منذ الإعلان عنها في أبريل 2015، أسفر الاتفاق المبدئي بشأن برنامج إيران النووي عن الإفراج عن 7 مليار دولار من العقوبات على إيران، هذا على الرغم من أن الجزء الأساسي من عقوبات أمريكا والاتحاد الأوروبي مازال على حاله. يواجه الرئيس باراك أوباما معارضة شديدة ضد الصفقة من الكونجرس، على الرغم من هذا، فإن شركاء الاتحاد الأوروبي تواقون للعودة إلى السوق الإيرانية التي قوامها 77 مليون نسمة.

تحقيقًا لهذه الغاية، صناع القرار الإيراني، بمن فيهم وزير الإعمال التجارية والصناعية محمد رضا نعمت زادة سيجتمعون لمناقشة الفرص الاقتصادية المستقبلية للمستثمرين الأوروبيين، وذلك ضمن مؤتمر تنظمه غرفة الاتحاد الاقتصادي النمساوي. ألمانيا، واحدة من أقدم الشركاء التجاريين لإيران والتي صدرت للسوق الإيراني ما يقرب من 3.8 مليار دولار من البضائع والخدمات عام 2012، قد تزيد صادراتها إلى أكثر من 11 مليار دولار سنويًا إذا تم رفع العقوبات.

احتياطات إيران غير المستغلة من الطاقة تمثل واحدة من أكثر مغريات إيران الاستثمارية. يبلغ إجمالي الإنتاج السنوي لإيران من الغاز الطبيعي 8.2 تريليون قدم مكعب تقريبًا، وهي تصبح بهذا ثالث أكبر منتج للغاز في العالم بعد روسيا والولايات المتحدة. على الرغم من مواردها الهائلة، فإن حصة إيران من تجارة الغاز عالميًا بلغت 1% فقط من إجمالي الأرباح. السوق المحلي للغاز أيضًا لا يزال متخلفًا نتيجة للعقوابات، ليمثل فقط 5% من إجمالي 231 مليون دولار يوميًا، هي مجموع عائدات النفط الخام العالمية.

أصدقاء كبار

لدى إيران سجل حافل من استمالة شركات الطاقة للضغط على الغرب. عام 1991، عقدت طهران اتفاقًا مبدئيًا مع شركة كونوكو، لتمنح الشركة التي مقرها أمريكا، حق تطوير حقول الغاز والنفط في إيران. من خلال هذه الجهود، سعت إيران إلى إغراء شركات النفط الأمريكية للضغط على سلطات الولايات المتحدة لتغير أسلوبها تجاه النظام الإيراني. أسفرت هذه الجهود عن حملة سرية من قبل شركات النفط العملاقة لتحسين صورة إيران العامة لدى الولايات المتحدة وقادت إلى ضغوط على واشنطن لتعزيز التعامل التجاري مع إيران.

عندما بدأ محمد خاتمي فترة ولايته كرئيس لإيران عام 1997، سعى إلى تليين المواقف الغربية تجاه بلاده. دفعت سياساته إلى إنشاء العديد من مجموعات الضغط في جميع أنحاء الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، فإن المجلس الوطني للتجارة الخارجية، وهي مجموعة ممثلة للشركات الكبرى في الولايات المتحدة، بدأ مبادرة الضغط الخاصة به والمسماة: USA*Engage. جماعات ضغط تجارية كبرى أخرى في الولايات المتحدة أسست لاحقا المجلس الإيراني الأمريكي AIC، بإدارة مكونة من دبلوماسيين أمريكيين سابقين، ومسؤولين تنفيذيين من شركات شيفرون، إكسون موبيل وهالبيرتون. الـAIC والذي حظي بدعم مالي من النظام الإيراني، كان مصممًا بهدف واحد: تغيير الأولويات السياسية الأمريكية تجاه إيران بهدف رفع العقوبات وخلق الفرص للشراكات التجارية المربحة في البلاد.

دول الاتحاد الأوروبي واجهت ضغوطًا مماثلة من بعض الشركات. عندما ألغى البيت الأبيض صفقة المليار دولار بين كونوكول وإيران عام 1995، ركزت إيران اهتمامها على شركات النفط الأوبية مثل إيني، ورويال داتش شل وتوتال. هذه الشركات كان عليها أن تلغي عقودًا مربحة أخرى مع إيران بحلول عام 2000 عندما طبقت مجموعة أخرى من العقوبات عليها. لكن الرئيس حسن روحاني يعلم جيدًا فائدة أن تعمل شركات نفط قوية أوروبية كجماعات ضغط لرفع العقوبات عن بلاده.

في الواقع إن الجهود المبذولة لاستعادة تجارة النفط مع أوروبا بدأت فور انتخاب روحاني. عقد روحاني اجتماعات مغلقة مع المسؤولين التنفيذيين من شركات BP، ايني، شل وتوتال على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عام 2014. ركزت الاجتماعات على الكيفية التي تستطيع بها طهران اجتذاب استثمارات النفط والغاز لقطاع الإنتاج في بلاده. كان روحاني حريصًا على ربط هذه الفرص بالرفع المحتمل للعقوبات عن بلاده عقب الاتفاق النووي.

قبل أشهر قليلة من مؤتمر دافوس، قابل روحاني مسؤولين تنفيذيين من القطاع الخاص في أوروبا وأخبرهم أنه “بعد وزير الخارجية، يلعب وزير الطاقة – خاصة في ظل سياسات وقوانين مريحة جدًا – دور وزير الخارجية الثاني”. في سبتمبر 2014، تم تعيين علي مجيدي كسفير لإيران في ألمانيا. مجيدي هو واحد من أبرز متخصصي إيران في تجارة النفط والغاز الدولية. يشير مجيدي إلى أنه إلى جانب المحادثات النووية، قد يناقش الأوروبيون والإيرانيون طرق نقل الغاز المختلفة بمجرد رفع العقوبات. لا يمكن التقليل من أهمية قطاع الطاقة الإيراني في المفاوضات الأجنبية. ترى طهران كيف يمكن لتطوير النفط أن يمدها بالنفوذ المالي لإنهاء العقوبات، وهي سعيدة لأن لديها شركات تضغط على حكومات بلادها لتخفيف القيود التجارية.

في المقابل، شركات الطاقة الأوروبية أكدت على أهمية إعادة كتابة العقود الإيرانية، لتعطي الشركات الخارجية فوائد متفقًا عليها مسبقًا. حتى الآن، هذه التوافقات تسمح فقط للمستثمرين بالعمل كمقاولين داخل إيران، وتمنعهم من وجود حقوق على حقول النفط أو ملكية على الأصول الإيرانية. الحظر على التملك الأجنبي لحقول النفط قائم حتى قبل ثورة 1979 الإسلامية. لكن قد يمكن تخفيفه إذا كان الاتفاق النووي يعطي طريقة لتوظيف استثمارات جديدة في قطاع الطاقة في البلاد.

في فبراير 2015، أعلن وزير النفط الإيراني بيجن زنكنه أن عقود النفط ستسمح بتشكيل مشاريع مشتركة واستثمارات طويلة الأجل تمتد من 10 إلى 25 عامًا، مع هيكل مرن من الرسوم والقوانين. بعد المراجعات المقترحة، يمكن للشركات الأجنبية أن تشارك في أكثر من مجرد التنقيب عن النفط وتطويره. التغييرات الجديدة في القوانين الإيرانية ستسمح للمستثمرين أن يكون لهم دور في إنتاج النفط أيضًا، وسيكون بإمكانهم أن يدرجوا أرباحًا من حقول النفط الإيرانية على قوائم أرباحهم. بتعديل العقود، تأمل الحكومة الإيرانية أن تحصل على التكنولوجيا والخبرات اللازمة لتطوير حقول جديدة، وأن تتمكن أيضًا من استخدام الشركاء الأجانب الجدد كوسيط في تصدير النفظ والغاز إلى الأسواق العالمية.

من المتوقع أن تجتذب هذه العقود أكثر من 40 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية، وأن تكون توتال الفرنسية وإيني الإيطالية بين أول الشركات المهتمة. توتال لديها اهتمام قوي بالعودة إلى إيران، لا سيما إلى حقل بارس الجنوبي للغاز، وهي منطقة مشتركة بين إيران وقطر وتعتبر الأكبر في العالم. اضطرت توتال إلى إيقاف عمليات التطوير هناك بسبب العقوبات. بالمثل فإن مسؤولين تنفيذيين كبار من شركة رويال داتش شل قابلوا زنجنه مؤخرًا في فيينا لمناقشة سداد الديون الناجمة عن النفط الذي لم يتم تسليمه كنتيجة للعقوبات. يعتبر هذا أمرًا حاسمًا في مستقبل علاقات الشركة مع طهران.

في حين أن كبرى شركات النفط والغاز في الاتحاد الأوروبي قد تكون مدفوعة بمصالحها الخاصة، فإن استعداد الدول الواضح لمناقشة احتمالات استيراد الغاز من إيران تظهر تغيرًا تدريجيًا في موقف أوروبا من طهران. أمن الطاقة في أوروبا يشكل تحديًا دائمًا، وأصبح أكثر تحديًا بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وفرض العقوبات الأوروبية على موسكو. ينتقل 16% من غاز أوروبا من موسكو عبر أوكرانيا. ستكون أوروبا إذًا في ورطة إذا أغلقت روسيا الصنابير. ألمانيا تحديدًا ستكون في خطر كبير؛ إذ تمدها روسيا بـ 40% من احتياجها من الغاز الطبيعي. بعد كارثة فوكوشيما قررت الحكومة الألمانية إنهاء كل أشكال إنتاج الطاقة النووية، لهذا على ألمانيا أن تحصل على قدر أكبر من الغاز الروسي. كانت ألمانيا على شفا كارثة شح كبير في إمداد الغاز لثلاث مرات خلال العشر سنوات الماضية بسبب عدم الاستقرار السياسي بين روسيا وأوكرانيا.

إذا لم تعمل المستشارة أنجيلا ميركل على تنويع مصادر إمدادات الغاز في بلادها، فإن مرتكز الاستقرار الاقتصادي في أوروبا قد لا تكون قادرة عى تجنب أزمة غاز أخرى، وهذا يجعل احتمال الحصول على إمدادات من الغاز الإيراني مغريًا جدًا.

الكتابات حول برنامج إيران النووي تهتم بمسألة الحد من انتشار الأسلحة النووية. لكن هناك ما هو أكثر بين السطور. لدى إيران الكثير مما تقدمه للعالم من خلال مصادر الطاقة لديها، والعالم لديه الكثير ليقدمه لإيران لمساعدتها في إنتاج وتصدير احتياطاتها النفطية الهائلة. منع إيران من تطوير أسلحة نووية قد يكون المحفز الأول للمحادثات، لكنه ليس الوحيد أبدًا. شركات النفط لديها مصلحة هائلة في افتتاح متاجرها في إيران، وكذلك الدول التي تحتاج بشدة أن تنوع مصادرها من الطاقة في مواجهة الصراعات العالمية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد