الحرب على الإرهاب لم يوضع لها مخطط واضح، وإنما مجرد أهداف وأسباب وأماكن وتوقيتات متضاربة – جورج بيكر

قال روبرت كاسيدي في مقال له على موقع ناشونال إنترست إنّ الحرب تغذي نفسها ما لم يكن هناك استراتيجية واضحة لإنهائها. وأوضح كاسيدي أنّ الغرض من وجود استراتيجية هو تحقيق هدف سياسي يساعد على إحلال الأمن والسلام وتحسين الأوضاع عما كانت عليه قبل شن الحرب.

ويرى كاسيدي أن الوسائل والأدوات المستخدمة في سبيل ذلك لا بد أن تتسق مع بعضها البعض لتحقيق الهدف السياسي بأقل تكلفة وخلال المدة التي تتحملها الدولة. أما إذا جلبت الحرب المزيد من الأعداء والحروب، فإنّ الاستراتيجية المستخدمة معيبة.

مضى أكثر من عقد ونصف العقد منذ شن الولايات المتحدة وحلفائها ما سُمي بـ«الحرب على الإرهاب». وبما أنّ أمريكا هي القوة الأعتى في التاريخ، فقد ربحت هي وحلفها معارك عديدة، ونفذوا سلسلة طويلة من الهجمات، وقتلوا العديد من الإرهابيين، وعلى رأسهم أسامة بن لادن. لكن العالم يشهد اليوم صعود الكثير من المجموعات الإسلامية القاتلة أكثر من أي وقت مضى، والحال بلا تغيير في أفغانستان. وعلى الرغم من أن الحلف الغربي بات قادرًا على توجيه ضربات قاصمة إلى الإرهابيين، إلا أنه لا يمتلك استراتيجية قابلة للصمود.

إن الهزيمة تعني تدمير قوة وإرادة العدو بما يجعله يقتنع بهزيمته فيستسلم. وإذا واصلت أمريكا التركيز على تدمير القدرات فقط دون التصدي للإرادة، سيتواصل انتشار هذه العقيدة وسنرى المزيد من الإرهابيين.

وإذا ما أجرينا مقارنة بين التكاليف التي تحملها كل جانب – يشير كاسيدي – لوجدنا أنّ تنظيم القاعدة قد صرف نصف مليون دولار في تحضيراته لهجمات نيويورك وواشنطن، بينما صرفت أمريكا تريليوني دولار منذ هجمات 2001. وما يزال الاقتصاد الأمريكي ينزف جراء هذه الحرب. تمكن الحلفاء من قتل العديد من القادة الإرهابيين ولكن بدون وجود استراتيجية واضحة؛ إذ أن الجهود المبذولة لقتال الإرهابيين لم تحقق النتيجة المرجوة. فالقنابل والرصاص لا يمكنها إلحاق الهزيمة بعدو يعتنق الأيديولوجيا السلفية الوهابية.

يشرح كاسيدي العقيدة الوهابية بالقول إنها منتشرة بشدة بين قتلة مهووسين ينظرون إلى العالم نظرة قاتمة، ولديهم مصطلحات إقصائية تفترض أن المؤمنين من أتباع النبي الحق لا بد أن يقهروا الكافرين، فإما الدخول في الإسلام أو الموت. ويرى كاسيدي أنه قد حان الوقت لاستبدال الأساليب التقليدية المستخدمة في مكافحة الجماعات المتشددة التي تضاعف عددها وأضحت أكثر وحشية منذ 2001.

اقرأ أيضًا: الكونجرس والعسكر في أمريكا.. هل يخضع الجيش الأقوى في العالم للديمقراطية؟

أمريكا تفتقد «الاستراتيجية»

ويؤكد كاسيدي أن السياسة الأمريكية تعاني من عيوب استراتيجية تعود إلى المنهج العقيم المتبع في دعم الاستخبارات الباكستانية ووكلائها المجاهدين ضد السوفييت في منتصف الثمانينيات. وما تزال هذه الاستراتيجية متبعة، مع أن أمريكا منخرطة في حرب مع الإسلاميين المتشددين منذ قرابة أربعة عقود.

«صراع استراتيجي»، هكذا يمكن وصف السياسة الأمريكية – التي بدأ تطبيقها مع الغزو السوفييتي لأفغانستان – من وجهة نظر كاسيدي. لقد مول الأمريكيون الأفغان لقتال السوفييت، فانهمرت الأموال والأسلحة على أكثر الإسلاميين تشددًا دون وضع اعتبار للعواقب على المدى الطويل. ومنذ عام 1990 وحتى 2001، أظهرت السياسة الأمريكية ما سماه أحد المحللين «النعاس الاستراتيجي». والمقصود عدم الالتفات لخطر هؤلاء في الوقت الذي واصلت فيه إسلام أباد دعمها لطالبان والقاعدة. ومنذ 2001، شرعت أمريكا في قتال نفس الوجوه الذي دعمتها في السابق.

ويوضح كاسيدي أن أمريكا عادت إلى سياسة الصراع الاستراتيجي. فبدون استراتيجية واضحة لإحلال السلام، قادت تحالفًا دوليًا للقضاء على طالبان والقاعدة، لتكتشف أن الأخير ازداد قوة. ومع عدم توقع انتهاء الحرب في أفغانستان قريبًا، اتخذت أمريكا قرارًا متهورًا بغزو العراق، فحولت مشكلة لا علاقة بهجمات سبتمبر (أيلول) إلى معضلة كبرى تنضح بالإرهاب. لكن هذه الخطوة أضعفت جهود أمريكا وقوت شوكة أعدائها.

لقد مول الأمريكيون الأفغان لقتال السوفييت، فانهمرت الأموال والأسلحة على أكثر الإسلاميين تشددًا دون وضع اعتبار للعواقب على المدى الطويل.

وقد أدى استخدام العنف المفرط من طرف أمريكا إلى نشوء حالة من الحرب القذرة أدت إلى اتساع رقعة الإرهاب. وتسبب مقتل مئات الآلاف من الأبرياء في أفغانستان والعراق إلى تجنيد المزيد من الإرهابيين بدلاً من القضاء عليهم. لهذا كان احتلال العراق خطأ لا يُغتفر.

يرى كاسيدي أن الهزيمة تعني تدمير قوة وإرادة العدو بما يجعله يقتنع بهزيمته فيستسلم. وإذا واصلت أمريكا التركيز على تدمير القدرات فقط دون التصدي للإرادة، سيتواصل انتشار هذه العقيدة وسنرى المزيد من الإرهابيين.

وفي سبيل وضع حد لهذه الحرب المنهكة – أو الخروج منها بأقل الخسائر في المستقبل المنظور – يرى كاسيدي أن على القادة الأمريكيين أن يراجعوا بشكل جاد الاستراتيجية المتبعة ووضع تصور للسلام. إذ سيتعين توظيف استراتيجية شاملة لتدمير قدرة وإرادة التنظيمات الإرهابية المختلفة، وردع الدول التي تساعدها مثل باكستان.

اقرأ أيضًا: أمريكا التي لا تعرفها.. 5 كتب تكشف الجانب المظلم للسياسة الأمريكية

ويشدد كاسيدي على الحاجة إلى استراتيجية محكمة لمواجهة الأيديولوجيا المتطرفة تتحرك بحزم لتجفيف مصادر تمويل الإرهاب ومدارسه التي تنشر العقيدة السلفية الوهابية. كما يجب أن يشمل الحل طويل الأمد استراتيجية دبلوماسية وتعاونًا إقليميًا ودوليًا لعلاج المظالم والأسباب الحقيقية المسببة للعنف. وحتى ذلك الحين، ستظل المشكلة قائمة، وسيتواصل القتال بين حلف أمريكا من جهة والجهاديين من جهة أخرى.

يختتم كاسيدي بالقول إنه من غير الواقعي الاعتقاد أن التحركات الغربية ستكون بلا عواقب. إن الحلف الغربي لا ينتصر أو ينهزم، وإنما فقط يطيح ببعض رؤوس الإرهاب، وهو ما لا يعد استراتيجية ولكنه أفضل من لا شيء، طالما أن الخطوات والعمليات التي يجري القيام بها تتحاشى قتل المدنيين ولا تخلق المزيد من الأعداء. وإلى حين ردع الغرب داعمي الإرهاب مثل السعودية وباكستان، وإيجاد حلول جذرية للمظالم، سيظل الحلف الغربي يقتل عددًا لا نهائيًا من الإرهابيين ويعمل على تدمير المجتمعات العلمانية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد