يلقي هذا المقال الضوء على جانب مغبون في الأنظمة التعليمية، وهو المهارات الاجتماعية والعاطفية. بعيدًا عن نظريات الهندسة ومعادلات الكيمياء، ما هو أثر المهارات الأخرى في مستقبل البشرية؟

في مطلع التسعينيات، طُلِب من 50 من مُعلِّمي رياض الأطفال تقييم المهارات الاجتماعية ومهارات التواصل لـ 753 طفلًا في صفوفهم. كجزء من مشروع (المسار السريع) الذي تم العمل عليه في دورهام، وكارولينا الشمالية، وناشفيل، وسياتل، ووسط بنسلفانيا. عملت هذه الدراسة على فهم كيف يطور الأطفال مهاراتهم الاجتماعية المناسبة، وكيفية مساعدتهم لفعل ذلك.

تم استخدام أداة تقييم عُرِفَت بـ”مقياس الكفاء الاجتماعية”، حيث قام المعلمون بوضع علامات لكل طفل بناءً على صفات محددة تضمنت “التعاون مع الأقران دون حث”، “تقديم المساعدة للآخرين”، “القدرة على فهم المشاعر” و”حل المشكلات بمفرده”.

هذا العام، نشر بعض الباحثين من جامعتي ولاية بنسلفانيا، وديوك دراسة عما حدث لهؤلاء الأطفال من 13 لـ 19 عامًا منذ تركهم لرياض الأطفال. استدعت نتائج هذه الدراسة قدرًا كبيرًا من الاهتمام، إذ إن تقييمات المعلِّمين احتوت على قدر كبير من الصحة.

استطاع المعلمون التنبأ باحتمالية حدوث العديد من المآلات: هل سيتخرج الأطفال من المدرسة الثانوية في الوقت المحدد، هل سيحصلون على درجات جامعية، ووظيفة ثابتة كشباب؟

قام الباحثون بالتحكم إحصائيًّا فيما يتعلق بتأثير الفقر، والعِرق، والأهل المراهقين، والضغط الأسري، ووجود الجرائم في البيئة المحيطة، بالإضافة لعنف الأطفال ومستويات قراءتهم في الحضانة.

النتيجة الأبرز: الأطفال ذوو النتائج الأعلى على مقياس المهارات الاجتماعية كانوا أكثر احتمالية بأربع مرات للتخرج من الجامعة مقارنة بمن حصلوا على نتائج متدنية.

تضيف هذه النتائج ثقلًا للأدلة المتزايدة التي تشير إلى أهمية العمل على تنمية المهارات الاجتماعية للأطفال. الطريق إلى نشء أكثر إنتاجًا وفاعلية لا يكمن فقط في تركيز المدارس على المواد الدراسية؛ بل يجب أن يشمل أيضًا تنمية نواة المهارات الاجتماعية اللازمة ليستفيد الأطفال مما يتعلمونه، مثل القدرة على إدارة الذات، الوعي بالذات، وبالمجتمع.

لا يُعَّد هذا الأمر جديدًا، بل إن إحدى الاستطلاعات أشارت إلى أن أكثر من 90% من معلمي المدراس أكدوا على  أهمية قيام المدارس بدعم مهارات الطلاب العاطفية والاجتماعية والعمل على الارتقاء بها، ولكن كثيرًا منهم يعانون لأجل دمج هذا النوع من التعليم في فصولهم.

إحدى المنظمات التي تعمل للمساعدة في هذا الأمر هي  كاسل (التعاون لأجل التعليم الأكاديمي، والاجتماعي، والعاطفي)، والتي عملت في السنوات الأخيرة من أجل مساعدة المدارس في دمج التعلم العاطفي والاجتماعي في نُظمهم.

“الهدف هو نقل هذا التعلم من هذه المقاطعات، إلى 15000 مقاطعة أخرى” كما قال أستاذ علم النفس ومدير المعلومات الرئيسي في كاسل، روجر ب. فايزبرج، كما أضاف أن لكل مقاطعة تجربتها الخاصة، والتحدي هو استخدام هذه النتائج المُثبتة بالأدلة، ودمجها مع الأولويات الأخرى دون أن تكون إضافة مجردة، بل لتعمل على تقوية الأمور التي يقومون بفعلها.

تشير الأدلة إلى أن البرامج الفعالة التي يتم تطبيقها تنجح في فعل ذلك. قامت “كاسل” بتتبع هذا العمل لسنوات، وأشارت إحدى البحوث التحليلية التي شارك فيها روجر ب. فايزبرج، والتي  شملت دراسات 213 برنامجًا للتعليم العاطفي والاجتماعي بالمدارس، إلى أن هذه البرامج أدت إلى ارتفاع ملحوظ في مهارات الطلاب الاجتماعية، السلوكية والأكاديمية.

يستعيد إريك جوردان المدير التنفيذي لمدرسة مقاطعة كليفلاند متروبوليتان، بمرارة حادثة 2007، التي كانت بمثابة جرس إنذار، حين عاد أحد التلاميذ الذين عانوا من صعوبات عاطفية بعد عقابه من المدرسة، وقام بإطلاق النار على طالبين واثنين من المدرسين. أضاف جوردان أن هذه كانت اللحظة الدافعة لتطبيق إستراتيجيات التعليم العاطفي والاجتماعي في كليفلاند.

بدأت المقاطعة في التعاون مع اتحاد المعلمين من أجل تطبيق هذا الأمر على مرحلة رياض الأطفال  في 2008، ثم تم تمديده للصفوف الأعلى. يتعلم الأطفال عبر هذا البرنامج كيفية التعرف، والتواصل، والتعامل مع مشاعرهم، وقراءة مشاعر الآخرين، وحل المشكلات، وتغيير أنماط التفكير السلبي. تمت متابعة هذا البرنامج وجمع البيانات الخاصة به وبنتائجه على مدار عدة سنوات. وأضاف جوردان أن هذه البيانات أوضحت أن تقييم المهارات الاجتماعية والعاطفية لطلاب الصف التاسع أعلى بـ30% مقارنة بطلاب الصف العاشر إلى الثاني عشر، والذين لم يطبق عليهم هذا البرنامج.

يبقى السؤال قائمًا عن مصير الطلاب المزودين  بهذه المهارات الاجتماعية في العالم الحقيقي، عند أقران عنيدين غير مهتمين بمحاولة حل المشكلات؟

يلاحظ إد جراف، مدير مدرسة مقاطعة أنكوراج، أن التعلم العاطفي والاجتماعي لطالما كان أساسًا هامًا للتعليم، وأن الناس أصبحت تدرك أهميته، فهو ليس مجرد موجة عابرة. كما يضيف إد جراف بأن الخطوة التالية لهذا التعليم هو نقله إلى المجتمع وعبر البلاد حيث تكمن الحاجة الحقيقية له.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد