شهد الأسبوع الماضي حفل تخرج جامعة تل أبيب السنوي لطلبة الماجستير الدوليين. كان الحفل مختلفًا هذا العام عن أي عام مضى، ذلك النوع من الحفلات الذي دائمًا ما يتم إعداده خصيصًا لتهنئة الطلاب على انتهاء دراستهم وانتقالهم لمرحلة جديدة من الحياة ليدخلوا إليها بعقل أكثر حكمة من ذي قبل. دائمًا ما يتم دعوة أكثر الطلاب تفوقًا لإلقاء كلمة على المنصة أمام الحضور، في أغلبية تلك الأحاديث يكون الكلام مملًا ومكررًا وغير استثنائي.

هشام حسنين، الذي ولد وتربى في ريف مصر، ربما الصعود على المنصة وإلقاء كلمة أثناء التخرج من جامعة إسرائيلية هو آخر مكان في العالم قد تتوقع وجود هذا الشاب الريفي فيه. في كلمته، يتذكر حسنين كيف أحيط في طفولته بالكثير من العوامل التي تمنعه من الوجود في هذا المكان أو في إسرائيل بشكل عام. المنزل، الإعلام والكثير من العوامل الأخرى كثيرًا ما تلقى منها الكثير من الأحاديث المعادية لإسرائيل.

“كل شخص موجود في هذه القاعة بالتأكيد لديه صديق أو أحد أفراد عائلته قد نصحه سلفًا بعدم القدوم إلى إسرائيل، الكثير من الكلمات التي سمعناها مثل: “هناك صراع قائم هناك!”، “ألا تخاف من أن يتم قتلك هناك؟”، “هل يتحدث اليهود الإنجليزية أصلًا؟”، “هل لديهم ماءً؟”. إذا كنت تظن بأنك سمعت ملايين الأسباب التي تمنعك من القدوم إلى إسرائيل فأنا قد سمعت مليون ونصف المليون من هذه الأسباب. كشخص تربى في مصر، الدولة بأكملها لديها موقف معادٍ ضد إسرائيل، جميع الآراء بشأن إسرائيل هناك سلبية، كل ما نعلمه أننا خضنا معهم حربًا دامية، وأنهم ليسوا مثلنا أبدًا”.

“بداية ما سمعته عن إسرائيل كان من خلال الراديو والتلفزيون، في الراديو كان هناك الكثير من الأغاني والأناشيد التي تتحدث عن الدمار الذي أحدثته إسرائيل. في الأفلام أيضًا تم تصوير الإسرائيليين كجواسيس ولصوص، على الرغم من كون مصر وإسرائيل قاما بتوقيع اتفاقية سلام في العام 1979، إلا إنني أُخبرتُ بأن الإسرائيليين هم أعداؤنا الأساسيون”.

يقول حسنين أن ما وجده كان العكس تمامًا: “في أول يوم لي في الجامعة، رأيت بعض الرجال يرتدون الكبة، بعض النساء ترتدي أغطية الرأس وكذلك نساء ترتدي الحجاب، رأيت جنودًا يسيرون بهدوء وسلام بين جموع الطلبة، قابلت أناسًا من كل الأجناس في هذه الجامعة، كان هناك في الجامعة متسعًا لهم جميعًا: اليهود، المسلمون، المسيحيون، الدروز، البدو وحتى الطلاب الأجانب من مختلف الجنسيات”.

“يا له من أمر رائع أن تعيش في مدينة يمكنك فيها الذهاب إلى الشاطئ في وسط المدينة (تل أبيب) وترى امرأة مسلمة، شخصان مثليا الجنس يقبلان بعضهما وفي الجانب الآخر أحد أعضاء حركة الحاسيديم، كل ذلك في مكان واحد معًا. أخبرني عن مدينة أخرى يمكنك أن ترى فيها مسيحيًا عربيًا تمتلئ شقته بصور لماو ولينين. أخبرني عن مكان آخر تستطيع أن ترى فيه أحد أعضاء كتيبة السيف (كتيبة عسكرية إسرائيلية من أهل فلسطين، أسست خلال الصيف عام 1948م، وكانت التسمية السابقة هي وحدة 300، قاتلوا بجانب الكتائب الإسرائيلية ضد المحاربين الفلسطينيين والقوات العربية وجيش الإنقاذ) يقرأ القرآن في القطار في نهار رمضان، أين أيضًا يمكنك رؤية يهودي أشكينازي يتجادل مع آخر مزراحي حول خطف عائلات الأشكيناز للأطفال اليمينيين في 1950”.

تحدث حسنين أيضًا عن الكثير من المفارقات التي لاحظها خلال فترة وجوده في إسرائيل “ربما كان أعظم الأشياء التي ألهمتني خلال وجودي في إسرائيل هي بالرغم من كل هذه الصراعات التاريخية وصراعات الهوية إلا أن الناس في إسرائيل ما زالوا قادرين على أن يعيشوا حياتهم اليومية بروح من التعاون الكامل”، يفصل حسنين هذا الأمر من خلال هذه القصة:

“في الأسبوع الأول لي هنا في الجامعة، قابلت فتاة لطيفة من عرب إسرائيل والتي أخبرتني بأهمية مقاطعة الدول العربية لإسرائيل، في نهاية محادثتنا، مر أمامنا طفل إسرائيلي صغير – ربما يبلغ 8 سنوات – وكان سعيدًا جدًا برؤيتها، اكتشفت لاحقًا أنها كانت مدرّسته. قامت هذه الشابة باحتضان هذا الطفل وتقبيله على خديه، لقد كان هذا اللقاء أشبه بلقاء الأخ بأخته، لقد استطعت رؤية حبها للطفل واضحًا كما رأيت حب الطفل لها. لا يهم مدى عمق الصراع الدائر، إلا أن الجانب الإنساني بداخلنا يجب أن يكون هو الأمر الطاغي على أفعالنا”.

يختتم حسنين كلماته قائلًا: “ينبغي علينا دائمًا مراجعة افتراضاتنا وما نعتبره من المسلمات، وجودي هنا في إسرائيل قد علمني أن الحياة مليئة بالكثير من المفارقات والتعقيدات، لا شيء يسير بشكل مستقيم، وأن الأشياء لا تبدو دائمًا بالشكل الذي تبدو عليه من بعيد”.

شاهد كلمة هشام كاملة:

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد