فرنسا إلى خطر حدوث مشاحنات مجتمعيّة يمكن مقارنتها بتلك التي حدثت بسبب محاكمة «أو. جاي سيمبسون» في أمريكا.

في النهاية بعيدًا عن أحكام القضاء ومرافعاته –كما ترى الصحيفة- فإنّ على طارق رمضان أن يضرب موعدًا حاسمًا لمستقبله مع جمهوره ومؤيّديه. ففي حالة الإدانة، هنالك الكثير على المحكّ بالنسبة له، ستحصل قطيعة جذريّة من قبل أنصاره للرّجُل الذي تغنّى في خطابه عبر السنين بالأسس، والقيم الأخلاقية الإسلامية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد